السيناريو الآتي: اتنين مرضى داخلين قسم الطوارئ. الأول مريض سرطان كبير في السن وحالته متأخرة وعنده نقص حاد في الأكسجين. وبعديه مريض أصغر في السن عنده أزمة قلبية وبرضو نقص حاد في الأكسجين. أنت طبيب الاستقبال ومعاك جهاز تنفس صناعي واحد. ممكن حد يقول «بسيطة» الأولوية للي حالته متأخرة أكثر: مريض السرطان، خاصة إنه دخل الأول. بس خلينا نشوف النتايج المحتملة: ممكن نختار إنقاذ مريض الأزمة القلبية وبكده ننقذه، ونفقد مريض السرطان. وممكن نختار إنقاذ مريض السرطان، ونفقد الاتنين في النهاية. المشكلة إن مفيش أي ضامن على نتايج اختيارك، لكنك حتميًا لازم هتختار! ده مثال على المعضلات الأخلاقية اللي بتواجه الطاقم الطبي طول الوقت، واللي بتزيد جدًا في أوقات الأزمات زي اللي بنواجهها دلوقتي بسبب جائحة كوفيد-١٩ لو فكرنا في الموضوع من وجهة نظر «النفعية» [Utilitarianism] ودي النظرة اللي هتقولك «اختار الفعل اللي هيعود بأكبر قدر من المنفعة على أكبر عدد من الناس» هنلاقي إن ١ يعيش و١ يموت أحسن ما ٢ يموتوا. بس من ناحية تانية «الأخلاق الإلزامية» [Deontological ethics] هتقول إن «الفعل أخلاقي أو غير أخلاقي في حد ذاته وبغض النظر عن النتايج»، وده معناه إن عدم توفير الرعاية المطلوبة للمريض اللي وصل الأول يعتبر جريمة حتى لو النتيجة في الآخر خسارة الاتنين. موقف متكرر ومتزايد في حياة كل طبيب وأنا واحدة منهم. بنقابل مئات الحالات يوميًا وللأسف، مش دايمًا بنعرف ننقذ كل مريض! ولإن فيه حياة ناس على المحك، هتتأثر بقراراتنا واختياراتنا، فيه احتياج إن الواحد يسأل نفسه: هل أنا بتصرف صح ولا لأ؟ وأي سؤال في مجال التصرف هو حتمًا سؤال في مجال الأخلاق. مجال الفلسفة الأخلاقية الأكاديمي على مدار الـ١٠٠ سنة اللي فاتوا حصل فيه تضخم هائل، نظريات متعددة، وكل واحد يطلع بنظرية، ييجي واحد يقول عكسها ويهدّ كل اللي اتبنى. والنتيجة؟ النتيجة إن مجال الأخلاق زي باقي المجالات «الأكاديمية» اتهرى، وقُتِل بحثًا، ومع ذلك الشكوى من غياب الأخلاق في مجتمعاتنا بتزيد كل يوم أكتر من اللي قبله… فيه حاجة غلط! يمكن تكون المشكلة إننا نقول على مجال الأخلاق مجال أكاديمي أصلًا. فعلًا: إزاي نبحث في مجال الأخلاق، اللي هو مجال التصرفات، عن طريق نظريات عادةً بتكون منفصلة عن التطبيق؟ (وكل طلبة الجامعة عارفين كويس أنا أقصد إيه، لأنهم هم كمان بيشتكوا من انفصال النظريات اللي بيدرسوها في فقاعة الجامعة عن أرض الواقع العملي اللي مطلوب منهم يعيشوا عليها). حتى السؤال ده نفسه لما بيتطرح في مجال فلسفة الأخلاق، بيتم التعامل معاه بنفس الطريقة النظرية، فبنلاقي الفلاسفة المعاصرين بيتكلموا عن ٣ مجالات في الفلسفة الأخلاقية:
- أخلاق معيارية أو Normative Ethics
- أخلاق تطبيقية أو Applied Ethics
- أخلاق فوقية أو Meta-Ethics
نبدأ بالأخلاق المعيارية، اللي بتشوف إن الأخلاق عبارة عن مجموعة من الأعراف والقوانين. بس لو الأخلاق هي فعلًا ببساطة قائمة الصح والغلط اللي هننفذها عمياني، إيه معنى إننا نقول: إن ده تصرف أخلاقي. ده مجرد اتباع آلي للبروتوكول ومش بيضمن حتى إن الشخص يكون فاهم ليه ده «الصح» أصلًا. غير إن السؤال هيرجع تاني يطرح نفسه: هل في بروتوكول بيضمن إن الواحد دايمًا يتصرف صح؟ والأهم من كده، فين هنحط المواقف اللي بنقول عليها «التصرف بروح القانون» مش بالقانون؟ البروتوكول أو مجموعة التعليمات اللي بتتحط قدامنا عمرها ما هتكون كاملة وكافية ووافية للرد على كل مواقف الحياة، وبالذات في مجال زي الطب اللي مليان معضلات وفيه عوامل كتيرة بنقيّم على أساسها. على سبيل المثال: لو حد امتنع عن تقديم الرعاية الطبية في جهة خاصة لمريض غير مقتدر ماديًا محدش هيقدر يحاسبه قانونيًا! في حين إننا قادرين نشوف ثغرة في الوضع ده، غير إنه موقف غير إنساني ومؤسف جدًا. والحقيقة إن الاختباء وراء الأعراف والقوانين هو نوع من إخلاء المسؤولية. محدش هيقدر يحاسب حد ماشي «زي ما البروتوكول بيقول» رغم إنه ممكن يكون بيتصرف بطريقة غير أخلاقية! هنيجي للأخلاق التطبيقية هنلاقي فيها تفريعات زي: النفعية، والإلزامية، والفضائلية. النفعيين هيقولوا نِبَدّي التصرف اللي هيؤدي لأكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد من الأفراد. والإلزاميين هيقولوا إن الاتفاق لازم يكون على مستوى الفعل أخلاقي في نفسه، بغض النظر عن نتايجه إيه على أرض الواقع. والفضائليين هيقولولهم مينفعش نتصرف بغض النظر عن النتايج. وفي الآخر هيقولك كل واحد على حسب وجهة نظره! والنتيجة مازالت مؤسفة: بالرغم من إن المجال ده يبان إنه بيتناول مشاكل الحياة الواقعية، لكنه بيعمل ده بشكل عقيم ومن غير أي قيمة حقيقية مضافة، وبيحدف على الأخلاق المعيارية: هتمشي عمياني ورا أنهي مجموعة من القواعد؟ وفوق كده كمان بيخلي اتخاذ القرار أمر شبه مستحيل: هتختار أنهي مذهب فكري؟ وعلى أساس إيه؟ ولو هما عكس بعض هل ده معناه إن أي تصرف أيًا كان هيكون تصرف أخلاقي؟ مش ده معناه إن الأخلاق أي حاجة وكل حاجة؟ فبالتالي هي ولا حاجة؟ والخلاصة إن المجال ده لا هو أخلاقي ولا هو تطبيقي، لكنه مجرد لعب بالأفكار. وأخيرًا نوصل للأخلاق الفوقية: وده تعبير آخر بيستخدم النهارده لوصف الفلسفة الأخلاقية. المجال ده بيتناول معنى الأخلاق. وبيدوّر في الأسئلة اللي في خلفية الموضوع زي: يعني إيه خير أو شر؟ يعني إيه صح وغلط؟ هل الحكم الأخلاقي واحد ولا على حسب؟… إلخ والأسئلة دي مهمة جداً لأي فيلسوف عنده تساؤلات وبيدور على الحقيقة. المشكلة هي الفصل اللي حصل بين المجال الفكري والمجال التطبيقي، واللي اتسبب في وجود مجال بالاسم ده واللي معناه حرفيًا «ما وراء الأخلاق» أو «في ما دون الأخلاق». بس إيه معنى إني أفكر أو أفهم من غير ما يكون ده ليه انعكاس مباشر على تصرفاتي؟ الفصل ده مكانش دايمًا موجود، بالنسبة لحضارات كتير، ومنها الحضارة المصرية القديمة: الفكر والتصرف كانوا وجهين لعملة واحدة، وده بيظهر مثلًا في إحدى الكلمات الهيروغليفية: «إر» -واللي رمزها عين مفتوحة» ومعناها «يرى» أو «يعرف» وفي نفس الوقت معناها «يفعل».

