15 ديسمبر 2023

الإنسان والسعادة

لا أريد أن أتحدث عن كيفية كون الإنسان سعيدًا؛ ولكن ما أحاول معرفته هو العلاقة بين الإنسان والسعادة.

لو افترضنا صحة القَصص الديني في الديانات الإبراهيمية؛ لوجدنا أنه كان يمكن لآدم وحواء العيش في الجنة بسعادة تامة دون أي عناء وقلق ومجهود. كانوا سيعيشون تحت رعاية إله أحبهم وخلقهم وكفل لهم كل ما يحتاجونه، كل ما يسعى إليه أي فرد: سلطة على الطبيعة، ووفرة في الطعام، واستقرار، وحياة مريحة وسهلة ويمكن القول سعيدة؛ ولكنهم فضلوا اختيارًا آخرًا، اختيارًا حرمهم من كل تلك السعادة وراحة البال، وحصلوا على شقاء وحزن وصراعات، هم وكل نسلهم.

وإذا أخذنا بفرضية أن القَصص الديني غير حقيقي أو  رمزي وأن الإنسان قد أتى نتيجة تطور ما، أو أيًا كانت النظرية، فقد كانت حياة الإنسان أبسط مما هي عليه الآن، ولم تكن بكل ذلك التعقيد، لها مخاطر هذا صحيح، ولكنها كانت أبسط من الآن، سواء عندما سكن الكهوف أو حتى اكتشف الزراعة، كانت حياته أبسط مما هي الآن، لم تكن معقدة، لم تكن متطلبة بذلك القدر الحالي، ومع ذلك ظل الإنسان في كل فترة وكل عصر يزيد من التعقيد والتركيب لكل شيء. لقد بدأ الأمر من مجموعات تعيش في كهوف تقوم بالصيد والهرب من بعض الحيوانات المفترسة، ثم تطور إلى ما نحن فيه الآن؛ مجتمعات ودول ومدن وصراعات ونزاعات ومهن مختلفة ومعتقدات وأحزاب وأفكار وتطور تكنولوجي وغيرها من الأمور التي سعى الإنسان إليها. وفي الواقع إن قصة تطور الإنسان وتحضُّره وكيف بدأ ستظل هي أكثر القصص تشويقًا، ولكن ذلك ليس موضوع المقال.

وإذا لاحظت معي في الحالتين اختار الإنسان أن يبتعد عن البساطة وربما السعادة، واختار دائمًا ما يسبب له الشقاء والتعب؛ فكل اختيارات الإنسان لم تهدف إلى السعادة بشكل مباشر بل هدفت إلى زيادة الأمور تعقيدًا، واختياراته كلها كانت نحو الشقاء والعناء وزيادة ما يتحمله من مسؤولية، هو دائمًا يختار ما يسبب ذلك. فمثلًا كانت الأراضي ملك للجميع ثم اختار الإنسان فكرة التملك وبالطبع ظهرت الملكيات، تلك الملكيات تحتاج لحماية فحمى الفرد ملكيته، ثم مع الوقت يُعيَّن من يحمي ملكيات الأفراد وتظهر القوانين ومعها من يُطبِّقون القوانين ويحكمون بين الناس، وفي نفس الوقت تُنشأ المجتمعات وبعد ذلك الدول وحكام وجيوش وصراعات واحتلالات وإمبراطوريات وإلى آخر تلك القصة. إن ذلك التعقيد والعناء الذي اختاره الإنسان بكامل إرادته هو لا يتحقق معه مفهوم السعادة، بل يُظهر في الحقيقة أن الإنسان اختار الشقاء والتعب وتعقيد الأمور وتركيبها.

 ونحن نعيد نفس الاختيار، فنرى الفرد يعمل بكل جهد مهما بلغ ما معه من مال أو تأمينات تكفل له حياته، ستجده يزداد في بذل المجهود دائمًا ويسعى لزيادة أعباء المسؤولية عليه، ويجري نحو السلطة والمكانة ويظل في صراع للحفاظ عليها، وقد لا يعطي لنفسه أي وقت لممارسة أي نشاط قد يشعره بالسعادة وإذا قام بشكل ما في البحث عن السعادة بحسب مفهومنا أو أي طريق إليها أو محاولة للراحة ولو لمرة واحدة فقد يشعر بالذنب وكأنه ارتكب خطأ، نحن دائمًا جادين نحو شعورنا بأهمية الشقاء والعمل والتعب، ونحن نعمل وفي تفكيرنا أن العمل اليوم سيكفل السعادة للغد، وبالبلدي مثلًا «اتعب وانت صغير ترتاح وانت كبير»، نعم بالتأكيد سمعت تلك العبارة بل ورددتها لمن حولك بذلك الشكل أو بشكل آخر ولكن جوهر المعني واحد، في الحقيقة نحن نحب الشقاء والتفكير، نحن نتلذذ بالمشكلات وإيجاد حلول لها ثم الوقوع في أخرى، نحن دائمًا نعيد نفس الاختيار،  فنجد تحذير أن كثرة المعرفة تسبب الشقاء والتعب ونفعل ذلك، نجد تحذير أن الزواج والإنجاب مسؤولية تزيد الشقاء والتعب سواء في بدايتها أو مع استمرارها، ومع إن هناك احتمالية لعدم الاستمرار فنفعل ذلك. تشعر الأم وقت الحمل بألم وتعب شديدين وترغب في الإنجاب مرة أخرى نحن لا نختار السعادة أبدًا، دائمًا نختار ما هو عكس مفهوم السعادة سواء كانت مخاطرة تسبب انعدام اليقين أو عمل يسبب إرهاق بدني أو فكري أو حتى تعب ناتج عن مجهود مبذول، فهل يعني ذلك أنه لا توجد سعادة أصلا أو أن الإنسان كائن كاره للسعادة، وبالطبع ستكون الإجابة لا وذلك سيجعل تساؤل يخطر في ذهنك؛ وهو إذا كانت الإجابة لا فأين توجد السعادة في قصة الإنسان؟

إن سعادة الإنسان الحقيقية لم تكن أبدًا في راحته، لم تكن في جلوسه، لم تكن في أنه يشعر بالاطمئنان أو راحة البال أو عدم التفكير، بكل صراحة لم تكن إلا في شقائه وتعبه، إنها كانت في حرب انتصر فيها، أو مال قام بجمعه، أو كانت في قصة حب فشلت أو نجحت،  أو مع شخص يبحث عن المعرفة ويفكر ويشغل باله بما حوله، كاتب أو عالم أو فيلسوف يجاهر بقناعته بكل ثقة وقد يتعرض للمشاكل أو الموت، أو شخص ناسك يهدف إلى الزهد ومحاربة شهواته وأفكاره، أو أسرة تهدف إلى إرضاء أبنائها وغيرها من الأمثلة عنوانها كل ما هو عكس معنى السعادة، وذلك لأن المشكلة هي في مفهومنا لمعنى السعادة عند الإنسان.

 في الحقيقة إن سعادتنا كانت دائمًا في شقائنا، في اختيارنا الدائم للتعب والمجهود والتفكير، إنه الاختيار الذي نذهب إليه كما يجري الأطفال إلى الحلوى، نسعى إليه بلا تفكير، نحن لا نحب البساطة والسهولة والراحة، نحن نختار الشقاء؛ لأن ما ينتج من شقائنا يكون السعادة، ثم نشقى أكثر لنشعر بالسعادة لتحقيق إنجاز ما، إن ذلك التعارض بين الشقاء والسعادة في حقيقة الأمر داخل حياة الإنسان غير موجود، بل هم في توافق.

إن السعادة في الحقيقة لا وجود لها بشكل مستقل  فهي نتيجة، هي سبب، ولكنها ليست شيئًا يمكن البحث عنه أو اختياره بطريقة منفردة، إن الانسان لم يختر السعادة أبدًا كشيء مستقل، ربما لأنها لم توجد أبدًا كشيء مستقل، لكنه اختار العمل والتعقيد والشقاء والعناء لأنه وجد سعادته في ذلك، إن الإنسان وجد سعادته في الشقاء، نحن لم نختر السعادة ولكننا وجدناها في فعل ما نختاره دائمًا؛ الشقاء والتعب والتعقيد. هي دائما كانت الشعور المصاحب للإنجاز ولم تكن اختيارًا مستقلًا يمكن أن نذهب إليه، وقد عرف الإنسان ذلك دائمًا إن الشقاء والتعب هم سبيل للسعادة ولن يجِد سعادته بعيدًا عنهم، لذلك هو دائمًا رافض للبساطة والراحة ومحب للخروج عن المألوف والقيام بالمخاطرات وبذل المجهود دائمًا، تلك الأمور كانت ما تأتي بالسعادة للإنسان دائمًا، فبالرغم من أن تلك العلاقة بين الانسان والسعادة قد تبدو معقدة أو متشابكة؛ إلا إنها معاشه وبشكل يومي. هي اختيار متجدد يقوم به الإنسان دائمًا.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا