لست بحاجة إلى البحث بعيدًا أو بعمق في وسائل الإعلام والتواصل الموجودة اليوم حتى تكوّن فهمًا لما هو المقصود بالثقافة الجماهيرية. ببساطة أي صناعة لها شعبية منتشرة بشكل أو بآخر وتناشد عامة الجماهير، وفي نفس الوقت تؤثر في وعي ذلك الجمهور وفي اختياراتهم وتبَلِّغُهم بشيء -يمكن أن يتم اعتبارها عناصر مما يسمى بالثقافة الجماهيرية. ومع ذلك يوجد مساحة كبيرة من سوء الفهم عندما يتعلق الأمر بفهم ما الذي تمثله الثقافة الجماهيرية بالتحديد أفضل.
فكر في الفئات المختلفة من الوسائط التي تندرج ضمن ما يمكن تسميته بالثقافة الجماهيرية: التلفزيون، الأفلام، الموسيقى، الأخبار، مواقع التواصل الاجتماعي، الإنترنت، اللغة الدارجة، والفن. كل هذه الأشكال تشكل جزءًا كبيرًا من المجال العام، وتلعب دورًا أساسيًا في نشر المعلومات، وبالتالي تؤثر بشكل لا مفر منه على وعي العالم الحديث. هدفي من خلال هذه المقالة هو إظهار الدور الذي تلعبه صناعة الثقافة في تشكيل وعينا وشخصياتنا اليوم.
هل يعني ذلك أنه كان هناك فترات في التاريخ لم تكن الثقافة الجماهيرية مؤثرة فيها؟ هنا يجب تمييزالطبيعة الحديثة للثقافة الجماهيرية. فالمفهوم الذي أستخدمه يشير إلى ظاهرة مرتبطة بالعصر الصناعي، حيث تختلف هذه الثقافة في طريقة وصولها إلى جمهورها، وذلك بفضل التطورات التكنولوجية التي سمحت بانتشار المعلومات على نطاق أوسع وعلى مستوى عالمي.
الفرق بين الثقافة الجماهيرية والفولكلور:
يجب التمييز بين الثقافة الجماهيرية والفولكلور. فالتعريف السابق للثقافة الجماهيرية يمكن أن ينطبق أيضًا على الفولكلور، ولكن الفولكلور هو نتاج فكر وسلوك أكثر أصالة، يرتبط بتاريخ وثقافة بلد معين، ويظهر في أساطيره وأغانيه ومعتقداته وموروثاته. أما الثقافة الجماهيرية، فغالبًا ما تكون نتاجًا لعمل شركات ومؤسسات، وليست بالضرورة متجذرة في مكان محدد. يمكن اعتبار الفولكلور ظاهرة تتطور بشكل طبيعي عبر الزمن، في حين أن الثقافة الجماهيرية غالبًا ما تكون مصطنعة.
كيف نشأت الثقافة الجماهيرية؟ (مدرسة فرانكفورت):
هناك منظور آخر، لكنه مكمِّل، لفهم نشأة الثقافة الجماهيرية، وهو المنظور الذي قدمه فلاسفة مدرسة فرانكفورت ونظريتهم النقدية. إذ يركز تحليلهم بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي الذي يغذي الثقافة الجماهيرية، أي الجانب الرأسمالي. في هذا السياق، تُستخدم عناصر الثقافة الشعبية كوسيلة للطبقة الغنية والحاكمة للتحكم في الجماهير والفئات الأخرى في المجتمع.
هذا يعني أن جميع أشكال الإعلام الجماهيري التي نراها اليوم تهدف في المقام الأول إلى تحقيق الربح.
الهدف الأساسي من إنتاج هذه الوسائط ليس تقديم شيء أصيل، بل إنتاج الأرباح. فكِّر، على سبيل المثال، في أنواع الموسيقى المنتجة اليوم وقارنها بتلك الخاصة بأسلافنا في المجتمعات ما قبل الصناعية، حيث كانت الموسيقى الكلاسيكية تحرك مشاعرنا بتراكيبها المتقنة، بينما استُبدلت اليوم بموسيقى البوب ذات الإيقاعات الجذابة ولكن ذات التأثير العابر.
بالإضافة إلى دورها المحوري في الاقتصاد اليوم، تلعب صناعة الثقافة دورًا آخر لا يقل أهمية، وربما يكون أكثر تأثيرًا من وجهة نظر أولئك الذين يتحكمون فيها، وهو الدور النفسي. حتى القضايا الاجتماعية التي تحتل الصدارة في النقاشات اليومية لا تُمنح هذه الأهمية بناءً على قيمتها الموضوعية أو المطلقة، بل يبدو أنها تتبع أنماطًا عشوائية وغير متسقة في جذب اهتمام الجماهير. يمكننا التفكير في الاتجاهات التي تسيطر على الوعي الجماهيري لفترات معينة. قوة هذه القضايا تأتي من غريزة إنسانية عميقة تدفعنا إلى اتباع الجماعة في تحديد مواقفنا الأخلاقية تجاهها. بهذا المعنى، تشكل الثقافة الجماهيرية رؤيتنا لما هو صواب وما هو خطأ.
ما يستحق التأمل في طريقة عمل هذا الأمر، هو أنه كان دائمًا تحت السطح، وقد أصبح متغلغلًا في الحياة اليومية إلى درجة يصعب معها ملاحظته ما لم يكن المرء منتبهًا عن عند، وما لم يكن لديه شغف بعيش الحياة الفلسفية.
المجالات المختلفة التي تؤثر فيها الثقافة الجماهيرية
فكر في الأفلام من منظور صناعة الثقافة، كيف أصبحت متشابهة إلى حد كبير وتتبع بنية صارمة؟ يمكننا غالبًا توقع مسار الفيلم من خلال مشاهدة بعض المشاهد فقط. الدافع الأساسي لإنتاج الأفلام اليوم هو الجاذبية التجارية لجذب الجمهور، حيث يتم إنفاق المزيد من الموارد على التأثيرات البصرية لجذب المشاهدين بدلاً من تحفيز إحساسهم الجمالي أو التأملي.
هناك أيضًا معنى غير مباشر وتحت السطح، من خلاله يبدو أن الأفلام تشكّل تصورنا للواقع في المشهد الحالي من الأحداث. تركيزي هنا ينصبّ على الطريقة التي تبني بها حبكات الأفلام والتفاعلات بين الشخصيات في أي قصة، توقّعاتنا عن كيفية تكوين الواقع. فعلى سبيل المثال، عندما نشاهد فيلمًا رومانسيًا، نبني صورة معينة عن الحب. أو عندما نشاهد بنية صداقة في فيلم، فقد تُشكّل لدينا نموذجًا مطلقًا عن ما تعنيه الصداقة. وهذا لا يعني أن هذه الظاهرة حصرية على العصر الحديث، بل إننا بالنظر إلى الطابع التجاري المسيطر على كل شيء في النظام الرأسمالي يجب أن نتوقف ونتأمل كيف أن مثل هذه التصويرات لأي تمثيل للواقع تغذّي أيديولوجية شاملة في الفيلم، مما يؤثر بالتبعية على فكرتنا عن الواقع.
هناك الكثير مما يمكن أن نعانيه بسبب التوقّعات، عندما نظن أن تقليدنا لسلوك الشخصيات في الأفلام سيؤدي فعلًا إلى نفس تسلسل الأحداث الذي نراه فيها. بينما تقلّ المعاناة عندما نتراجع خطوة ونخوض هذه التجارب بأنفسنا، لا عندما نحللها كما تُعرض، بل عندما نمرّ بها مباشرة، ونشعر بها من خلال حياتنا الخاصة.
وكما أن مكونات أي نوع من الثقافة تتضمن لغة الشعوب، أرى في انتشار بعض العبارات والكلمات في لغتنا العامية تجليًا لهيمنة الثقافة الشعبية. وهناك جانب مميز لهذا التجلي يتمثل في أن بعض الكلمات تصبح شديدة الانتشار من خلال تكنولوجيا الثقافة الجماهيرية والمجتمع. يمكننا التفكير في الصيحات التي تظهر بشكل عشوائي في مجتمعنا وتستحوذ على أفكار الناس، مستخدِمةً كلمات أو شعارات تهدف إلى دعم قضية معينة أو النظر إلى مجموعة من الناس أو صفات معيّنة بطريقة اختزالية.
ما أقوله هو أن هذه الكلمات، التي تصعد بسرعة وتتحوّل إلى صيحات شائعة، تصبح محفزات في وعي الجماهير وتثير نمطًا معينًا من التفكير أو رد الفعل، من خلال القبول العام والموقف الجماعي من هذه الكلمات. مثال على ذلك، هنالك مقولة شائعة مفادها أن “الفلسفة للذين لديهم وقت فراغ”، وهذه المقولة تنظر إلى الفلسفة ككل على أنها هواية يُمارسها الناس في أوقات الفراغ، لا كأسلوب حياة أساسي وفعّال في رؤية العالم والتعامل معه، وهو ما يُفترض أن يوجّه أفعال الإنسان ودوافعه الأسمى في الحياة. ويمكننا أن نلاحظ كيف أن مثل هذا التصور الاختزالي يمكنه أن يُفرِّغ شيئًا جوهريًا من معناه، ويحوّله إلى مجرد لعبة يتسلى بها الناس.
مجال آخر نرى فيه بوضوح تأثير الثقافة الشعبية على وعي الجماهير هو الموسيقى. نسمعها في المقاهي، ومحلات الملابس، وعلى شاشات التلفزيون، وفي الأسواق، وباختصار في كل مكان تقريبًا. هذا النوع من الموسيقى “البوب” -هو بحق- شعبي بامتياز نظرًا لطريقته في جذب الجمهور الواسع بإيقاعاته الجذابة، والإشباع الفوري الذي يقدّمه، وقصر مدّته. ما كان في السابق مساحة مخصصة للموسيقى الرفيعة، التي تتطلب جهدًا مضنيًا في تأليفها، حيث كان الفنان يسكب قلبه ويضع جزءًا من روحه في العمل، أصبح اليوم مملوءًا بأعمال موسيقية يبدو أن غايتها القصوى هي إرضاء أذواق الجماهير وتفضيلاتهم. يمكننا أن نلاحظ أن الكثير من الأصالة قد ضاع في ظل هذا التحول، حيث لم يعد الفنان يعبّر عن شيء حقيقي وأصيل ينبع من ذاته، بل أصبح هدفه الأساس هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس والحصول على أشكال أخرى من المكافآت.
الرؤية التي قدمتها مدرسة فرانكفورت حول الثقافة الجماهيرية قبل أكثر من ثمانين عامًا، عندما كانت صناعة الثقافة لا تزال ظاهرة ناشئة، تثبت مدى دقة تحليلهم. إذا كانت هذه استنتاجاتهم في ذلك الوقت، فتخيل كيف سيرون المشهد اليوم، حيث أصبحت صناعة الثقافة أكثر تغلغلًا في حياتنا اليومية لدرجة أنها تكاد تكون غير مرئية.
تساهم صناعة الثقافة بشكل غير مباشر في فقداننا للقدرة النقدية على التفكير في الحقيقة. حتى رموز الثقافة الشعبية، سواء أكانوا من الموسيقيين أو الإعلاميين أو الساسة، يسيطرون على مشاعرنا إلى درجة تجعلنا نكوّن مواقف غير واعية تجاههم، حيث نميل إلى اعتبار آرائهم صحيحة دون تمحيص، لمجرد أنهم يحتلون مكانة بارزة في المشهد الثقافي.
دورنا في الثقافة الجماهيرية: منتجون أم مستهلكون؟
هنالك جانب آخر لم أتطرق إليه بعد، وهو دورنا تجاه الثقافة الجماهيرية، سواء كمنتجين نشطين أو كمستهلكين سلبيين. للحديث عن هذا، يجب التمييز بين هذين الدورين الأساسيين. عندما نكون منتجين نشطين، خاصة في المساعي الفنية، فإننا نخلق شيئًا من تجربتنا يمنح هذه التجربة معنى ويساعدنا في استخراج قيمتها. يمكن تطبيق هذا على أي نوع من المساعي الإبداعية، حيث يُنظر إلى عملية الإبداع على أنها فعل يبرر الحياة نفسها بكل معاناتها، مما يجعلنا بشراً أفضل.
على الجانب الآخر، هناك دور المستهلك السلبي، وهو الدور الذي شجعته الرأسمالية بشدة، لأن الهدف النهائي لمن يملكون وسائل الإنتاج هو إنتاج أكبر قدر ممكن وبيعه. في سياق صناعة الثقافة، تصبح صناعة الثقافة شاملة إلى درجة أنها تستوعب كل شيء، حتى أدق الإيماءات، وكل مظاهر التمرد والاحتجاج، وتدمجها في نظامها كوسيلة لامتصاص الطاقات الثائرة لدى الجماهير. ففي مثل هذا المشهد، قد يُنظر إلى الاحتجاج نفسه كسلعة أخرى، سلعة تتحول أحيانًا إلى حاجة ملحة، ولبعض الفئات الاجتماعية إلى حاجة دائمة وأساسية.
أقول هذا لأن وسائل نشر وتسويق هذه “السلعة” – أي الاحتجاج – لا تزال خاضعة لسيطرة النظام الرأسمالي. خذ على سبيل المثال أفلامًا مثل “The Matrix”، إذا اعتبرناها نقدًا للأيديولوجيا الرأسمالية، فإنها تبدو وكأنها رسالة احتجاج ضد النظام بأكمله، ومع ذلك فهي تُسوَّق وتُروَّج من خلال نفس القنوات الإعلامية وأساليب النشر التي يستخدمها النظام ذاته. وكأن الاعتراض يُنتزع من الفرد ويُصهر ضمن أدوات هذه الثقافة.
فالثقافة بذلك أصبحت مجرد سلعة تُباع، وتُحدد قيمتها بناءً على مدى قدرتها على الترفيه. هذه الثقافة ليست من صنع الناس، بل هي مصنوعة لهم، بغرض تسليتهم وليس لإثارة تفكيرهم الإبداعي. ونتيجة لذلك، يفقد الناس حسهم الإبداعي تدريجيًا. فهم لا يبدعون، بل تُصنع الأشياء لهم.





0 تعليق