في كتابه الشهير والمُلهم “البطل بألف وجه” قدّم جوزيف كامبل -الباحث في علم الأساطير المقارن- مُخططًا لما سماه “رحلة البطل”، يمثل هذا المخطط هيكلًا مشتركًا تنبني عليه كل الأساطير. طبقًا لهذا التصور يمكن للأسطورة أن تأخذ أكثر من صورة، لكن الجوهر الكامن يبقى ثابتًا: غاية نبيلة تُحرك عزيمة البطل -يواجه في سبيل بلوغها كيانات من عوالم الشر بمساعدة مُعلم حكيم- لحظة سقوط عظيمة يتبعها قيامة تجلب النصر.
يقدم الفيلم هذه الرحلة بلهجة ساخرة، حيث تدور أحداثه حول عالم من قطع الليجو (نوع من المكعبات)، تحيا فيه الشخوص حياة نمطية مكررة وثابتة، فالجميع يستيقظ في نفس الوقت، الجميع يشرب نفس القهوة باهظة الثمن لا لشيءٍ إلا لأنها باهظة الثمن، الجميع يُحب نفس البرنامج التلفزيوني ويضحك على نفس النكات، وأخيرًا توجد أغنية مفضلة عند الكل، وهي أغنية “كل شيء رائع”.
يبدأ الفيلم بمُعلم حكيم يتنبأ بظهور مُخلص سينقذ العالم من شرور “اللورد بيزنيس” حاكم المدينة الذي يسعى إلى تدميرها، ليجد “ايميت” -عامل البناء البسيط- نفسه في خضم هذه المعركة، بعد أن عثر على “القطعة” التي سينقذ بها العالم، وحلّت عليه رؤية روحانية رأى فيها يد الصانع الذي بنى كل شيء قطعة قطعة.
تبدو الإشارة واضحة إلى الرأسمالية، ودورها في تسليع الإنسان واختزاله، ويظهر ذلك في اسم اللورد “بيزينس”، وفي كون المدينة محكومة بقوانين صارمة لا تسمح بالإبداع فتنحصر العمارة مثلًا في الاستخدام العملي والاقتصادي فقط، وتمتد الرمزية إلى مادة عالم الفيلم نفسه “الليجو”، فهي قابلة للتجزئة والاختزال والتفكيك، كما أنها لُعبة وسلعة.
وفي هذا العالم، استيقظ البطل من سُباته الطويل، لم يكن نومًا، بل كانت حياة من التكرار والركود، حياة من الموت. كان الأمر بمثابة مفاجأة، ليس فقط لأنه اكتشف أن هناك عالم آخر ممكن، عالم من مادة الحُلم وصور الحرية، بل لأنه أيضًا اكتشف أنه هو ذاته المخلِّص، في عالم يسكن فيه باتمان وعُصبة العدالة، وسلاحف النينجا، وسبايدر مان، ونيل ارمسترونج وغيرهم من الأبطال والرموز الكبيرة، لقد كان المختار دونًا عنهم جميعًا. لم يكن يعلم السر، لكن عندما اخترق المُعلم عقله وجده فارغًا تمامًا من كل الأفكار العظيمة، بل من كل الأفكار تقريبًا. إنه قادر على إنقاذ الجميع رغم أنه لا يحمل أي شيء في عقله، أو ربما لأنه لا يحمل أي شيء في عقله، فهو نقي تمامًا من أي فكر أو أيديولوجيا.
ولعل مصدر هذه المفارقة هو الحكمة المثيرة التي سافرت لنا من الأزمنة السحيقة، أيام ميلاد الفلسفة في أحضان الشرق البعيد، وكانت الحكمة تشير إلى أن من ازدحم عقله لن يستطيع أن يتعلم العلم الحقيقي إلا بعدما يفرغه تمامًا، فالكأس لا تستقبل الماء إلا إذا كانت تتسع له.
إن نداء الحياة الجديدة الذي يهمس في وجدان “ايميت” على مدار الفيلم يظهر بأكثر من شكل خلال الفيلم، فنرى اكتشافه للإبداع المطمور في قلب النمطية والالتزام بقوانين البلدة، كما نراه في نهاية الفيلم عندما نكتشف أن عالم الفيلم مجرد لعبة يلعبها ابن صانع الليجو، والذي يريد أن يجعل منها لعبة ممتعة مخالفًا بذلك رغبة والده الذي يراها منتجًا صناعيًا يجب أن يبيعه لا أن يلعب به. نجد هنا نظرتين لعالم الليجو، نظرة ترى فيه سلعة، وأخرى ترى فيه لعبة شيقة.
يمثل مستر “بيزينيس” صوت الأب، والذي يعكس بوضوح -سطحي ومتعمد- مفهوم الرأسمالية في عالمنا المعاصر، بينما يمثل الطفل وبطله ايميت روح الحياة وقلبها الدفين، أو طاقة الحياة المتدفقة التلقائية التي تريد أن تسترد الإنسان من حياة التسليع. ومن المعروف أن الطفولة تمثل الطبيعة الأصيلة للإنسان، الصافية من شهوة حياتية، التلقائية والبساطة والمرح، ويبدو أن اسم “ايميت” -الذي يعني الحقيقة- يشير إلى أصالة وصدق هذا التصور عن العالم.
والحق أن مفهوم الحقيقة في فيلمنا ليس بسيطًا أبدًا، فرغم أن نبوءة المُعلم كانت مختلقة، ف”ايميت” ليس المخلّص لأنه ببساطة لا يوجد مخلّص، إلا أنه يتمكن في النهاية من إنقاذ العالم، إنه الإنسان العادي الذي أنقذ العالم لأنه -وفقط لأنه- ظن أنه ليس عاديًا.
وكما يذكرنا خروج ايميت لحياة جديدة نبيلة بأسطورة الكهف الأفلاطونية، تذكِّرنا قدرته على إنقاذ العالم رغم كون النبوءة مُختَلقة بفكرة أفلاطونية أخرى، وهي “قوة الأسطورة”.
فالأسطورة قوة دافعة للإنسان حتى لو كانت الأسطورة مجرد قصة كُتبت لتحريك مشاعر الجماهير وحثهم على العمل النبيل. وقد يبدو ذلك منطقيًا -بقدر ما يبدو عجائبيًا- إذا حاولنا فهمه للوهلة الأولى، ولكنه ينتهي بنا إلى واحدة من أشهر معضلات نظرية المعرفة: لو كان الإيمان ب (س) يجعل (س) صحيحة، فهل هذا يعني أن (س) صحيحة؟
بمعنى لو كان إيمان شخص ما بأنه سيشفى، سيساعده على محاربة المرض، فهل هذا يعني أن هذا الايمان صحيح؟
يحمل The Lego Movie بمحاكاته الساخرة والمرحة دعوة حية لتجاوز ماهو (عادي) والتسلح ب(قوة الأسطورة)، وإعادة بناء العالم بالأحلام. وإعادة النظر إلى عالم الألعاب بوصفه إمكانية مَرح لا إمكانية ربح!
The Lego Movie أو دليل الإنسان العادي لإنقاذ العالم

