إحدى مقالات القائمة القصيرة لمسابقة المقال الفلسفي ٢٠٢٣
للوهلة الأولى، وإن كنت من غير القارئين للفلسفة، ستجد أن ذلك السؤال بديهي، بل من بداهته قد يجعلك تعتقد أنه سؤال أحمق. ففي وقتنا الحالي أصبح كل شئ تقريبًا يُدار بالعلوم المختلفة، بداية من كوب القهوة الذي لربما تشربه وأنت تقرأ هذا المقال، وصولًا لأعقد الأجهزة والنظريات التي توصل إليها البشر؛ بينما الفلسفة مكانها في الكتب فقط، بل حتى قد تعتقد أنها من علوم الماضي، أما الآن فليس لها فائدة تُذكر في حياتنا؛ ولذلك فإن على الأرجح إجابتك ستكون العلم بلا أدنى شك. ولكن هل تلك الإجابة هي الإجابة الصحيحة المطلقة أم أنها تحتمل بعض التعديلات عليها؟
في البداية، وللإجابة على هذا السؤال علينا أن نوضح أولًا العلاقة بين العلوم والفلسفة، وهل يوجد فرق بينهم؟
بالطبع يوجد فرق بينهم… بل وفرق كبير، حيث إن الفلسفة في الأساس لا تهتم بإيجاد الحقيقة، بل اهتمامها الأساسي هو البحث عن الحقيقة وليس إيجادها. بمعني آخر، الفلسفة تبحث عن الأسئلة أكثر من بحثها عن إجابات؛ لأن ذلك هو وظيفة الفلسفة في المقام الأول؛ إثارة العقل. فطرح المزيد من الأسئلة يعني المزيد من التفكير، ولا يهم إذا وصلت لإجابة السؤال من عدمه لأن التفكير في السؤال في حد ذاته هي مهمة الفلسفة الأولى.
بينما العلم على الجانب الآخر وظيفته الأساسية إيجاد الحقيقة، وعلى عكس الفلسفة فإن العلم لا يعتمد على التفكير المنطقي وحسب كما الحال في الفلسفة. العلم يُدار عن طريق منهجية شديدة التنظيم وهي المنهجية العلمية، التي لا تعتمد على تفسير المرء للسؤال طبقًا لتفكيره وحسب؛ بل يجب أن يكون تفسيره هذا يخضع لعدد من القواعد المُتفق عليها وهي:-
- أن يكون تفسيره مُدعمًا بمشاهدات معملية أو حسابات رياضية دقيقة.
- أن تكون المنهجية التي تم استخدامها لإثبات صحة نظريته قابلة للإعادة مرارًا وتكرارًا مما يسمح للباحثين الآخرين في نفس المجال التأكد من صحة تفسيره.
- أن يكون تفسيره لنتائج تجربته أو حساباته خالية من أي تحيزات أيديولوجية، أو سياسية، أو دينية… إلخ.
ومن ذلك المنطلق نرى الاختلاف القابع بين المنهجية المُتَّبعة في العلم والمنهجية المُتَّبعة في الفلسفة. مع العلم أن المنهجية العلمية في الأساس هي منهجية فلسفية. وذلك الاختلاف بين المنهجيتين في المجالين يرجع في الأساس لهدف كل منهما، فالفلسفة كما ذكرت هدفها طرح الأسئلة أما العلوم هدفها الإجابة على هذه الأسئلة بشكل ممنهج. لذلك يمكننا القول إن أي نظرية علمية هي سؤال فلسفي في الأساس وخاصة في حالة العلوم الأساسية (Basic science).
وإلى هنا قد تكون كوَّنت إجابة لسؤال هذا المقال الأساسي، وهي أن لولا وجود الفلسفة لمَا شهد العلم وجودًا وخاصة في بدايته. ولكن في وقتنا الحالي إن السؤال الفلسفي أصبح أقل تأثيرًا مما كان عليه نتيجةً لنضج العلم وإجابته على معظم الأسئلة في العلوم الأساسية، ليصبح العلم في وقتنا الحالي منفصلًا عن الفلسفة، وأصبح التركيز أكثر على الأبحاث التطبيقية (Applied research) التي تهتم بكيفية تطبيق العلوم الأساسية في حياتنا اليومية، وما يميز البحث التطبيقي عن العلوم الأساسية هو أنه لا يحتاج لسؤال فلسفي لبناء بحثه عليه، ومن هذا المنطلق أصبحت الفلسفة مُهمَّشة أكثر في العلوم في وقتنا الحالي، لهذا أصبح كثير من الناس يرون أن الفلسفة الآن أصبحت بدون عائد تمامًا.
يقول الفيلسوف الأمريكي لويس ماكس في فيلم «حياة اليقظة» (waking life) من إخراج ريتشارد لينكلاتر: «تقريبًا كل سلوك ونشاط بشري ليس مختلفًا في الأساس عن السلوك الحيواني، أكثر التكنولوجيات والحرف تقدمًا يوصلونا -على أفضل تقدير- إلى مستوى الشمبانزى الخارق… بل في الواقع، الفجوة الموجودة لنقل بين أفلاطون أو نيتشه والإنسان المتوسط هي أكبر من الفجوة بين ذلك الشمبانزي والإنسان المتوسط. حقل الروح الحقيقية، والفنان الحقيقي، والقديس، والفيلسوف، نادرًا ما وجدوا! لمَ هذه القلة؟ لماذا تاريخ العالم والارتقاء ليس عبارة عن قصص تُقدَّم للقيم بدلًا من عملية جمع الأصفار العقيمة واللامتناهية هذه؟ لم تتطور أي قيم أعظم».
هذا المقطع يطرح تساؤلًا هامًا وهو؛ إن كان للعلم دور في جعلنا بشرًا أصحاب وعي بالحياة أكثر أم يجعلنا مجرد سلالة من مملكة الحيوانات تمتلك تكنولوجيا متطورة أي كَـ «شمبانزي خارقين» على حد تعبير ريتشارد؟
إذا نظرنا إلى الاحتياجات الأساسية للإنسان والحيوان سنجد أن كلًا منهما متشابهين تشابهًا تامًا في الاحتياجات! فتتمثل الاحتياجات الأساسية لكل منهما في الأكل والشرب والنوم والجنس. ولكن البشر يتميزون بالعقل والقدرة على التفكير والإبداع عن باقي الكائنات أليس كذلك؟ ذلك نوعًا ما صحيح، ولكن أليس استخدام البشر لهذه القدرة على التفكير والإبداع فقط لتلبية احتياجاتهم الأساسية (التي يتشاركون فيها مع الحيوان) يظل تصرفًا حيوانيًا ولكنه مُدعم بوسائل أكثر تطورًا؟
لنفترض أن أحدًا ما قرر دراسة علم الفلك على سبيل المثال، وركز دراسته على الفلك كعلم فقط دون التأمل في جوانبه الفلسفية، فهل سيصبح إنسانًا أكثر تقدمًا حينها؟ بالتأكيد! سيصبح مجرد قِرد متطور يستطيع أن يرسل مركبات للفضاء وأن يلتقط صورًا لنجوم تبعد عنه مليارات السنين الضوئية دون أن يعرف ما معنى أن يكون إنسانًا، سيصبح مُقادًا برغباته ومكاسبه، يستغل علمه لتحقيقها. ولكن على الجانب الآخر، عندما يبدأ في التأمل للجانب الفلسفي لهذا العلم ويعرف مدى ضآلته بالنسبة لهذا الكون الشاسع ويعرف أنه أصغر من حبة رمل موجودة في صحراء شاسعة مليئة بالرمال، عندها فقط سيبدأ ببناء قيم ومبادئ أعظم تساعده على فهم الحياة بشكل أعمق من مجرد أرقام ونظريات، وعندها يمكن أن نطلق عليه إنه «بشريًا» يعرف علم الفلك.
وإلى هنا تتضح النقطة الأساسية من المقال، إذا أخذنا العلم كعلم منهجي فقط مع إهمال جوانبه الفلسفية أليس ذلك يجعلنا مُجرد «شمبانزي خارقين» نمتلك وسائل حديثة وعبقرية ولكنها للوصول لشيء واحد وهو تلبية احتياجاتنا الحيوانية؟ إذا نظرنا لأي نظرية علمية من منطلق علمي بحت فإنها تصبح وسيلة لا أكثر يستغلها الإنسان إما لتلبية احتياجاته أو لتحقيق رفاهيته أو للبقاء على قيد الحياة. فما العائد على روحك وقيمتك كإنسان إذا عرفت أن 1+1=2؟ لا شئ! لذلك فإن التفكير في النظرية العلمية من منطلق فلسفي هو شئ أساسي ليصبح العلم عِندها له أثر واضح في جعلنا بشرًا أفضل، ولكي نخرج من تصنيفنا الحيواني هذا علينا أن نفكر فيما هو أبعد من مجرد تلبية احتياجاتنا.
الفلسفة هي غذاء ولغة الروح، وهي الشئ الوحيد القادر على إعطائنا الشعور بإنسانيتنا، فمن القدرات الأساسية التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات هي قدرته على التساؤل في وجوده، وإذا جردت كل الأنشطة البشرية من الغايات ستجد أن ذلك التساؤل هو المُحرك لكل هذه الأنشطة. والشئ الوحيد القادر على الدراسة والعوم بحرية داخل ذلك التساؤل هي الفلسفة وليست العلوم، ولكن عند الدمج بينهما تصبح الإجابة على هذا السؤال أكثر منطقية وأكثر عمقًا.
في النهاية، وبعد طرحي للإشكالية الواقعة بين العلوم والفلسفة، سأترك لكَ عزيزى القارئ مهمة الإجابة على سؤال هذا المقال لأنه وكما ذكرت في بداية المقال؛ غرض الفلسفة الأساسي هو إثارة العقل والبحث عن الحقيقة ليس إيجادها.





0 تعليق