10 نوفمبر 2023

ازدواجية الطبيعة البشرية، هل البشر أشرار بالفطرة؟

ازدواجية الطبيعة البشرية هل البشر أشرار بالفطرة؟

 

منذ فجر التاريخ وأفعال الخير والشر متجليّة في البشر أمامنا مرأى العين؛ بدءًا من ابنيّ آدم اللذين يضربان لنا المثال الأقوى والأشهر على الوجود الحتمي للخير والشر المطلقين؛ حيث قتل أحدهما الآخر بدافع الحقد والحسد لأنّ قربانه لم يُتقبَّل بينما تُقُبِّلَ قربانُ أخيه، وعلى الرغم من تهديده المُسبق لأخيه بالقتل، قابله أخاه بكلِ خير وسلام، وفي قوله تعالى:

«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ» المائدة (27 – 28).

ولا يُوجَد في صفحات التاريخ أكثر من الأدلة التي تبرهن على وحشية البشر وبشاعتهم؛ من إغاراتهم على الدول والمدن المُحيطة لنهب خيراتها وسفك دماء أهلها، وغيرها من الجرائم سواء في الحقيقة أو الأساطير مثلما فعلَ سِت مع أخيه أوزيريس، على الناحية الأخرى لم يخلُ التاريخ أيضًا من إحسان البشر الشديد؛ كالتضحية بالذات من أجل إنقاذ حياة أشخاص ربما لا يعرف أسماءهم حتّى، مما يجعلك تقف مدهوشًا أمام تلك الطبيعة المزدوجة وتتساءل عن ماهية ذلك الكائن العجيب الذي تسمح له طبيعته أن يحمل كل هذا التضاد بداخله.

يعيش الإنسان في بيئة ديناميكية متغيّرة لا تثبت على حال، فتغيُّرِ الإنسان ينبع من أحداثها، وتغيّرِها ينبع من إحداثه. يجود بأخلاقه فيلقى الحمد والثناء ليقرر أن يستمر بفعل ذلك العمل، أو يسيء التصرف ويلقى توبيخًا وذمًّا فيقسم بألّا يفعله مجددًّا. يترعرع في ظروف قاسيّة، يقابل أناسًا جُلّ ما يفعلونه هو تلقينه يوميًّا بأفعالهم، بأنَّ العالم ليس إلّا مكانًا لفعل السوء والسيئين، يُثابُ ويمجَّدُ لأخطائه، ويُعاقب لصوابه، ليُصبِحَ مُبرمجًا على أنَّ الطريقة الوحيدة لعيش تلك الحياة هو أن يتحوّل إلى وحشٍ كاسرٍ يعيثُ في الأرض فسادًا وخرابًا، نافضًا من عليه كلَّ ما تبقى من إنسانيّته. على النقيض الآخر يُولدُ إنسان آخر في بيئة صحيّة، يتعلم فيها الصواب والخطأ بطريقة سويّة، ويرى فيمن حوله المَثَل الأعلى للإنسان الصالح فينطبع الخير بكل خليّة في جسده فَيكبر مستنكرًا للخبثِ والشر، محبًّا للصلاح والخير.

لكنَّ الحياة ليست بتلك المثالية، فهي ليست بمعادلة حسابية ثابتة المدخلات والمخرجات، إنّها أشبه بمعادلة كيميائيّة منها برياضيّة. ليس للحرارة والضغط والظروف الخارجية وحدهم التأثير النهائي على نواتج المعادلة، فالمؤثِّر الأوليّ والأساسي هنا هو التركيب الكيميائي للمادة، فهو الذي يُحدد ماهية خواصّها والذي بدوره يُحدد كيف تتفاعل ومع أي مواد أخرى سوف تفعل ذلك وما النتيجة النهائية لذلك التفاعل. وكذلك الحال تمامًا مع البشر فمن الوارد أن يعيش توأم نفس الظروف والبيئة، ويتلقيان نفس التربية ليخرجَ أحد منهما صالح والآخر طالح، والبرهان الأكبر على ذلك هو ابنيّ آدم عليه السلام، فأيُّ بيئة وأيُّ ترييةٍ هي أصلح من تلك البيئة القويمة التي يُشكِّل سيدنا آدم أبو البشر العنصر الأساسي فيها، والكثيرُ من أبناء أنبياء الله وزوجاتهم وآبائهم من يكفرون بالله ويعصون أوامره، ومنهم من يفعل الفاحشة، إذًا فليس للبيئة وحدها الأثر الأكبر في تشكيل شخصية الإنسان وطبيعته، فهل هناك أي عوامل أخرى تُؤثِّرُ في تكوينه؟ 

من المتعارف عليه لدى الأغلبية الساحقة من البشر أنّ الجينات مسؤولة عن الخصائص الجُسمانية للفرد ولكن من غير المعروف أو المنتشر أنّ الجينات تُحدد الخصائص السلوكيّة أيضًا، حيث أن الجينات مسؤولة عن أربعين إلى خمسين بالمائة من الملامح النفسيّة للإنسان، فهناك جينات مسؤولة عن الانطوائية، والانفتاحية، والاكتئاب، وغيرها… فإذا صادف مرور الشخص الذي يحمل الجينات الخاصة بالاكتئاب بحالة من القلق العام من المحتمل أن يطوّر مرض الاكتئاب لديه أكثر من نظرائه الذين يحملون الجين ولم يمرون بنفس الظروف، أو الذين مرّوا بنفس الظروف لكن لا يحملون ذلك الجين في تكوينهم البيولوجي، وينطبق الحال على باقي الجينات المسؤولة عن أفعال الإجرام والشر، فإنّها تُستَحث بالعوامل البيئية المحيطة، جاعلة من الأشخاص أن يتصرفوا بالطريقة التي هم عليها؛ وذلك لضعف قدرتهم على التحكم بأنفسهم، وعلى عدم قدرتهم على منع أنفسهم من ارتكاب تلك الجرائم، ولكن الأمر أشبه بتبرير السرقة للفقراء، وذلك لأنَّ عدم امتلاكهم للمال يضغط عليهم ويجعلهم أكثر عرضة لعدم القدرة على التحكم في الذات حينما يتعلق الأمر بالمال، أعلم أنه أمر فسيولوجي بحت ولكنَّ هذا أشبه بذلك إذ ما قورنت بالآثار المقترنة بالسبب المبدأي، حيث أنَّ نقص الهرمون المعين من الجسم يجعله أكثر عرضة لفعل شيء معين أكثر من نظرائه الذين يحملون نفس الجين، وكذلك الوضع بالنسبة للفقراء الذين لديهم مستويات مالية ومعيشية منخضة مما يضغط على تفكيرهم والذي بدوره يُحفِّز  إفرازات الهرمونات، ومن ثمَّ الوظائف العقلية مما يجعلهم أكثر عُرضة لارتكاب السرقة والإجرام أكثر من غيرهم من متوسطي الدخل أو الأغنياء، ما يدفعنا للقول إنّ الحالتين متطابقتين تقريبًا، والذي يحملنا للسؤال؛ ما هي معايير الحكم على خير الإنسان أو شرّه؟

سواء أكان البشر يملكون علة اجتماعية أم جينيّة فهذا لا يمنع من تمام المقدرة على التفريق بين الخير والشر، أقيمت العديد من الاختبارات للتأكد من صحة تلك النظرية وكان من أبرزها  تجربة عُرِفَت باسم المثلث، المربع، الدائرة. يقوم شخص ما بتحريك كل هذه النماذج من خلف حائط وتحاول الدائرة الصعود على الجبل، ثم يظهر المثلث ليدفعها للأسفل كلما صعدت، ولكن يظهر المربع ويساعد الدائرة على الصعود، وبعد الانتهاء من تلك اللعبة يتم تخيير الأطفال بين المثلث والمربع، كان أغلبية الأطفال يختارون المربع المساعد ولم يكن هذا الأمر الصادم الوحيد في المسألة ولكن الصدمة هنا أن التجربة تمّ القيام بها على أطفال لم تتجاوز أعمارهم الاثني عشر شهرًا أي قبل أن يكتسبوا القدرة على الكلام حتّى مما يؤكد أنَّ البشر يملكون المقدرة والبصيرة الكافية على التفرقة بين ما هو صواب وما هو خطأ، وبما أنَّ الإنسان قادر تمام المقدرة على التفريق بين ما هو جيد وسيّء؛ فإنّ المسألة أصبحت لا تتعلق بالبيئة أو الجينات فحسب، وإنما على إرادة الاختيار ما بين القيام بالفعل أو عكسه. 

ما هي الإرادة؟ الإرادة هي (اسم)، ومصدرها (أراد)، ومعناها لغةً هي القصد والميل القاطع نحو الفعل، ومعناها اصطلاحًا هي صفة توجب ترجيح أحد طرفي ما يقع في دائرة القدرة، مما يعني أنّ الإرادة هي القدرة على اختيار شيء بدلًا من نقيضه، وأنّ الإنسان مولود ببوصلة أخلاقية فطرية قادرة على التمييز بين ما هو جيّد وما هو سيء، إذًا تغليب الخير على الشر أو العكس أصبحت مسألة تتعلق بقوة إرادة الفرد نفسه والتي تمكنه من التغلّب على العوامل البيئيّة والوراثيّة التي قد تُعيق صلاحه.

لذا أرى أنّه من الضرورة الملحّة أن نقوّي عضلة الإرادة ونعيد استخدام بوصلتنا الفطريّة من جديد في اتجاهها الصحيح ولا ندع أي مجالات مغناطيسية آخر أن تؤثر على اتجاها.

1 تعليق

  1. م.ع

    التناول للموضوع مش عميق، تناول إنشائي أكثر منه تأصيلي للمسألة.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا