هل يمكننا الخروج من سير التاريخ للحظة وتأمل مسارات أخرى ممكنة، لتفتح لنا أفاقًا غير مرئية تلهمنا مخرجًا أو مسلكًا مختلفًا لمشاكلنا؟ أنا أزعم أنه ممكن، بل إن هذه هي فائدة قراءة التاريخ.
هنري ديفيد «ثورو» هو كاتب، وشاعر، وفيلسوف أمريكي مغمور نسبيًا، وتفسير هذا هو ربما أنه بالفعل سلك مسارًا مختلفًا عن مسار البقية، وعن مسار التاريخ. ففي السابعة والعشرين من عمره، قادته أفكاره إلى ترك المدينة والذهاب للعيش وحيدًا في الغابة لعامين، لماذا؟
«ذهبت للغابة لأني أردت العيش بصدق، لأواجه حقائق الحياة الجوهرية، ثم أرى إن كان لديها شيء لتعلمني إياه، حتى لا أكتشف وقت موتي أنني لم أحيا. فلم أرد أن أحيا ما هو ليس الحياة، الحياة الصادقة، ولم يكن قصدي أيضًا اعتزال الناس، إلا عند الضرورة. ولكني أردت العيش بعمق وامتصاص خلاصة الحياة كلها. أردت العيش بقوة المحارب الإسبرطيّ فأجهز على كل ما هو ليس الحياة الحقيقية، أردت اجتياز مسافات والعمل بدأب، ومحاصرة الحياة في الزاوية لاستخلاص كل ما يمكنها منحي …».
يهمنا أن نشير أنه لم يعتزل المدينة دعوة منه لاعتزال الحياة والناس، بل إنه يقول بالتحديد في مواضع أخرى أن اعتزال المدينة كان لأهداف محددة وخاصة به وحده، أنه أراد إتمام مهمة فردية وخوض تجربة خاصة، ومن ثم عاد إلى المدينة. كثيرًا ما تؤخذ أفعال «ثورو» وكثير من الكتاب الملهمين، خطأً، أنها كانت دعوة من نوع: «افعلوا مثلما فعلتُ»، ولكن «ثورو» وغيره كانوا ينبذون الأفعال «المضمونة أخلاقيًا»، إن صح التعبير. فكثير من الناس اعتزلوا المدينة إلى الغابة، وحاكوا كثيرًا من تصرفاته، فقط لأنها تصرفات من يعتقدون أنه «أكثر حكمة»، وبالطبع أكثر إلهامًا منهم. ولكن الحقيقة أنه انتقد في أكثر من موضع هذا النوع من الأفعال الجاهزة، وكثيرًا ما قال إن المهم هو معرفة المبدأ والفكرة العميقة من وراء الأشياء، إلا إن الناس يلجؤون من جديد إلى مجرد الاتباع، ولا يهتمون بالفكرة الأساسية، وهي البحث الحقيقي عن حياة صادقة، وعميقة، يتصل فيها الإنسان بنفسه، وبالطبيعة، والمبادئ العالية، وبالإله.
إن أفعال «ثورو» الملهمة نتجت عن عمق اتصاله بقلبه، وعن صدق تجربته وبحثه عما هو حقيقي وصواب، فما يستحق النظر إليه هنا هو دعوته لنا بأن نعيش حياة صادقة، وعميقة، وحقيقية.
كان «ثورو» يريد استخلاص جوهر الحياة والعيش بصدق، فيمَ يهمنا هذا؟ إنه يهمنا اليوم أكثر من أي وقت آخر، بالتحديد في عصر التشتت خاصتنا. فيتحدث في «ولدن»، وهي مذكراته التي كتبها عندما كان في الغابة، عن التركيز والتشتت الإنساني: «ففي أغلب الوقت نحن نسمح للظروف الخارجية العابرة بتحديد اختياراتنا. وهم سبب تشتتنا». عن ماذا تشتتنا؟ ما الشيء الذي علينا التركيز عليه؟ العيش الصادق الحقيقي. وسأتحدث بلغة «ثورو» وأقول أن يحيى المرء وفق القوانين الكونية الخاصة به، أي مثله ومبادئه التي يرتئيها في نفسه، وألا يتبع سوى القانون الذي يرى أنه يسمو فوق قانونه الأصلي. فعلى المرء أن يفهم القوانين التي تحكمه وتحكم العالم، وأن ينشغل بأن يكون نفسه، إذ من ستكون إن لم تكن نفسك؟ ولكن كيف يكون المرء نفسه؟
«لم أكن لأتحدث عن نفسي في هذه المذكرات إن كنتُ أعرف شخصًا آخر أكثر من نفسي، ولكني محدود بأن أتحدث عن تجربتي الخاصة لأنها الوحيدة التي تعنيني. وعلاوة على ذلك، فأنا أطلب من كل كاتب أن يقدم حسابًا مخلصًا وصادقًا عن حياته، وليس عما سمعه عن حياة الآخرين. أن يسرد حياته كأنه سيرسلها في خطابٍ إلى صديقٍ في أرضٍ بعيدة، لأنها إن كانت حياةً صادقة، فإنها في اعتباري أرضًا بعيدة مستقلة. لعل هذه الصفحات تعني تحديدًا طلاب المعرفة الفقراء، ولكن آمل أن يأخذ كل قارئ منها ما يناسبه، فإن كانت معطفًا، فدعونا لا نمزق أطرافه سحبًا وإجبارًا، بل إن المعطف يكون جميلًا إن جاء على مقاس من يرتديه».
ما هي الطبيعة؟ الطبيعة هي أنت والعالم
تمثل علاقة الإنسان بالطبيعة (طبيعته الخاصة، وطبيعة العالم من حوله) محورًا أساسيًا في حديث «ثورو»، ومن تأمله للحالة الطبيعية للإنسان والعالم يُقارن بين ما يجب على الإنسان أن يكونه، وبين ما هو عليه. فإن فكرنا في التعريف التقليدي لما هو طبيعي، نجد أنه ببساطة تحقيق الهدف أو الغاية من وجود شيء ما، وهو تعريف نجده عند أرسطو وأفلاطون، ومن هذا التأمل الضمني يرى الشاعر سخف ما عليه الإنسان اليوم مقارنة بما عليه أن يكونه. وينادي بأنه علينا ألا نفقد تركيزنا، فإن المهم هو أن نعرف أنفسنا، وليس أن ننشغل بالأدوات التي نصنعها لنعرف أنفسنا. وينادي بأن يسير المرء بشجاعة في طريقه نحو المعنى، غير عابئٍ بصعاب ومخاطر اللامعنى وعدم اليقين.
«اتبع طبيعتك وازدهر كهذه الزهور والغابات، التي لن تكون مع ذلك جنات عدن. دع السماء ترعد وتمطر، فما شأنك إن هدد المطر الزرع؟ إن هذا لا يعنيك. احتم تحت السماء فيما يركض البقية ليحتموا في مخابئهم. لا تجعل محاولة العيش هي تجارتك، بل رياضتك التي تتقوى بها».
والاتجاه نحو تقدير الطبيعة بشكل عام وهو مما يميز اتجاه «ثورو» الفكري ومن شابهوه، هو اتجاه اهتم بالبحث عن رؤية شيء مختلف عن تيار السير العام للتاريخ والمجتمع من حولهم. وتمتلئ صفحات مذكراته في الغابة بتأمل عميق وتفصيلي لمحيطه، ومسألة علاقة الإنسان بمحيطه من الأمور التي يلفت النظر إليها، اعتقادًا بالتأثير المتبادل بين الإنسان ومحيطه أيًا كان، فإن عاش الإنسان في بيئة جافة وقاسية وخالية من الجمال والروح، فلا عجب أن تكون حياته الخاصة قاسية وعديمة المعنى والروح هي الأخرى. فعملية تأمل المرء لمحيطه تشمل اهتمامه بفهم مكانه في الكون، ومن ثم معرفته لمهمته التي تناديه طبيعته الخاصة أن يحققها. ولهذه الأسباب يهتم «ثورو» بأن يخلق اتصالًا خاصًا بينه وبين تلك القيم.
نجد «ثورو» يتأمل ويتعلم ويستلهم ليس فقط من الطبيعة في الغابة، بل أيضًا من أنماط الحياة من حوله، وإن كانت سلبية. حيث يشبه الكادحين مسلوبي الحياة في المصانع وأنواع الأعمال الشاقة الأخرى بالبربريين القدامى الذين كانوا يتفننون في طرق وأشكال التعذيب الجسدي، فيقول: «أشكال التعذيب هذه ليست أقل قسوة أو جنون من الأعمال التي يتخذها جيراني، بل إن أعمال هيركليز الاثني عشر كانت أقل استعبادًا من أعمالهم، إذ إنها كانت اثني عشر، وكانت لها نهاية».
عندما يتحدث «ثورو» عن التركيز على حقائق الحياة المهمة، يشير إلى أهمية أن يقابل المرء نفسه، ويجالسها بشفافية وبتركيز، حتى يعرف حقًا من هو. ويتعجب كيف أن أغلب سكان منطقته لم يجربوا شعور أن يفقدوا طريق العودة عند السير في الغابة، إذ إنه عندما تشعر أنك فُقدت لا يكون لك معينٌ إلا نفسك. فكيف تشعر عندما تكون وحيدًا تمامًا مع نفسك؟ هل تثق فيها فتشعر بالطمأنينة؟ أم أن نفسك غير جديرة بالثقة، ولا يعتمد عليها، فتفزع وتهلع طلبًا للعون؟
إن البحث عن هذا النوع من التجارب هو ما يهمه، تلك التجارب التي تُخبر المرء شيئًا عن نفسه، وتدفعه إلى طريق يكون فيه ما ينبغي عليه أن يكونه. فيحيي قوة التحمل الهائلة التي لدى من يقدرون أن يختبئوا ويجلسوا لأسابيع في منازلهم ومكاتبهم دون أن يروا أو يتأملوا لقليل منظر أو مشهد من الحياة، ويقول إنه لا بد من قدرة أكبر من قدرة الجنود في أراضي الحرب، إذ إنه لا يصدق كيف لم يقتلوا أنفسهم بعد.
ويعبر عن عدم فهمه التام لغرابة اهتمامات البشر. إن الناس يفضلون دومًا الاهتمام بالمشاكل البعيدة التي لا يمكنهم حلها، ثم يغضبون لعدم قدرتهم الحتمية نحوها. فما يعني البشر أن يعرفوا إن كانت هناك حياة على كوكب آخر؟ أو عما يوجد على النصف الآخر من القمر؟ إن دلت تلك التساؤلات عن شيء، فتدل على أن البشر لم يعودوا يطيقون بعضهم، ولجؤوا إلى السماء، ولكن من المهم أن يبحث المرء عن المبادئ السامية كما يبحث عن النجوم، فتلك هي التي يمكنه أن يجلبها إلى الأرض، فيكون المرء «نجمًا منيرًا لمن حوله»، على حد قوله.
الطبيعة هي واجب وفعل
فما الذي يمكن لإنسان من خلال طريقه ومسعاه أن يقدمه للعالم؟ هنا تأتي مسألة الفعل والواجب التي تتعلق بالآخرين في المجتمع. على عكس ما قد يوحي به سردنا حتى الآن، فإن «ثورو» كان مهتمًا أيضًا بالواجب، الذي يتعلق بآداء مهمة تجاه شيء آخر عن نفسه. كان قد طلب عصارة الحياة حتى يهبها للعالم ليتعلموا منها. ونرى في كتاباته شخصية سياسية مختلفة عن أي شخصية سياسية نراها في مكانٍ آخر، وآراؤه السياسية تختلف عن مناخها العام. فلم يخشَ «ثورو» أن يكون حالمًا يتبع خياله وأفكاره، إذ إن الخيال الحقيقي هو ما نفتقره بحق، فكثير ما نغفل عن المخارج غير المتوقعة لمشاكلنا، والتي قد تكون أيضًا في غاية البساطة. ولم يخشَ أبدًا التعبير عن مدى سذاجة خيالاتنا وآفاقنا السياسية، ووضع معايير عالية قد تبدوا لنا من الخيال.
«إن أفضل حكومة هي الحكومة التي لا تحكم»، لماذا؟ لأن كل فردٍ فيها من الحكمة أن يحكم نفسه. هي الدولة التي، كما يقول أفلاطون، يطبق كل مرءٍ فيها حكومته الداخلية، فلا احتياج لحكومة خارجية تضبطهم. ولكن ما أبعد هذا عن متناولنا، وحتى عن خيالنا. فللأسف نحن تائهون في صراع حول من يحكمنا، ولكننا لا نعرف أن نحكم أنفسنا. والمشكلة هي أن حكوماتنا مثلنا، هي كائنات حية، ولكنها ذات صحة شديدة الضعف والمرض والهشاشة، «هي حتى ليست بصحة وقوة رجل واحد، لأن كل ما تتطلبه هو قوة رجل واحد ليطوعها لأمره».
ولكنه يعرف أن هذا المعيار شديد البعد عنا، وكل ما يمكننا فعله تجاهه هو أن نحلم به، ولكنه مع ذلك لا يتهاون في أن يسخر من سخافة معاييرنا الحالية التي نختارها لحكم أنفسنا، فمنذ متى وحكم الأغلبية هو حكمٌ بصدق الشيء؟ بل إن معايير الصدق هو الصدق، ولكن هل مشرعينا ينشرون الصدق والبصيرة كما يصدرون التشريعات؟ فيقول «إني لم أرَ حكومةً تنشر الحكمة كما تنشر القرارات التعسيفية». لمَ لا تنشر للشعب نموذجًا للحياة؟ لأنها لا تعامل المواطن على أساس الكرامة، أو البصيرة، أو الأخلاق، ولكن على أساس المادة والقوة المادية، ولهذا فكل ما تملك تجاهه هو قانون السلطة والإرضاخ، ولأنه لا يوجد مكان أو أهمية لأشياء أخرى، فمن الطبيعي أن من يبحث عن روحه لن يجد مكانًا لنفسه في هذه الدولة.
ولكن كل ما يملك أن يفعله «ثورو» هو أن يحقق هذه الحكومة في نفسه أولًا، ثم يحلم بها لمن يأتون من بعده. ولكن ما يهمه هو أن يكون الإنسان إنسانًا، أن يتأكد أنه حي، وفي نهاية حياته، أن يكون لديه إجابات كافية عن أسئلته الكبيرة: من أنا؟ لمَ أتيت؟ وماذا عليّ أن أفعل؟. يسخر «ثورو» من مندوب توصيل تتمثل حياته في أن يستيقظ نهارًا، يذهب للعمل، يعود بالمساء، ينام …، وتتكرر تلك الدورة بلا نهاية، فكان يتساءل «ثورو»، ما الذي قد يعنيه المصير لهذا الشخص؟ بل ما قد يكون مصيره أصلًا؟ فهو لم يرد أن يكون ممن يتجنبون هذه الأسئلة المخيفة لآخر ساعات حياتهم، لدرجة أنهم يتجنبون حقيقة أنهم يموتون وهم يموتون.
كان طلب «ثورو» الوحيد في مذكراته هو أن يتأكد كل من يقرأها، بصدق، وأمام نفسه، أنه قد عاش حياة صادقة. وبالنسبة له، فهو قد عاش حياة صادقة وملهمة إلى حد كبير، وربما لهذا السبب لم يحتجْ أن يعيش طويلًا، فقد مات في الـ ٤٤ من عمره بمرض وراثي. وكأنه كان أكثر الناس إدراكًا أنه قد يموت في أي لحظة، ولهذا عليه أن يعيش.
التدقيق اللغوي: أحمد الظريف





0 تعليق