إذا كان في زمننا التعس قد أنعم الله على الإنسان بأن يشاهد لحظات رحمة يخلعها المرء على أخيه الإنسان، فقد قطع علينا تلك النعمة بأن تجد الرحمة في غير موضعها، فكم نجد من يرحم شحاذًا يخدع المجتمع، ويطلي عليه صورة بشعة، ويستكثر سادة الشحاذين من أتباعهم، ويملؤون علينا حياتنا فلا تحظى إن كنت في مقهى مع صديق بدقيقة دون مقاطعة شحّاذٍ أو شحاذة وبجميع الأعمار، ولكم نجد من يعطف على شاب لم تصبه عاهة وليس ما يمنعه من العمل، واستحضار اللقمة من بطن الأسد كما يقولون. ولعل الشحاذين أنفسهم لم يعد لديهم ضمير، فقد كان الشحاذ في سالف العصر يتخذ لنفسه ما يطلق عليه عدة العمل وأدواته، ومنها عاهة مستديمة، يطلب بها الحنان والشفقة، ذراعٌ مبتورة، عين مصفوفة، أذن مقطوعة، حروق جلدية، أو شلل نصفي، أو عكاز يعوض أحد الرجلين، وملابس مقطوعة مهرية، أو شوال يلف الشحاذ نفسه فيه.
ولكن في أيامنا هذه، يطلع علينا شحاذون في كامل أناقتهم، أتوا ما لم يأته أحدٌ من العالمين، ليسوا فقط شبابًا أصحاء وإنما هم أيضًا يرتدون ملابس إنسان عادي، ويبدو على شكلهم يُسر الحال وعلى بشرتهم لا تبدو تجاعيد الزمن ولم تطبع على وجههم النكبات ختم النسر، يطلبون منك ثمن مواصلاتهم للبيت، بعد أن يقنعك بأنه “ابن ناس، بس حصلتلي ظروف”، ولكم مقتت تلكم الخدع الدنيئة، التي لا ترمي لنا إلا بمزيد من التشكك في الآخرين، فربما حقًا وقع أحدهم في مأزق ولكن لن يلبي أحد مطلبه، لأنه يظنه نصابًا.
يُقال أن شُرحبيل بن مُرّة سرق حصان الزير سالم. فسأله أبوه: كيف سرقت حصان الزير؟ فقال: استغثته، فأغاثني وأكرمني ونمت في حماه وفي الليل سرقته. فقال مُرّة: ويحك! لا تتحدث بهذا لأحد من العرب، كي لا تنقطع الرحمة من القلوب فلا يغيث أحدًا ملهوفًا.
شحاذون حقًا لا يعملون بضمير، ورحمة الناس بهم ليرضوا ضمائرهم في غير موضعها أو لنقل رحمة بدون ضمير هي أيضًا، بدون تعب وبحث وراء الأماكن المناسبة لوضع المال بها، وبدون تحسس مواضع الفقر الحقيقية في المجتمع، بدون فهم للمجتمع وإدراك لأبعاده ومشاكله الحقيقة ولنا في هذا عودة، فإننا بدون ذلك نزيد من ثروة عصابات تستعبد تلك الدمى البشرية، لتزيد من ثروتها، وهو استعباد لا يختلف كثيرًا عن صورة الاستعباد الحقيقية في أذهاننا، ويقتلون البراءة في الأطفال ويقتلون الأنوثة، ويخلقون شقاً في المجتمع لن يملؤه إلا الإرهاب والعنف والدماء، وربما أكثر من الدماء، فمع زيادة أعداد تلك الفئة، ومع تزايد الهوة بينها وبين الشعب ومع نظرة طفل شحاذ لطفل في يدي أمه وأبيه يحنوان عليه ويلعبان معه، وينظرون للطفل الشحاذ بنظرة قاسية أو متقززة أو حتى مشفقة، كل هذا لا يخلق سوى دخان سام بصدر هذا الطفل الذي سُلِبت طفولته وإنسانيته وربما أشياءٌ أخرى، هذا الدخان سوف يسمم المجتمع، ويمنعه من دنو مصيره، فلا يكون مجتمعاً إذا كان هناك فئة تفرق، أو فئة لا تستطيع أن تكون فيه بحكم تشويهها له، أو معاداتها له.
وربما نسفسط ونُنظر، ونتساءل أسئلة من نوعية، كيف حدثت تلك المشكلة أو كيف تفاقمت، أو ما دور الدولة في مجابهة تلك الظاهرة المتفشية، أو أسئلة من نوعية ظاهرة الشحاتة من وراءها وهل الدولة متورطة في هذا، وكل تلك الأسئلة بالنسبة لي أسئلة من تجعلص على كرسيه لا يريد أن يعرف حقاً ما المشكلة وما أبعادها والأهم والأهم كيفية التخلص منها، أسئلة منظرّين ومثقفين يقطنون في الأبراج العاجية لا أمل لهم ولا فيهم في استئصال المشكلة أو محاولة حلها.
إن أي مشكلة اجتماعية لن يكون حلها بسن قوانين جديدة أو إطلاق يد السلطة التنفيذية وإنما يكون حلها من قبل المجتمع نفسه، تلك الظاهرة التي تفشت تجعلنا نتساءل أولاً ما الخلل الذي حدث؟ وأدى بالتبعية لتفشي الظاهرة؟ وربما بصيغة أخرى ما هي أسباب المشكلة؟
وأظن أن هناك أسباب كثيرة متكاتفة ومتشابكة أدت إلى ظهور هذا الورم المجتمعي، ولكن في النهاية وخلف كل تلك الأسباب يقطن سبب بارز، وهو غياب المجتمع في ضمير الفرد، غياب ما كنا نطلق عليه التضامن المجتمعي، أو الحس المجتمعي، أو المسئولية المجتمعية، غياب كلمة المجتمع من قاموس المواطن، وظهور مصطلحات أخرى تعبر عن روح العصر الجديد، عصر “يلا نفسي” عصر الأنانية والفردية والمصلحة الشخصية، هذه النغمة الجديدة على مجتمعنا الزراعي في الأصل، الحضاري يجعله مجتمعًا متفككًا يقوم كما المجتمعات الغربية على لم شمل المجتمع بطريقة أخرى وهي العمل والإنتاج والقانون والغاية الأساسية هي الربح أو المرتب بالنسبة للعامل، هذا ما يلم شمل مجتمعات اليوم، ولكن في ظل هذا المجتمع تفككت الأسرة نواة المجتمع، وجاءت في المؤخرة من التزامات الإنسان رجلاً أو امرأة، ولم يجد الطفل خطيئة الجنسين سوى طرق باب الآخرين لكي يقتات الحنان والشفقة.
أبٌ ترك ابنه وامرأته خلفه، وأم فقدت أمومتها بلفظ فلذة كبدها، وإخوة لم يجمعهم سوى الحقد والحسد والكره، لأن معنى الأخوة الفطري معدوم في مجتمع الفرد والمصلحة الشخصية، ومن يجمعني به ولو درهم أقاتله عليه، فنجد مشاكل الميراث تملأ المحاكم، ويتقاتل الورثة أبناء الدم الواحد على حفنة من الجنيهات، كل هذا التفكك والتفسخ، الذي نتج من لا مبالاة الفرد بدوره في المجتمع أنتج ظاهرة الشحاتة ولنفس سبب اللامبالاة تفشت تلك الظاهرة، بالأمس كان المرء يحنو لطفل يبكي أمام باب مسجد لا يعرفه فيربيه ويجعله ابناً له، وكان أبناء المنطقة يتكاتفون لكي يكفلوا امرأة مات عنها زوجها ولها أبناء، فيتربون ويصبحون أبناء الحي حينما كانت الأبواب مفتوحة، لم تغلق بعد، لم تغلق في وجه امرأة لم تستطع أن تربي بناتها فخرجن يعملن في بيوت الآخرين وتزوجن لأن “ضل راجل ولا ضل حيطة” ليس لها ظهر غير زوجها الذي سافر وترك وأبناءه فلم يتعلموا وذهبوا يمدون أيديهم.
واليوم لا يحنو المرء على طفل لا يعرفه، بل يتخلى عن مسئوليته تجاه ابن له.
إن عدتُ لافتراضي الأولي وهو أن هناك من يستعبد هؤلاء الدمى البشرية، ويجبرهم على العمل لديه، ماذا وإلا، وكله إلا كلمة «إلا» دي، بعدها قد يؤذي الكبير تلك الدمى البشرية، وفي هذا الافتراض، لا يوجد أي دور مجتمعي منّا بحماية هؤلاء الأطفال وكفالتهم، ولو كان هناك كبير منطقة، وعرف أن في منطقته من يستعبد الأطفال والكبار على حد سواء وكان يجري فيه عرق رجولة لأوقفه وحرر دُماه.
وتلك المسئولية المجتمعية تعود على الفرد بأسمى القيم، يكفي أن يعي دوره، يكفي أن يفهم ويدرك مشاكل مجتمعه ويعرف أين يضع عطاءه بإحسان وأين يضع وقته بأمان وأين يضع جهده بامتنان، فيفهم مشكلة المجتمع ولا يعطي ماله وجهده في أي مكان ليسكت ضميره ويزيل عنه مسؤوليته المجتمعية، فيتخير الجمعيات التي يتبرع لها، ويتخير المواضيع التي يحسن إليها، فيُفاضل بين بناء مدرسة وبناء دور عبادة، وبين مؤسسة تنور العقول وأخرى تحيي الجوع من بعد شبع وجبة، فلا أنارت فكرًا ولا أسكتت بطنًا، فلا يضع الإنسان أمواله وفقط، بل يجب أن يتفكر، وألا يحسبها حساب نخل وزرع وأراض ونساء في الجنة لي، بل أن يفكر للمجتمع قبل أن يفكر في نفسه، وأن يدرك أن الإله الذي سيعطيه النخل والزرع والنساء، لو يعلم بما يفكر من مصلحة شخصية وهو لا شك عالم، لأحرقه بناره وإن صلى وصام وزكى وحج، لأنه أشرك نفسه مع الله، أشرك طمعه وأنانيته.
وليس فقط من أجل وضع حد لظاهرة تفشت، بل من أجل ظواهر كثيرة تفشت، ومن أجل منع ظواهر لا يعلم بها إلا الله سوف نراها ويرينا الزمان فيها العجب، ومهما تعجب الإنسان وقال هي الطامة، نال منه ما هو أعجب. فأوقفوا الأنانية واهتموا للشأن العام.
ولله دَرُّنا

