17 يونيو 2025

ماذا تُعلمنا الثانوية العامة؟

تُعتبر فترة الثانوية العامة ذات أهمية خاصة في رحلة الشاب في بلدنا. يسبقها تهييء نفسي جماعي لأهوالها ومصاعبها، وتصوَّر كل ما سيأتي بعدها أنه يعتمد على نتيجتك وأدائك في هذه السنة المفصلية. يعيش الشاب فيها رحلة نفسية مرهقة غير مبررة، تؤثر في نفسيته وتشكل الطريقة التي سيفهم بها العالم فيما سيأتي في حياته، وتحدد مفاهيمه عن الهدف من الحياة ودوره ورحلته فيها، وعلاقته بالمستقبل وبما يريده من الحياة. بالإضافة لما تكون هذه الفترة مسؤولة عنه من آلام غير مبررة، فإنها مسؤولة أكثر عن إهدار إمكانات وطاقات وأحلام كثير من الشباب، وفي بعض الأحيان حياتهم، ولا أظنه ضروريًا أن أصر على هذه النقاط، فنحن نعرف من القصص ما نعرف، ومنها ما قد يمسنا شخصيًا، فلا حاجة لذكر دراسات تشير إلى دور هذه الفترة في زيادة نسب الاكتئاب والقلق وحتى الانتحار. ويهمني ذكر الصفة شبه العالمية للكآبة والقلق المصاحبين لهذه الفترة، فيتشابه الأثر المؤلم لها في كثير من الدول وخاصةً تلك التي تُعد «الأكثر تطورًا في التعليم». ولا ينحصر انتقادنا للتعليم المعاصر في أنه ذو أثر نفسي سلبي على الطلاب، ولكن جوهر انتقادنا هو أن التعليم المزعوم لا يشبه «التعليم» في شيء، وليس فقط بالمعايير الفلسفية التي نطرحها في هذا المقال، بل هو في أحيانٍ يفشل في تعليم ما يريد تعليمه أصلًا، ولا يوجد دليل أكبر من علاقة الناس بالمواد الدراسية بعد الانتهاء منها، بل والأكثر من ذلك، علاقتهم بها أثناء دراستها، فترى أنها علاقة شديدة السطحية في أهون الأوصاف، ولهذا نلجأ لاستخدام الترفيه لتمرير هذه العملية المملة، وهو ما نعتبره نوعًا من الخداع أو «التخدير»، في حين أن التعليم الفلسفي يتضمن أن يتوافق الدارس مع العلوم والفنون التي يدرسها، بل ويتفق والطريقة التي يدرسها بها. 

أضيف تجربتي الخاصة في الثانوية العامة لبقية التجارب، وأذكر كل المشاهد الغريبة التي كنا نُضرب ونُهان فيها كطلبة، ويُهان فيها بالتبعية المعلمون، وتهان فيها رحلة التعليم نفسها، لدرجة أن تصبح شيئًا بلا قيمة تمامًا، بل ومحط سخرية. مجرد مرحلة نبدؤها ونحلم سريعًا بالانتهاء منها، بدلًا من أن تكون رحلة التعلم رحلة مقدسة محورها الحكمة وغرضها تحقيق الكمال الإنساني، لأنها رحلة تعلم الساعي لها أسرار نفسه والحياة، وتحرره من قيود الجهل، وتجعل منه إنسانًا. ولكن التعليم كما نعرفه ليس -في أحسن أوصافه- سوى إهدارٍ للطاقات والوقت، وإعاقةٍ لما يريد الطالب من قلبه أن ينفق فيه وقته ومجهوده. 

تجعلنا الأسباب السابقة نأخذ الثانوية العامة مثالًا تبرز فيه علاقتنا بمفهوم التعليم، ونتأمل فيما يعنيه هذا المفهوم وفي الحالة التي وصل إليها، بالإضافة لآثاره على حياتنا وعلى ما هو محوريٌ فيها، وهو يستلزم منا تفكيرًا وتأملًا، لأن نقطة انطلاقنا هي أن التعليم مسألة تخص رحلتنا في الحياة، وعملية كان لها في وقتٍ ما سمة مقدسة لدورها في جعل الإنسان ما يجب أن يكون عليه، أي تحقيق طبيعته الإلهية، وهو ما يرتقي بها إلى أعلى ما هي عليه، إلى ما يجب أن تكونه. 

ما الذي نتعلمه؟

يُعد ضيق الأفق أحد صفات التعليم المعاصر، لا يعرف فيه الطالب إلا معنًى واحدًا للتعليم، ونوعًا واحدًا من المعرفة، ولا يطور فيه الطالب إلا نوعًا واحدًا من المهارات قليلة الأهمية والتي تتعلق خصوصًا بالذاكرة بمختلف أنواعها، فتعليمنا يُحدده القدر الذي نتذكره مما درسناه، ولا يوجد فيه جزء أكثر دوامًا. فنحن ندرس العلوم المختلفة دون أن تُطور علاقة تربوية بين الطالب والعلم الذي يدرسه، تلك العلاقة التي ترتبط فيها العلوم بالجوهر الذي تنبع منه، ألا وهو الحكمة، وتلك الحكمة تجعل العدل جوهر القانون، والجمال والنظام جوهرا الهندسة والبناء، إلى آخره من القيم المرتبطة بكل المهن والعلوم، وفي غيابها تفقد جوهرها مثلما هو الحال اليوم. فدراسة القانون مثلًا لم تعد تشمل التأمل في مفاهيم العدالة، وهي لا تُعنى بتنمية حس العدالة عند دارس هذا العلم، وربما تكون الهندسة مثالًا جليًا أكثر على التدهور المقصود، فإن كان أحد يشكو قبح المباني والمدن الحديثة ويُقدر المباني القديمة، فأحد أسباب هذا التدهور غياب تلك القيم عن العلوم.

الثانوية العامة إذًا لا تخدم في نظرنا هدفًا تربويًا، فلا تكون سوى رحلة غربة بين الطالب والتعليم، والمؤلم أكثر أن هذه الغربة تشمل القائمين على هذا التعليم، أي المعلمين أنفسهم، فليس التعليم بالنسبة لهم أكثر من وظيفة ذات غاية مادية وحسب، ولا تمثل تنمية الصفات المذكورة إلا أهمية ثانوية قد تُذكر أو لا تُذكر، وإن ذُكرت، ففي سياق نصيحة وعظية لا أكثر، فهي مفاهيم وقيم تغيب عن المتحدثين عنها كما تغيب عن سامعيها، بل تُعتبر خارج إطار «التربية والتعليم» أساسًا. وعملًا بمقولة أن «فاقد الشيء لا يعطيه»، فأكبر أساتذة القانون لا يشترط فيه أن يكون إنسانًا عادلًا، وأكبر القضاة ربما لا يكون أكثر من مجرد «حفِّيظ»، وهلم جرًا. هذا السبب الذي يدفعنا إلى قول أن التعليم الذي يتضمن في تعريفنا نقل نوع من الحكمة بعيدٌ عن أي مدرسة أو جامعة، ولهذا نحن نجد اليوم أمثلة كثيرة على «غير متعلم» متعلم، و«متعلم» غير متعلم، ولا أظنني بحاجة لضرب الأمثلة على هذا الأمر. فمن المبرر تمامًا، وهذا الحال، أن تكون مدارسنا سيئة الشكل، والأخلاق المنتشرة فيها رديئة، وأن يحكم التعليم مبادئ غريبة تمامًا عن أي «تعليم» حقيقي، لأن التعليم بالنسبة لنا جميعًا، في قرارة أنفسنا، ليس شيئًا مهمًا يستحق الاحترام، وهو وضع مناقض تمامًا لمكانة التعليم في أزمنةٍ وحضاراتٍ خلت.

وعادة ما يكون معيار التقييم والمرجع لما ينبغي أن يكون عليه التعليم هو النموذج الغربي المعاصر، ودون التفصيل كثيرًا في أعطاب هذا المعيار يكفينا ذكر أنه إن كان هذا هو حالنا ونحن نقتدي بهذا المعيار الذي نطبقه بغير كفاءة، فإن حال من يطبقوه بكفاءة يستدعي الحزن لا الانبهار، إذ أنه يعني فقدانًا للمعنى العميق للتعليم.

التعليم طريق روحي 

نحن ننطلق من اعتقاد أن الغرض من التعليم الحقيقي هو تطوير الإنسان إلى أفضل شكل له، أو -بالتعبير الأفلوطيني– أن يجعل الإنسان أقرب ما يمكن من صورة الله. وينبع هذا من رؤية أن للإنسان أصل أسمى ينبغي عليه تحقيقه، وتتضمن تلك الرؤية «وجود» -إن صح التعبير- هذا الأصل المتسامي في العالم الذي يُكوِّن أيضًا أساس العلوم والفنون التي تُعبر عن تلك الحكمة الكونية، والتربية والتعليم هما الأداة التي تسير بالإنسان إلى أصله الإلهي، ولهذا نقول أن التعليم هو بحث عن الحكمة، وهو بحث فلسفي في الأصل. ولأن مستويات الناس من الحكمة وطرائقهم لها متعددة، فيُفترض في التعليم أن يتضمن أنواعًا وطرقًا تناسب طبائع الناس المختلفة، حيث يجد فيه كل شخص نفسه، وهو جوهر فكرة التعليم المناسب للطبائع والطبقات المختلفة عند أفلاطون.  

تتعدد الشواهد التاريخية ولو للناظر البسيط على رؤية الحضارات القديمة لمفهومي التربية والتعليم كما أشرنا لهما، فإن أخذنا القانون مثالًا في الحضارة الإسلامية، يُنتظر من دارس الفقه والشريعة أن يكون أكثر حكمة وعدلًا في الحكم بين الناس من غير دارسها، بحكم اتصال علم القانون بحكمة مقدسة متمثلة في العدل، فإن انقطع العلم والتطبيق عن تلك القيم أُعِدا غريبين عن روح الرسالة، وإن أخذنا الهندسة مثالًا في الحضارة المصرية القديمة، فلن يسع هذا المقال مجالًا للحديث عن مكانة الهندسة في تلك الحضارة والقيم الفلسفية والأسطورية والدينية التي ارتبطت بها من جانب، والطريقة التي كان يُعَد بها ممتهنو هذا العلم من جانب آخر، والتي تضمنت إعدادًا فلسفيًا وأخلاقيًا وفكريًا على السواء، مما يجعلنا نخلُص إلى أن التعليم رحلة يبحث فيها المرء عن الحكمة التي يفهم بها نفسه والكون، ويجسدها للعالم في أعماله التي تشكل بذرة بناء مجتمع وحضارة. 

إن انطلقنا من هذا المنطلق الذي يدفعنا للربط بين التربية والتعليم من ناحية وبين هدف سامٍ كالبحث عن الحكمة، نجد أنه لا رابط يربط بين ما نعرفه عنهما وما ينبغي أن يكونا عليه، وهو ما يدعونا أيضًا للاعتقاد بأن هاتان الكلمتان تكونان ذات أهمية ضئيلة في غير هذا السياق؛ إذ أن الكلمات المرتبطة بالتربية، كالتعليم والثقافة مثلًا، حتى على مستوى اللغة، في اللاتينية والعربية، تحمل معاني اكتشاف الفرد لنفسه، وهو سياق مختلف كليًا عن التعليم الذي نتعرض له، الذي يؤدي بنا أغلب الأحيان للابتعاد عن هذه المعرفة، وبالتالي فقدان اتصال المرء بنفسه، وبالتالي، بالكون، وبهذا الشكل نجد أن مؤسسات التربية والتعليم الحالية لا تهتم بالتعليم حقًا إن أخذناه بالمعنى المطروح، بل إن العملية نفسها تخلو في طياتها من هذا الهدف ويُعد غريبًا عنها.

يجب توضيح عدم اهتمامنا بالانتقاص أو التقليل من أهداف وأغراض التعليم المعاصر، ولكن الهدف هو وضعه في المكان المخصص له حيث لا يحتل مكانة ليست له، فمشكلته أنه يتطور في اتجاه سطحي تمامًا، وهو مراكمة «المعرفة» بمعناها الشائع، فلو رسمنا التربية والتعليم على خطين أحدهما عمودي يتجه نحو الحكمة وهو التربية، والآخر أفقي يتجه نحو المعرفة وهو التعليم، سيكون التعليم في تطور غير متكافئ في الناحية الأفقية، وهي الناحية التي تعتمد على الناحية العمودية وتأخذ منها قيمتها في الوضع المثالي، ولكن ما نجده هو انقلابٌ لهذا الوضع، إذ يتجه دومًا التعليم ناحية المعرفة بدون أساس، ولا تُستخدم سوى بغرض التطور الاقتصادي وتقوية «سوق العمل»، أي من أجل الهدف المادي في المقام الأول. ويحتل هذا الهدف محورية تُحدد على أساسها قيمة وأهمية فروع علمية كاملة، وهو ما يفسر الاهتمام الموجه نحو العلوم الطبيعية، والنزعة نحو الاستهزاء بالعلوم ذات النزعة «التأملية» وهو مظهر «الانقلاب» المذكور، إذ إن تلك العلوم التأملية هي في الأغلب الأقرب من الخط العمودي ولو حتى بشكل سطحي، ومصدر الاستهزاء هو أن المنفعة المادية هي المنفعة الوحيدة المرجوة والمُعترف بها، وهو ما يؤكد نقطتنا أكثر، أن التربية والتعليم، بمعنى الحكمة التي تحرر الإنسان وتُعرفه كيف يعيش الحياة، وتصل به لأصله المتسامي، ليسا من أهداف التعليم القريبة أو البعيدة.

تنمو أهداف المنفعة المادية حتى تشمل مختلف نواحي الحياة التي تكون محدودة بدورها، فلا يكون هناك محلٌّ ليتأمل المرء مصيره الإنساني ومسعاه وأصله، ونجد أن الإنسان يحيا للتطور في هذا المسعى المادي الذي تلقاه وأعِد له منذ صغره، فيكون جمع المال، والترقي في السلم الوظيفي هما شغل الإنسان الشاغل.

أيّ تعليم نريد؟

كتبتُ هذا المقال وفي ذهني تجربتي في الثانوية العامة وفي التعليم عمومًا، وكذلك القصص التي أسمعها يوميًا من أقربائي حول آمالهم في مستقبل أفضل يكونون فيه ما يريدون أن يكونوه، وكيف تحطمت تلك الآمال بسبب ما لاقوه في هذه المرحلة، وبسبب تجربتهم في التعليم. كتبتها أيضًا وفي بالي كبرياء من تعلموا في مدارس وجامعات «أفضل»، حيث لا وجه أفضلية إلا القوة المادية، وليس حتى مستوى معرفة أفضل. كتبته وأنا أخاطب وأستمع لطلاب وأساتذة «أفضل جامعات العالم» وأتعجب من مدى ضيق فهمهم وأفقهم وحكمتهم، وتسائلتُ ما وجه أفضلية هؤلاء الناس، وتلك المؤسسات على سائرها؟ ووجدتُها جميعًا أسبابًا سطحية لا تمس جوهر الإنسان. مَن يبتغي التعليم ظانًا أنه سبيل تحقيق الثراء فهو مخطئ، ومن ابتغى تعليمًا حقيقيًا فمكانه لم يعد في المدارس والجامعات، بل هو حيث يجد المرء الحكمة أيًّا كانت. هكذا يُفتح الطريق أمام الإنسان للتفكير والوزن بين مسعى المادة ومسعى الحكمة والتعلم، ولكل منا حرية اختيار النسبة المعتدلة من الوزن والتوفيق بين الاحتياجين، أيهما سيكون المحور والمسعى، وأيهما سيكون الخادم والمُساعد. وينتج عن هذا إدراك أنه إن كان هدف الفرد فينا هو البحث عن التطور المادي، فهذا التطور غير مرهون ولا مشروط بهذا التعليم فحسب، ولن يقف عنده، وأن المسألة متعلقة بتعلم «اللعبة» التي يلعبها هذا العصر، فهي مسألة استراتيجية وتكتيكية، وليست أكثر من هذا، على الرغم من الحيز الكبير الذي تشغله في عقولنا، حيث نُوهَم بأنه لا كد ولا عمل إلا في هذا السبيل، وهذا هو وضع الأغلب الأعم منا، فتتهدد الشعلة المنيرة بداخل الإنسان التي تذكره بضرورة الإجابة عن تلك الأسئلة. 

  • طالب جامعي متعدد الاهتمامات والهوايات، من ضمنها الاستمتاع بالتمشي سائحًا تحت ستار الليل في الشوارع المشجرة الوحيدة، وسواء كنت وحدي أو مع رفيق، فأنا أشعر دومًا بدفء المعنى الذي أحمله وأراه وأنا أمشي، فبالكتابة بوثقه، بخلقه، بحميه من العدم وبوجده، وبتمنى الحقيقة تكون هي الدافع والطريق حتى لو مكانتش المصير.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا