12 يوليو 2024

تجاوز الإنسانية التكنولوجي

مقدمة

يشير مصطلح تجاوز الإنسانيّة التكنولوجي إلى فلسفة وحركة أيديولوجيّة ترى في الابتكار التكنولوجي ظاهرة سيصل تأثيرها -على الأغلب- إلى جميع جوانب الحياة في المستقبل القريب، وبوسعنا أن نرى هذا المفهوم باعتباره امتدادًا طبيعيًّا لما تمتلكه التكنولوجيا من سلطة علينا في الوقت الراهن. من هذا المنظور يشير تجاوز الإنسانية إلى أسلوب الفكر الفلسفي الذي يجعل التغير الوشيك الذي قد تسببه التكنولوجيا للإنسان في حيز الاعتبار والاهتمام. في هذه المقالة سأحاول عرض بعض المظاهر الراهنة لاستيلاء التكنولوجيا على حيوات الناس، ومقارنة نموذج التجاوز الإنساني الناتج عن التكنولوجيا بنماذج أخرى للتجاوز الإنساني، حيث يوجد أيضًا نوع من التجاوز، ولكنه موجه داخليًا. 

ظواهر حديثة

نيورالينك التابعة لإيلون ماسك، وتكنولوجيات مضادة للشيخوخة، ونسخ العقل، والذكاء الاصطناعي الفائق شات جي بي تي (ChatGPT). ما الذي تشترك فيه كل تلك الظواهر؟ جميعهم علامات لمستقبل يمكن خلاله  للتكنولوجيا أن تضفي تغييرًا جوهريًا  على حيوات البشر. أخذ الذكاء الفائق شكل النبوءة التي لا يزال يتعين عليها أن تتحقق وأن نشهدها في المستقبل القريب، حيث ستصل الآلة إلى مستوى من الذكاء يصبح معه بمقدورها أن تنفذ مهمات على المستوى الإنساني العام بالإضافة إلى مهماتها المحدّدة التي تقوم بها حاليًا،  ويتخطى هذا المستوى من الذكاء كل التوقعات المتعلقة بما يمكن للآلة فعله. يسعى البحث عن نظريات نسخ الدماغ إلى تحويل  الوعي الإنساني إلى إشارة كهربائية ووحدات محوسبة والتي يمكن بدورها أن تنقل إلى شريحة كمبيوتر، وبذلك ربما يعيش عقل الإنسان لا نهائيًا حتى إن مات الجسد.(Superintelligence)

يظهر مفهوم التفرد التقني (Technological Singularity) بشكل معتاد في مثل تلك النقاشات عن تجاوز الإنسانية، وتمثل نقطة التفرد التقني لحظة ما في المستقبل القريب حيث ستتقدم التكنولوجيا بشكل مطرد وقوي إلى حد أنها ستصبح مبرمة وسيكون من الاستحالة التحكّم  في نموها، وربما نكون قد وصلنا بالفعل بشكلٍ ما إلى تلك النقطة. يحكي مفهوم التفرد التقني قصة عن آلة تنال ذكاءً متخطيًا للذكاء الإنساني، ومستخدمةً في ذلك ذاتها بشكل لا محدود لتطور من نفسها في حلقة لا نهائية من التطور، حتى أنه يصبح من الاستحالة تخيل آفاق ذكائها أو حتى نواياها أو عمق أفكارها.

إعادة إحياء للسؤال

تعد التطبيقات الواسعة لنظريّة التجاوز الإنساني التكنولوجي نُذُر مستقبل غامض ومثير للتقلّق في آن واحد، كما أنّها دعوة لنا -باعتبارنا بشرًا- للنظر بعمق داخل أنفسنا. في عالم حيث الإنسان متطوّر تكنولوجيًا إلى حد كبير، ما الذي قد يتغيّر جوهريّا بداخلنا؟ وما الذي قد يختلف جوهريًا إلى الحد الذي لا يجوز معه استخدام لفظ إنسان؟  ربما إذًا من الضروري والمصيري أن نفهم بشكل واضح ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا، وأن نستوضح انطباع نظرية التجاوز الإنساني التكنولوجية عن ماهية وكينونة الإنسان، أو -إن صح القول- عما تختزل الإنسان إليه.

عند محاولة وصف ما قد ينذر به التجاوز التكنولوجي تتبادر إلى الذهن تجربة فكرية شهيرة بإسم سفينة ثيسيوس. تتحدث تلك التجربة عن سفينة افتراضية تُستَبدل  كل أجزائها تدريجيًا مع الوقت لأي من الأسباب. بالبناء على ذلك الافتراض، هل ستتوقف تلك السفينة عن كونها نفس السفينة الأصلية، أم سيتبقى شيء ما ثابت ومرتبط جوهريًا بأصل السفينة؟ تكمن أهميّة تلك التجربة الفكرية في كونها بمثابة مقاربة فكرية لمواضيع بحث هذه المقالة المتعلّقة بالهوية.

أدرك أنّ محاولة تعريف العناصر الجوهريّة التي تميّز الإنسان هي مهمة شاقة، ولذا سأمضي في محاولة الإشارة  إلى العناصر التي تستخدمها نظريات التجاوز الإنساني لتعريف ماهية الإنسان، لأنها قد تكون في ذات الوقت إشارة أخرى إلى اختزال تم بشكل خاطئ، وبالتالي دافعًا إضافيًا نحو محاولة استكشاف أعمق لمسألة الإنسانية برمتها.

للوصول إلى جوهر المنظور الذي ترى منه نظرية التجاوز الإنسان، أظن أنه علينا السماح لنزعاتنا المادية بأن تلعب دورها، لأن الدلالة الضمنية في فكرة تولي التكنولوجيا زمام الأمور هي أن كل الملكات الإنسانية يمكن بشكلٍ ما أو بآخر اختزالها إلى نوعٍ من التفاعل الكيميائي أو الفيزيائي الملموس، والذي بدوره يمكن أن ينقل إلى شريحة كمبيوتر. تنفي تلك الفرضيّة وحدها وجود أي من المفاهيم المجردة الأخرى عن الإنسان التي قد تجعله مميزًا، حيث لا تُأخذ تلك المفاهيم في الحسبان لأنها فقط نتاج تلك العناصر التي يمكن اختزال الإنسان إليها. يعدّ ذلك الاختزال بمثابة مصدر إلهام لإعادة التساؤل عما إذا كان ذلك هو الوضع بالفعل، وإعادة طرح لإشكالات موجودة منذ قديم الزمن عن ثنائية الجسد والعقل، كما يعدّ تجديدًا للتساؤل عما إذا كان يمكن القول بوجود شيء ما فطري وأصيل في الإنسان لا يمكن أبدًا تبسيطه وتقليصه إلى شريحة أو حتى بعض الإشارات الكهرومغناطيسية فقط.

التجاوز المتجاوز

تاريخ التطور بالنسبة لداروين حتى الآن هو تأويل لتاريخ تفضِّل الطبيعة خلاله صفات الكائنات البيولوجية المناسبة بشكل أكثر للبقاء. إن افترضنا أن ذلك صحيح، فهذا الأمر طبيعي بامتياز من منطلق أنه لا يوجد عامل يتدخَّل (مثل البشر) ويفرض أن يكون سلوك قوانين التطور بهذا الشكل، فهي مجرد قوانين تُطبّق، على الرغم من أنها قد تستغرق الآلاف والملايين من السنين.

وأنا أقول هذا حتى أشير إلى نقطة تختلف فيها نظريات التجاوز الإنساني من المنظور التكنولوجي، وهي نقطة اختلاف بوسعها إثارة  الشعور بالسخرية فينا. النقطة التي أعنيها هي أن التجاوز التكنولوجي قد يكون النقطة التاريخية الأولى في تاريخنا المعروف حيث يتدخل عامل ومؤثر خارجي ليشكل مسار التطور. السؤال المعني هو ما إذا كانت النقطة التالية في النظرية الداروينية بالنسبة للبشر ليست مجرد تطور بيولوجي، ولكن نقطة تطور تكنولوجية. نقطة مهمة أيضًا يُشار إليها هنا هي أن التكنولوجيا تتدخل وتجبرنا على التأمل  في كونها أكثر الجوانب تقدمًا من الناحية المادية؛ من حيث كونها أكثرها كفاءةً للبقاء دون الجوانب الأخرى.

في هذا السياق، أعتقد أن خطورة محاولتنا  التدخل في طريقة تنظيم  الطبيعة نفسها وفي تطورها هو أمر يستحق النظر، فمثل تلك التدخلات من عامل خارجي هي بمثابة تطفل، وكأن البشر يضعون أنفسهم في مكان الآلهة. يثبت لنا التاريخ مرارًا وتكرارًا أن مثل تلك المحاولات لا تمر أبدًا دون أن تجلب معها عواقب، وحتى إن نجح التجاوز التكنولوجي، فدائمًا ما تجد الطبيعة طريقة ما لتحقيق التوازن، كأنها تنادينا بأن نراعيها وأن نحترم قداستها. أنا لا أزعم أن عاملًا خارقًا ما هو الذي يسبب تلك النتائج كنوع من عقاب لفعل خطأ، ولكن بدلًا عن ذلك أزعم أن الطبيعة تتصرف بلا مبالاة.

تجاوز الإنسانية ونكرانها لمركزية الإنسان

تنتمي نظريات تجاوز الإنسانية التكنولوجية ككل إلى مجموعة أفكار مرتبطة بفلسفة ما بعد الإنسانية، وليجادل فلاسفة ما بعد الإنسانية بأن فكرة أن الإنسان نفسه هو نهاية مطاف التطور التاريخي هي فقط فرضية أخرى وصلنا تدريجيًا إلى التصديق فيها. ومع تطور التكنولوجيا وتطور الإنسان على هذا المنوال، قد يصبح البشر مختلفين جدًا بشكل جوهري، حتى إنه إذا تحقّق  سيناريو ذلك التطور، فقد نكون مدفوعين بشكل طبيعي في أن نفكر في سلطتنا كبشر بأن نحدد لب مشاكل ومواضيع الحياة. تعد ما بعد الإنسانية رد فعل لفكرة أن الإنسانية هي محور الكون، ولفكرة أن البشر هم الوحيدون الذين بمقدرتهم أن يكونوا كائنات واعية. تزيح تلك الفلسفة أهمية الإنسانية عن مركزيتها في لب الكثير من الحقول المعرفية، فالإنسانية إذًا هي فقط فصيلة أخرى ضمن فصائل أخرى قد تكون بنفس مقدار الأهمية في تحديد مصير الكون، والإنسانية كما نعرفها الآن قد تكون فقط مرحلة أخرى في التاريخ، وهي تفتح الطريق لأنواع أخرى من الذكاء لتظهر وتعلو.

وعلى الرغم من أن معظم فلاسفة ما بعد الإنسانية يحاججون بأن تجاوز الإنسانية التكنولوجي قد يصبح المستقبل الوشيك، أظن أن الموقف العام الذي يتبناه هؤلاء الفلاسفة هو موقف يستحق الأخذ في الاعتبار، لأنه دعوة لنا للتوقف عن وضع الإنسانية في المركز، وكمعيار لتحديد القيم في أي حوار وخطاب فلسفي. تحثنا ما بعد الإنسانيّة على أن نكون أكثر تواضعًا تجاه الطبيعة لأننا فقط جزء واحد من كون متصل كليًا، وهي أيضًا دعوة لنا لنأخد في اعتبارنا أنماطًا وفلسفاتٍ أخرى لتجاوز الإنسانية، وهي أنماط تختلف جذريًا عن نمط تجاوز الإنسانية التكنولوجي في أنها تسعى وتهدف إلى تجاوز إنسانيتنا المحدودة والمثيرة للشفقة لا عن طريق التطور الخارجي بل التطور الداخلي.

تجاوز الإنسان للإنسانية 

ونقد بسيط وواضح جدًا موجه لتجاوز الإنسانية التكنولوجي هو في طريقة تجاوز الإنسانية بالتكنولوجيا، ففي ذلك الوضع لتجاوز الإنسانية، يكون الأمر كأن التكنولوجيا تفوقت على الإنسانية بشكلٍ ما ولكن من منظور خارجي فقط. المعنى بذلك أن الإنسانية لم تتجاوز نفسها، ولكن بدلًا عن ذلك فإن التكنولوجيا قد نمت بشكل كبير جدًا إلى حدّ أنها هي نفسها التي تجاوزتنا. يمكننا البدء في التفكير عما فُقد  بهذا الشكل، وفي أن البشر في هذا الوضع يتطوّرون فقط من المنظور المادي ولكنهم لا يتجاوزون أنفسهم بشكل داخلي وجوهري ومتعلق بكينونتهم.

بوسعنا النظر إلى  نيتشه كفيلسوف لما بعد الإنسانية، على الأقل من منظور أنه قدم نموذجًا للإنسان الذي تخطى نفسه من منطلق أعمق وأكثر روحانية، ونموذجه للإنسان المتجاوز لإنسانيته هو نموذج لإنسان قد فهم إنسانيته بشكل متكامل بحيث يدرك ما فيها من محدودية وعدم اكتمال، كما يدرك كون إنسانيته المحدودة تلك ما يمهد الطريق لأن يظهر الإنسان الأعلى، الذي يخلق كوده القيميّ الخاص والفريد والمتجاوز لفكرة الخير والشر، وهو «سوبرمان» قد عبر جسر الإنسانية ليصل إلى حالة وعي أعلى، وهي حالة قادرة على توليف مجموع تجربته الإنسانية الكاملة.

خاتمة

أظن أنه من الممكن  القول بأن البحث الإنساني عن المتجاوز للإنسان هو بحث موجود منذ أسلاف الزمن ومنذ بدايات الحضارة سواء بشكل واعٍ أو غير واعٍ ، ولكن في النهاية هو فقط بحث إنساني، وهو ناشئ عن الدافع الإنساني لأن يكون خالدًا. لكني أظن أن ما قد يكون ضائعًا عن تلك الرؤية هو أن ذلك الأمر الذي نحاول تجاوزه هو بالضرورة وبالفعل ما يجعلنا بشرًا؛ إنه جزء أساسي وجوهري فينا أن نموت، وقد تكون محدودية الحياة الإنسانية هي التي تجعل لها معنى وجدوى، ومحاولة إيجاد التجاوز التكنولوجي إكسير الحياة الذي يجعل الإنسان خالدًا هو أمر يثير الارتباك، فأن يصبح الموت أمرًا نادرًا ليس بشيء جيد في ذاته، لأن ذلك يغير الطبيعة البشرية نفسها.

  • ربما أسعى بكتابتي أن أجعل العالم مكانًا أجمل، أن أغوص بأفكاري ومع قارئي العزيز إلى أعماق لابد من استكشافها، حتى وإن كانت مظلمة وكئيبة. الأصالة في سبيل ذلك هي هدفي، حتى وإن لم أكن أصيلًا، فربما بكتابتي وبقراءتك نكون مشاة هذا الطريق.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا