بين ماسورتين متوازيتين تمتدان من مكان مجهول في العالم وتتقاطعان في نقطة مجهولة منه، ووحدات من الشبابيك الخشبية تتكرر مع مرور الزمن، تسير الكاميرا للخلف ناظرة لأعلى، محاولة تأسيس بيئة خلفية مستقرة وكأنها المادة الأساسية للكون، تتنافر مع العنصر في منتصف الكادر، ذلك الجسد المتحرك، وتلك الرأس التي تعلوه، بعينين لا تكفّان عن الالتفات في كل اتجاه، لا تنظران لشيء سوى لذلك الذي يشتعل بالداخل، يُظهر القلق علاماته على الجسد، محاولًا التمرد على استقرار الخلفية، وينتقل القلق من عيون الجسد المتحرك لأصابع المراقب على الجبهة الأخرى من الشاشة، ومن ثم يظهر صوت غريب على أذنه، الإيقاع اللفظي للكلمات يتماشى مع كل ما يحدث، يتراكب معه كتراكب النغمات المنفصلة في هارموني موسيقي واحد، يزايد من اهتزاز الأشياء والأشخاص موضع الرؤية، يبالغ في تقدير وجودها، يضعها في مركز الكون، كون المراقب.

يصف ماكسيم خورخي، في انطباع قديم عن السينما يترافق مع البداية المبكرة لها، ما رآه على الشاشة بظلال العالم، وهو وصف يجوز اعتباره مجازًا يعبر به عما اختبره كذات يقتحم عالمها مفهوم جديد، ويمكن اعتباره وصفًا علميًا باعتبار المكون الخلوي للسينما هي صور ثنائية الأبعاد، تعمل كإسقاط هندسي للعالم ثلاثي الأبعاد، كظل يعكس مجسمًا، وفي الحالتين يوجد فعل تجريد متضمن، ضغط للعالم الخارجي في وجود موازي تتواجد به الأشياء بلا ثقل، تطفو على سطح المرآة/الشاشة، تعكس بشكل أكثر كثافة العلاقات بين الأشياء في العالم، كتمثيل لها، وكدرجة وجود أعلى تكافح سير الزمن والتشتت اللانهائي لجزيئات الطبيعة.
نستطيع أن نتلمس بعض من أفلاطون هنا، بالتحديد من مُثُله العليا المجردة، الموجودة في حيز وجودي أعلى من وجودنا اليومي، حيث مثال الخير هو الغاية الأسمى للإنسان، يحاول التقرب منه، يمشي في دروبه، يستظل بظله، يحاول من خلال تعقبه أن يعدل وضعه الوجودي، من عالم الأشياء ثلاثية الأبعاد المثقلة بالمادة، لعالم ذو أبعاد أقل وكثافة أعلى.
بنية الواقع وبنية الفيلم
سؤال ماهية الواقع سؤال أساسي للفلاسفة وللفنانين، في حين يبحث الفلاسفة عن الماهية النهائية للواقع، بغرض تعريفه وتحديد علاقة الإنسان به، وبالتالي الحكم على ما تحمله المعرفة الإنسانية من قيمة، يحاول الفنان إعادة تشكيل هذا الواقع لتحقيق رؤية فنية ما، مستجيبا لحاسته الجمالية ومحاولًا إرضاءها، وفي مسعاه هذا، المتشابك مع الواقع محاولا إعادة إنتاجه بغرض تمثيله أو تجاوزه، يُضمن إجابته الخاصة للسؤال الأساسي حول ماهية الواقع نفسه.
طبقًا لنظرة شائعة، وإن كانت مرفوضة بشكل مفهومي من معظم فلاسفة اليوم، ينقسم العالم لشقين منفصلين، الواقع والوعي، كلاهما مرآة للآخر، يوجد الواقع من خلال الوعي، ويدرك الوعي ذاته من خلال تعرفه على الواقع، الآخر الكامن في الخارج، وتمثل الحواس نقطة الالتقاء، الواقع هو علامات العالم الخارجي على الحواس، البيانات الحسية كما يدعوها برتراند راسل، ما يفعله العقل هو محاولة تحديد بنية العلاقات بين هذه البيانات، وماهية هذه العلاقات، هناك علاقة بين المنضدة والكوب عليها، تماثل العلاقة بين الأرض والمنضدة عليها، وعلاقة الأب وابنه تماثل العلاقة بين الشجرة والبذرة، وعلاقة السحاب بالمطر تماثل علاقة الوقود بالدخان، ويمكن تصنيف كل نوع من العلاقات تحت مجموعة واحدة، والواقع هو مجموعة هذه المجموعات، مجموعة هذه العلاقات التي تحكم الأشياء وتنمطها، تجعلها قابلة للتحليل والتركيب ومن ثم الإدراك.
لإدراك الواقع ينخرط الإنسان في نشاط عقلي، معد سلفًا بشكل غريزي أو ثقافي، بفضل سلسلة طويلة من التطور البيولوجي وسلسة أقصر من الابداع العلمي، قوالب يصب بها الواقع عائلات وأسر، وينحصر المجهود العقلي في محاولة ترتيب الضوضاء الحسية فتناسب تلك القوالب، وكذلك ينخرط الإنسان في نشاط عقلي موازٍ لإدراك الأفلام، ولكن هذا الانخراط يختلف سيكولوجيًا عن إدراك الواقع، ويمكن تقسيمه لنوعين من الانخراط، الأول يحكمه طبيعة الفيلم كوسيط له خصائص محددة، والثاني يحكمه طريقة تفاعل الفنان/الصانع مع هذه الخصائص وما يحمله عليها من أسلوب ذاتي.
الخصائص التي يفرضها الفيلم كوسيط
تتكون اللقطة السينمائية بشكل أساسي من مجموعة من الصور المسطحة التي تتتابع الواحدة خلف الأخرى، خليط من درجات النور المنعكس على سطح الأشياء ومن ثم يغمر سطح الورق، عديد من الصور لنفس بنية العالم مع اختلاف طفيف في كل واحدة، ويجلس المشاهد في الجهة الأخرى تشتعل ماكينات الإحساس عنده، تتلقى العلامات وتحاول إسقاطها في قوالبها المعتادة، فيتحول الظل ثنائي البعد لأشياء مجسمة، لقطار يتحرك في خلفية عاشقين يقبل أحدهما الآخر بينما تمر قطة من أمامهما، ويتحول تتالي الصور الثابتة لحركة حية، تلتحم عناصرها وتتفكك وتدخل حيز التاريخ.
كما يذكر منستربرج فالشيء الأساسي في إدراك العمق والحركة في السينما هو تفاعل العقل معهما، ربط ما ينقص وتكميل الصورة، مثلما يتلاشى الفارق بين الرسم الخطي للأرنب والأرنب ذاته في لحظة إدراكية ما، كذلك يتلاشى الفارق بين الواقع والفيلم، يستسلم الدماغ تمامًا للوهم، لحركة الظلال على الشاشة، ولكنه وفي لحظة أخرى يعود للحياة اليومية، ينتبه لشيء ما يكسر هذا الإيهام، وبين هذه اللحظة وتلك يظهر صراع داخلي، بين السينمائي واليومي، ينتصر في معظم الأحيان لليومي، وفي أحيان قليلة للسينمائي، للوهم المتمثل على الشاشة، في تلك اللحظة تظهر بشارات عالم موازي، وضع وجودي آخر، يختلف عن الوضع اليومي المتكرر.
التفاعل الفني مع العالم من خلال الوسيط
تطفو الأشياء على سطح الكاميرا/الشاشة، كسمكة أخرجها الفنان من قلب المحيط المظلم لنور الشمس، كحجر تخلص من روابطه بالطبيعة فأكسبه النحات روابط أخرى تلائم وجوده الجديد، المتحفي، شيء ما يوجد ليتم تأمله، بمجرد اكتساب الشيء لصفة المتحفية، حتى أكثر الأشياء عادية، يد تتمسك بسلم، كوب يترك آثاره على منضدة، أم تصفف شعر ابنتها، يُحمل عليها عدد لا يمكن حصره من المعاني، معاني لا يفعل المخرج سوى اقتراحها على المشاهد، من خلال ترتيب العناصر داخل الكادر وتسلسل المونتاج، صديق يوصي صديقه برسالة لزوجته، لقطة ثانية يد تمسك السلم للصعود، لقطة ثالثة عيون الزوجة المنبسطة، لقطة رابعة توتر الزوج في منفاه، هناك اقتراح بالغواية ربما، ولكن عقل المشاهد من يتولى المهمة، يتلقى الاقتراح ويحمله بمعانيه الخاصة، يضمن داخله مخاوفه اللاواعية، كل تعاطف أو كره لشخصية هو اختبار لاواعي لمنظومة القيم الخاصة به، ومرآة سيكولوجية تنعكس عليها علامات العالم عليه، وبلورة سحرية تنقل أنباء عن ما يكمن خلف شخصيته الظاهرة.



المهمة الأولى للصانع هي القدرة على تركيب الفيلم بما يناسب ما يريد أن يقترحه، ترتيب المادة أمام الكاميرا، اختيار زاوية التصوير، حجم الكادر، ما يدخل وما يخرج عن الكادر، تسلسل اللقطات في الزمن، أدوات لاقتراح المعنى، ويكون الفيلم جيد بقدر تراكب المعنى على الأسلوب بشكل متناغم.
يمكن أن يتراوح المعنى المقترح من توجيه أخلاقي مباشر لمحاولة نقل حدس صوفي أو إحساس بالعالم يقع في المنطقة التي حددها فتجنشتاين بالأشياء المهمة في الحياة والتي لا يمكن الحديث عنها، منطقة تقع خارج حيز اللغة، في هذه المنطقة بالتحديد، يكتسب المعنى السينمائي أهميته المتحفية، ينسلخ تمامًا من العادي واليومي للمادة المظلمة من الوعي البشري، لمُثل أفلاطون العليا، لأساطيره التي تعكس الحقيقة المحرمة، ليست تحريم مجتمعي، ولكن تحريم يرجع لطبيعة المنطق البشري المحدود، القاصر عن الوصول المباشر لطبيعة الوجود، ينحصر فعله كله في العلاقات بين الأشياء، في القوالب المعتادة، في التجاور والتشابه والسببية، يتعطل تمامًا أمام طبيعة الأشياء ذاتها، ما يفشل أن يوصلنا له المنطق، وما يحاول أن يوصله لنا أفلاطون من خلال أساطيره، تتمكن السينما أن تفتح لنا باب عليه، نافذة تطل على الوجود.
التورط السقراطي في الفيلم
في كتابه الفلسفة طريقة حياة، يرسم بيير هادو صورة لسقراط فيصفه بأنه مخادع، ويستعير عبارة نيتشه «كل شيء فيه مخبوء، خفي، تحت أرضي»، وعبارة ألقبيادوس «هو يقضي عمره كله يلعب دور الساذج والطفل» وكان خداعه محكم حتى أخفى نفسه تمامًا من التاريخ، فلا يظهر سوى كقناع لأشخاص آخرين وعلى رأسهم أفلاطون، لا وجود لكتابات له، فقط أسطورة عن جوال يقتحم حياة الناس ويحاورهم، يتهكم على نفسه وعليهم، وعندما يُسأل لا يجيب سوى أن كل ما يعرفه أنه لا يعرف شيء.
يصف هادو هذا الخداع بأنه خداع من أجل الحقيقة، عندما يدعي سقراط جهله يطمع المحاور فيه، يتجرأ عليه، ويتقدم معه في المحاورة، وبينما يفعل ذلك ينصب سقراط فخه ويحكمه حوله، فيجد المحاور نفسه وهو يراجع كل معتقداته الظاهرة والخفية، ويعيد برفقة سقراط تقييمها، يورطه سقراط في الفعل الفلسفي، ليس بغرض التوصل لإجابات إنما لغرض المحاورة ذاته، للتساؤل والمراجعة، فينغمد المحاور في النهاية كليا في خطاب سقراط ويتوحد معه، فيحصل المرء على ما هو أهم من الاجابات، وهو الخبرة الأخلاقية والوجودية اللتان يوفرهما الحوار.
مثل السينما كمثل سقراط المخادع، يخدع الفيلم المشاهد بخفته، يعرف نفسه بأنه مجرد تتالي لصور في الزمن، ظلال على ورق، نسخة مشوهة من الواقع المجسد، مجموعة من البشر يدعو كونهم بشرً آخرين، وبرسم نفسها كصورة أدنى من الواقع تنصب السينما فخاخها وتحكمها على المشاهد، خديعة غرضها الحقيقة، تأمل الوجود وهو صليب على ظهر الموجودات، تفكيكه من عناصره الأولية، من قوالبه المعدة مسبقًا، تاركة مساحة للتأمل، خالقة ذلك النوع من الوجود المتعالي عن الحتمي، عن تتالي الأسباب المستفز الذي لا ينقطع في الزمن.
مصادر اعتمد عليها المقال
1- Scott Soames, Philosophical Analysis in the Twentieth Century, Volume 1: The Dawn of Analysis
2- الفلسفة طريقة حياة، بيير هادو
3- Jean Epstein, On Certain Characteristics of Photogénie
4- Hugo Musnsterberg, The Photoplay





0 تعليق