كثيرًا ما تشدني الصورة المعروفة للمدينة الكبيرة التي يهرول أناسها إلى وجهات غير معلومة لأهداف شتى، وأتساءل -حين أجد نفسي واقفًا بالضبط في وسط المدينة الكبيرة التي يهرول أناسها إلى وجهات غير معلومة لأهداف شتى- كيف لا نكون تعساء كل التعاسة؟ أعني، ما المفاجئ في هذا؟ لمَ قد يعد الحزن العميق الكامن في قلب تلك المدينة التائهة والمشتتة غريبًا؟ الحقيقة أنه طبيعي تمامًا في نظري، وأي شيء غير ذلك لكان غريبًا.
تخيل مدينة «وسط البلد» من أعلى سطح إحدى مبانيها، وتأمل منظرًا عبثيًا آخر؛ هو مشهد لأناس يركضون في كل مكان وبشكل شديد العشوائية والسرعة. انظر لهم وفكر معي: لأجل ماذا يعيش كل هؤلاء الناس؟
قد لا نجد إجابة غير إن اهتمامهم المهووس بأنفسهم يدفع كلًّا منهم لألا يعيشوا سوى لإرضاء نوازع فردية من أدنى نوع. هي اهتمامات تنتهي بمجرد إشباعها، وليس من المفهوم عندهم أنواع الاهتمامات التي ينشغل فيها الإنسان بوهب جزء من نفسه، وفي أحيان بوهب نفسه كاملة، لأجل إحياء شيء غير نفسه؛ فتكون هنا حياة الإنسان ممتدة خلال ذلك الشيء المتجاوز. بل إن تلك الاهتمامات الأنانية غالبًا ما تجدها مشتتة بقدر تشتت نفس صاحبها، ونحن نعرف ذلك مما يميز حياة صاحبها من تخبط في نواحي الحياة الفردية وقدرة على الانفعال العاطفي شديدة، فتجده على الصعيد العاطفي شديد الترنح بشكل عنيف، حتى إن في بعض الأحيان هذا الجزء هو ما يسيطر تمامًا على صاحبه، وفي بعض الأحيان يقوم صاحب تلك النزعات بتأطير تلك المشاعر في شكل نظرية فلسفية ما، فنجد أن الشائع اليوم هو أنه على المرء أن يكون تلك المشاعر نفسها. ولكن تلك النزعات الصغيرة الأنانية تفنى بمجرد إشباعها، كما قلنا، وتترك صاحبها فارغًا من الداخل، ولذا فإنه يميل إلى خلق نزعات جديدة وأنشطة غريبة الهدف، منها ما هو فقط ملء ذلك الفراغ الداخلي. لذا فإن ما يميز هذا الشخص هو التشتت بالأحداث الخارجية شديدة السرعة الناتج عن الاهتمام الكبير بأي شيء عارض، وهي مثل فكرة الترندات، التي هي غالبًا ما تكون تضخيمًا كبيرًا لحدث في منتهى التفاهة، ولكن الاهتمام به يشبع شيء ما في كل المشاركين في ترند ما.
وهذا يفسر عند تكبير الصورة، رؤية المدينة التي تتحرك بعشوائية رهيبة، ويجعلنا نفسر هذا التشتت والعشوائية الظاهرية، بالعشوائية الداخلية في كل فرد منها. فالفكرة هنا هي أن أصحابها مشتتون، ليس هناك طريق يجمعهم، بل إن النزعة المدنية تميل إلى ألا يجمع الناسَ ببعضهم أي شيء. فيذكر زيجمونت باومن مفهوم «اللامكان» non-places في المدن الصناعية الحديثة التي تصمم بحيث تفقد فيها المدينة جوهرها كمان للتجمع البشري من الأساس، بل تكون في بعض الأحيان طاردة لهم، فيتكلم بالتحديد عن منطقة «لا ديفانس» La Défense بفرنسا، التي هي عبارة عن مساحة ضخمة للمباني التجارية، ويذكر كيف أنه لا يوجد بكل تلك المساحة الضخمة مكان واحد يمكن فيه للمارة أن يجلسوا فيه وينظروا حتى لبعضهم البعض، بل تُترك كل تلك المساحة عارية للسماء، وكأن السبب الوحيد لوجود المدينة «هو أن تمر منها».
ورجوعًا إلى الاتجاهات التشتتية عند الأفراد، نقول أن طريقة الحياة تلك تنعكس حتى على النشاط الاقتصادي للإنسان، وليس فقط الحياة النفسية الخاصة به، الذي هو سير متخبط لمهمة اعتباطية أقوم بها لأجل جمع المال.
المشكلة تنشأ عندما لا يرى الإنسان سوى ذلك المدى من الأهداف والغايات فكأن مدى نظره شديد القصر. وأنا أتحدث عن اهتمامات ليس بالضرورة أن تكون تغيير العالم، بل عن اهتمامات وفضائل لم تعد موجودة: كفضيلة الكرم التي هي ليست أن أمنح ما أملك من مال لأشخاص عابرين، بل أن أمنح جزء من وقتي ومجهودي للاهتمام بأشياء أخرى كعائلتي أو أصدقائي. ولكن في هذا المجتمع تغيب تمامًا أفكار كهذه وأفكار مشابهة كـ «خدمة المجتمع» على سبيل المثال لا الحصر، بل وحتى تُعتبر، من خلال نفس العقلية المُشار إليها سابقًا، أفكار ليست على الموضة، بل وتثير تقزز البعض منهم.
فأنظرُ إلى نفس المكان، ولكني أحاول تخيل إن كان الوضع دومًا يسري بهذه الطريقة. هل كان الأمر دومًا بهذه العشوائية والعبثية المثيرة للسخرية؟ إني أذكر أني قرأت بمكان أن بمصر القديمة كان الأطباء يتلقون تعليمًا خاصًا، وكان هذا التعليم يُمنح فقط لمن هم مؤهلون بطريقة ما لكي «يكونوا أطباء» ولكن بمعنى مختلف تمامًا. أن يكون المرء طبيبًا في مصر القديمة كان يعني أن هذا هو دوره في الحياة، والهدف من وجوده، وليست وظيفة ومهنة يمتهنها فقط لأن الظروف شاءت، بل هو هدف أسمى من الذات الفردية لهذا الشخص. فنرى في تعريفات القدماء لمهنة الطب أنها لم تكن تقتصر على مداواة الجروح البدنية، بل مساعدة الأفراد على الارتقاء بأرواحهم ومعالجة أمراضهم الروحية. وإني أتخيل أن نتيجة هذا، في حال أن اتخذ كل إنسان مهمة البحث عن هدفه ودوره في الحياة بكل جدية، أو على الأقل الاهتمام بتلك الأشياء التي لا تتمحور حوله. إن كل فرد في المجتمع سيمثل حجرًا ذا شكل فريد به شديد التحديد، لا يمكن سوى وضعه في المكان المخصص والمناسب له حتى يكتمل بناء الشكل، ولا يمكن لهذا الحجر أن يبدل موضعه، لأن هذا قد يؤدي لكسره، ولتكسير باقي أجزاء الشكل المراد تكوينه؛ أي أن المجتمع سيكون نسيجًا من التناغم الناتج عن وجود حركة واحدة، نسيج واحد يغلف المجتمع كاملًا، وهذا هو المعنى الأكبر الذي يغطي سماء المجتمع. وكل فرد في المجتمع سيمثل دورًا في هذه الرؤية فيكون المجتمع كلًا واحدًا.
هذا يعني أنه بطريقة ما لن يكون المجتمع مجرد قوًى فردية تتخبط مع بعضها عشوائيًا متنافسة لأجل البقاء على حالة «الإنسان الحر» التي يصور فلاسفة عصر التنوير فيها الإنسان في حالة ما قبل «العقد الاجتماعي»، الذي يفترض به أن يكون هدنة يعقدها المجتمع حتى يستطيعوا العيش سويًا ببساطة، لأنه لا يوجد حل آخر، ثم يكملون الصراع بشكل أكثر تنظيمًا. وهي رؤية يشترك فيها أغلب علماء اجتماع وحتى فلاسفة هذا العصر. ببساطة من فكرة أن المجتمع هو مكان لصراع وتخبط الإرادات الفردية المختلفة، والمنافسة الشرسة لإنتاج وسائل استهلاك ذات مزايا أكثر، حتى «الجحيم هو الآخر» وفكرة المناخ السياسي الديموقراطي الذي هو أكثره مناوشات وسجالات حول وجهات نظر فردية (والحقيقة أنها على الرغم من ذلك قلما تختلف، وإنما يبدو عليها ذلك) تساهم على الأقل في ترسيخ مناخ الشتات العام.
نرى إذًا أن تلك الحالة من الشتات والفوضى الاجتماعيين يظهران على مستويات مختلفة، من الحياة الشخصية حتى الحياة الاجتماعية الخارجية، وأن هناك تداخلًا شديدًا بين تلك المستويات بحيث لا ينفصل إحداهما عن الآخر، وتكون المشاكل في أي مستوى منهم ذات صدى في مستويات أخرى على صلة مباشرة بها. إن المجتمع هو كالجسد الكبير، الذي على أعضائه أن تكون في مكانها الصحيح، ولذا فحتى الخلل على المستوى الفردي لا يمكن فصله عن خلل على المستوى الاجتماعي أيضًا، وربما حتى التاريخي، وأيضًا الكوني! إن الكون والحياة هما نسيج كليّ مذهل مرتبط ببعضه البعض ارتباطًا شديد الاتساق والترابط، ولذا فإن ما يحدث على مستوى ما من الحياة، يؤثر على مستوى آخر منها. وهذا يذكرنا بالرؤية الصوفية للكون على أنه «الإنسان الكبير»، وعلى أن الإنسان هو «الكون الصغير» والتي نجدها عند إخوان الصفا على سبيل المثال.
إن هذا الارتباط الوثيق بين أجزاء الكون يجعلنا نرى مسؤوليتنا في أن نحاول أن نجمع شتات أنفسنا في هذا العالم، ولكن في غياب هذه الفكرة -وهو الوضع بالفعل- يكون طبيعيًا وغير مستغربًا بالمرة انتشار العقلية الهذيانية لمجتمعاتنا التي يحرك وعيها اندفاعات من العواطف اللحظية التي تحددها عوامل عشوائية كالترندات وتتحدد بها، وهو هذيان ذو ثمن على المستوى الفكري والنفسي وحتى الفيزيائي/المادي/الجسدي، وسبب في انتشار العديد من الأمراض النفسية وحتى أشباه الأمراض النفسية في هذا العصر.
وربما يفيدنا التفكير في العقلية والأنماط الفكرية التي نُقبل بها على الحياة، حيث هي التي من خلالها نتصرف ونقود حياتنا. ففي حياة فارغة وهشة كالتي وصفناها سابقًا تكون الحياة بالنسبة لهذا الشخص سلسلة من الأحداث «العادية»، أو «الواقعية»، أو «اليومية»، كما اعتدنا أن نسميها، حيث يكون هذا «الواقع» الذي نتحدث عنه ونتمسك به بشدة هو مجرد مادة صماء لا حياة فيها، لا يحدث فيه شيء إلا من خلال الفرد، فهو لا يرى غير نفسه منذ أن رضخنا للحقيقة الحسية المباشرة، وإذًا فصاحب تلك الرؤية يرفض أي شيء يتخطى أو يتجاوز ما يراه، فقط لأنه لا يقدر على أن يراه.
إن على من في وجوههم نظرٌ أن ينظروا إلى ما يسموا عليهم، إلى السماء من فوقهم، فيتأملوا ويسمعوا «موسيقى السماوات» ومن ثم يحاكوها ويعزفوها هم أيضًا بداخلهم وخارجهم، حتى يشاركوا في سيمفونية الكون العظيم.





0 تعليق