27 أبريل 2025

النوستالجيا: حنين إلى المُثل والذات المفقودة

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتاي بينما أقلّب في «ألبوم الصور» القديم. باعتباري المولود الأول في الأسرة، حظيت بنصيب الأسد من الصور في مراحل عمريّة مختلفة وفي المناسبات والأعياد. استوقفتني صورة بعينها، كنتُ في الرابعة من عمري، جالسة على رمال شاطئ مولية ظهري إلى البحر الواسع، قد التصقت خصلات شعري المبلّل بجبهتي ووجهيّ الّذين لوّحتهما الشمس، وأضحك إلى الكاميرا بسعادة بالغة. يغمر دفء الذكريات صدري ويملأني بحنين وشوق لأيّام مضت، أيّام امتلأت بدفء العائلة، وفطائر السجق، وركوب الدرّاجات، وأغاني شريط كوكتيل تصدح في الخلفية. 

تُعرّف «النوستالجيا Nostalgia» بأنّها حالة الحنين العاطفي إلى ذكريات من الماضي، والتي تستدعي معها باقة من مشاعر إيجابيّة مثل الحب والبهجة والفخر. حالة النوستالجيا تلك تواتيني من حين لآخر، تجتاح عقلي ومضات الذكريات من زمن فات، ويمتلئ قلبي بمشاعر مختلطة. ومضة ساطعة.. أقود دراجتي بسعادة على الطريق الأسفلتي الموازي للبحر، يمسّد الهواء الرّطب المشبّع باليود وجهي، وأشعر أنني كطير حر طليق. ومضة خافتة.. هويت على الأسفلت الصلب، سرى الألم الحادّ في أنحاء جسدي كنيران حامية، دَميت رُكبتاي وكفوفي، واختلطت دموعي بدمي. أتساءل: هل حقًا تعكس النوستالجيا ماضيًا مثاليًا ينضح سعادة وبهجة؟ أم أنّ الماضي هو أبعد ما يكون عن المثاليّة وما النوستالجيا إلا وهم من صنع ذاكرتنا؟ في رحلتي للبحث عن شراذم الحقيقة في مكان عميق ومظلم من كهوف الذاكرة الباهتة، وجدتُ أنّ النوستالجيا تكشف لنا عن القيم التي نصبو إليها وتعيد تعريف هويّتنا على مرّ الزمن.

في عالمنا الواقعيّ نعيش في مواجهة يوميّة مع تحديات وصعاب الحياة، نقع تحت وطأة ضغوط شتّى، نجري ونلهث لتحصيل كل ما هو مادي، وفي لحظات الوحدة والانكسار نجد أنفسنا نجترّ من ذكريات الماضي ما يملأ فراغ القلوب. ننقّب في ماضٍ غابر بحثًا عن مشاعر «مُسكِنة» لآلام الحاضر، نجد أنفسنا ننفصل عن الواقع الصاخب ونطرق مفكّرين في أماكن أو مواقف جمعتنا بمن نحب، فتهدأ عواصف القلق في نفوسنا. انتقد العديد من الفلاسفة مثل فريدريك نيتشه وسورين كيركغارد النوستالجيا باعتبارها نوعًا من الضعف والجبن في مواجهة الحياة. من جهة أخرى، تكمن خطورة الذكريات في زيفها، حيث أنّ الذاكرة البشريّة تتشكّل وتتبدّل، لا سيّما بمرور الزمن. يقول ديفيد هيوم في كتابه «تحقيق في الفاهمة البشرية» أنّ الذاكرة البشريّة تخضع للعواطف، أي أنّ الذكريات يمكن أن تعاد كتابتها في أذهاننا بحسب حالتنا النفسيّة والعاطفيّة الآن، مما يؤدي لتشويه الحقائق وخلق صور وهمية، ماضٍ مجمّل لا يعكس الحياة الحقيقيّة التي كنّا نعيشها ونتوق إليه الآن. قد نستخلص من ذلك أنّ النوستالجيا ليست سوى خدعة نفسية بامتياز أو حفنة من المشاعر المُغرقة في الزيف، لكن دعونا قبل إطلاق الأحكام نتجاوز السطح العاطفي ونتوجه بعمق فيما وراء المشاعر لنصل إلى جوهر النوستالجيا وما تكشفه لنا بحق.

المُثل العليا المفقودة

تجتاحنا موجة من مشاعر الحنين الجارف إثر التعرّض لصورة أو صوت أو رائحة من الماضي، كآلة زمن تعيدنا إلى موقف أو فترة في صبانا أو طفولتنا، ونستحضر تفاصيلها التي تثير في أنفسنا شوقًا إلى حالة مثاليّة نفتقدها في حياتنا اليوم. يمكننا القول أنّنا نتوق في الماضي إلى ما هو أكثر من مشاعر وعواطف فانية، نبحث عن قيم سامية ومُثل عليا مطمورة في أطلال الذكريات القديمة. تداعب أنفي رائحة اللحم الطازج المطبوخ، فتثير لديّ ذكرى الجدّة الخيّرة التي اعتادت توزيع أرغفة الخبز واللحم على الجيران والأقارب وفقراء الحي في المواسم. تنطوي الذكرى بالطبع على حنين جارف إلى الجدّة، ولكن هذا الحنين يمتدّ كذلك إلى ما هو أبعد من الذكرى وصاحبتها، إلى ما يعكسه فعل الجدّة الطيب من مُثل وفضائل سامية مثل الرحمة والتعاطف والمشاركة، وهي الفضائل التي قلّما نراها ونختبرها في عالمنا الحاضر. ويتخطى هذا الحنين إلى المُثل المفقودة والقيم البائتة حدود الزمان والمكان، إلى ما قبل تجسّد الإنسان ذاته. 

تصوّر الفيلسوف الإغريقي أفلاطون أنّ روح الإنسان قبل تجسُدها عاشت في عالم «المُثل» حيث ساد الحق والعدل والجمال، وبميلاد الإنسان دخلت الروح إلى العالم الماديّ ونسيت عالمها المثاليّ وما اختبرته من مُثل وقيم عليا هُناك، وإن كانت تحتفظ بها كذكريات كامنة، وفي رحلته في الحياة، يتذكّر الإنسان ما نسي ويستحضر ما اندثر. من هذا المنظور، حالة النوستالجيا هي أقرب إلى حنين وجودي إلى المثاليّة المفقودة من عالمنا الآن، ولا تتعلق باستحضار مشاعر وعواطف مؤقّتة مرتبطة بذكريات شخصيّة مثل تجمع عائلي في العيد، أو موقف ساخر من رحلة مدرسيّة مع الأصدقاء إلى مدينة الملاهي، بل بمُثل سامية وأبديّة نتطلع إليها ونتوق إلى استرجاعها، كالرعاية في العائلة والوفاء في الصداقة. تدفعنا النوستالجيا إذًا من خلال عمليّة تأمّل وبحث عميقين إلى إدراك أن القيم والمُثل المفقودة من طفولتنا وشبابنا هى التي أعطتنا الإحساس بالمعنى، وهو الأمر الذي من شأنه أن يدفعنا إلى السعي لاستعادة ما فقدناه من مُثل وقيم وإعادة إحيائها في حاضرنا. يؤكد أفلاطون أنّ في سعينا الدؤوب لتحقيق القيم السامية وتجاوزنا لكل ما هو مادي، يتجلّى المعنى الحقيقي لوجودنا في هذه الحياة.

معرفة الذات وتحديث الهوية

فضلًا عن ذلك، تكون النوستالجيا بمثابة جسر يعيد الاتصال بين من كنّا عليه في الماضي ومن نحن عليه الآن في الحاضر، مساهِمةً في تشكيل هويّتنا وتطوّرها عبر الزمن. يمكننا تعريف هويّة الإنسان ببساطة بأنّها مجموع السمات التي يُعرِّف بها نفسه، مثل السمات الشخصيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، مثل أن يُعرّف الشخص نفسه بأنه «عربي» وهي سمة اجتماعيّة تعبّر عن انتمائه إلى سياق جغرافي وتاريخي وثقافي مميّز، أو «مهووس تكنولوجي Geek» وهى سمة شخصيّة وثقافيّة تعبّر عن علاقته بالتكنولوجيا. من منظور الفيلسوف اليوناني هيراقليطس فإنّ الهويّة تخضع للتغيير الدائم وتتشكّل بفعل التجارب والأحداث المستمرّة التي نمر بها في الحاضر، وقد عبّر عن ذلك بمقولته «لا يمكنك أن تخطو في نفس النهر مرتين»، بمعنى أنّ كل شيء في حالة حركة مستمرة، بما في ذلك الماء في النهر وهويّة الإنسان في الحياة. ويأتي دور النوستالجيا كقوة تساهم في هذا التغيير، وتعيد تعريفنا لأنفسنا.

في أسطورة يونانيّة قديمة تُدعى أسطورة «أريادني»، يُحكى أنه في وقت ما كان على أثينا أن تُضحى بعدد من أبنائها قرابين للوحش «مينوتور» القابع في قلب متاهة معقّدة بجزيرة كريت، وكان لحاكم الجزيرة ابنة ذكيّة وجميلة تُدعى «أريادني» وقعت في حب البطل الأثيني «ثيسيوس»، الذي كان على موعد مع المتاهة والوحش مينوتور. وبدافع من الحب، أعطت أريادني كرة من الخيطان لثيسيوس ليستخدمها كدليل في المتاهة. وبالفعل، تمكن ثيسيوس من قتل الوحش، وبتتبّع الخيط تمكّن من العودة والخروج سالمًا. يمكننا النظر إلى الخيط في الأسطورة كرمز للذكريات التي يتتبعها الإنسان لتعيده إلى ذاته المتجذّرة في تجاربه الشخصية وهويّته، والتي يقوى بها على مواجهة متاهة من المشاعر والتجارب الحياتية المعقدة. 

في حنيننا لحدث أو شخص أو مكان، نستعيد أجزاء من هويتنا القديمة التي عاصرت الحدث، أو قابلت الشخص أو عاشت بالمكان. تعترينا الدهشة حين نكتشف كم تغيّرنا «عن زمان»، وكم أنّ أجزاءنا التي كانت تشع طاقة ونورًا يومًا ما قد خبى بريقها وانطفأت حتى صارت غريبة عنّا ولا تُمثلنا. أرى ابنة أخي تلهو وتلعب وتثير الفوضى من حولي فتذكّرني بنفسي في طفولتي، كم كنتُ «شقية» مثلها، ألهو وألعب وأثير الفوضى، عندما كبرت صارت طباعي أكثر هدوءًا؛ فقدت «شقاوتي». كم أحنّ إلى هذا الجزء المندثر من هويتي، أنظر إليه الآن بعين مختلفة، أراه يعبّر عن روحٍٍ مغامِرة ومتمردة ولا تخشى التجربة والتعبير. 

إذًا من خلال النوستالجيا يمكننا أن نعيد تأويل الماضي من منظورنا في الحاضر، وينبغي هنا أن نفرق بين التزييف والتأويل، حيث أن التزييف هو اختلاق لتفاصيل غير موجودة، أما التأويل فيهدف إلى إعادة النظر في الأحداث بناءً على خبرات الحاضر ونضج الفرد. وبالعمل على إعادة دمج الأجزاء المفقودة من هويتنا القديمة تصير لدينا هوية مُحدّثة هى نتاج تجاربنا في الحاضر وإعادة صياغتنا لتجارب الماضي من خلال النوستالجيا.

النوستالجيا ليست مجرد حنين واجترار لمشاعر إيجابيّة من ذكريات الماضي، بل هى تطلُّع إلى قيم ومُثل عليا مفقودة، وفي بحثنا عنها وسعينا لاستعادتها نجد في الحياة معنى وهدفًا، كما نجد في النوستالجيا سبيًلا لإعادة الوصل مع ذواتنا القديمة، وفي تأويلنا لذكريات الماضي يمكننا إعادة تعريف هويتنا في الحاضر.

  • ابحث عن المعنى وأؤمن بوجوده. أهتم بفلسفة التعلم والإبداع، وأسعى لفهم دورهما في تشكيل الوعي الإنساني. من خلال الكتابة، أستكشف الأسئلة الوجودية والتجربة البشرية، محاولةً ربط الفكر النظري بالواقع المعاش.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا