19 يوليو 2024

دفاعًا عن ألوان الطيف

يمتلك عالمنا المعاصر مساحات غير محدودة بوسع المرء فيها التعبير عن آرائه، كما يمتلك الإنسان المعاصر فرصة أن يصل رأيه في دقائق أو ساعات إلى أعداد من البشر لم يكن الإنسان القديم ليتعامل معها على مدار حياته كاملة، وسواء كنت ترى تلك الفرصة مزية أو عيبًا، إلا أن لها نتيجة من المهم التوقف عندها قليلًا. 

مع تعبير أحدهم عن رأيه في قضية ما فعادة ما يصاحب هذا الرأي وانتشاره بزوغ معسكرين: أحدهما مؤيّد لذلك الرأي والآخر معارض، وإذا كنت تقضي قليلًا من الوقت على أي من منصات التواصل الاجتماعي فستعلم أنّ الأمور بداية من هذه النقطة لا تأخذ منحنى جيّدًا عادة. في أحسن الأحوال سيبقى المعسكران في سجال لا تبدو له نهاية في الأفق، وفي أشدّها سوءًا ستغيب أي سمات للحوار من المشهد لتحل محلّها سمات حرب الشوارع، حيث يحلّ معجم الشتائم محلّ معجم المعاني ويفوز الأفصح في الأول لا في الثاني. لا يمكننا القول أنّ لتلك الظاهرة سببًا واحدًا محددًا، لكن ما نقترحه هنا أنّ التعامل مع العالم من خلال منظور الثنائيات قد يكون له يد في هذا الأمور، وفي أمور أخرى أكثر أو أقل خطرًا. 

ما تعنيه الثنائيّات 

يعني منظور الثنائيات رؤية كل ما في العالم باعتباره ينتمي إلى أحد قطبين أو نقطتين متنافرتين، ومن يتبنى هذا المنظور يحكم من خلاله على الأفكار والأفراد على حدّ سواء. فيما يخص الأفراد على سبيل المثال وطبقًا للمنظور الثنائي في الحكم، فإنك إما أن تنتمي إلى معسكري أو إلى المعسكر المضاد، وكنتيجة منطقيّة لانتمائي واجتماعه مع المنظور الثنائي فستكون أنت بالتأكيد الغبي صاحب الرأي الخاطئ بالنسبة لي ويشاركك في الغباء كل من هم في معسكرك؛ الاحتمالات محدودة وواضحة: إما الذكاء أو نقيضه، وقلّما يظن المرء بنفسه أو بمن يشاركونه الرأي الغباء. 

ما نخسره جرّاء منظورنا الثنائي في هذه الحالة هو مجال واسع من الاحتمالات التي تمتلك القدرة على تحويل السجال إلى نقاش حقيقي ومثمر. بافتراض غياب ثنائيّة الذكاء والغباء من نقاشاتنا الافتراضيّة أو الواقعيّة، يصبح المجال مفتوحًا أمامنا للتساؤل والبحث الحقيقي، فنُقبل على ما يقترحه الآخرون من آراء مختلفة بصدر رحب وعقل منفتح متعطّش للإجابات وغير عابئ بما سواها، ويختفي العار الذي عادة ما يصاحب التراجع عن رأي اكتشف المرء خطأه، وتصبح مراجعة النفس أقل ثقلًا على ممارسيها. 

ما رأيك باللون الأحمر؟

هذه الثنائيّة هي الأشهر على الإطلاق على ما أظن وطرفاها هما القلب والعقل، وعادة ما تستخدم للإشارة إلى موقفين متضادّين يتبنّى الإنسان أحدهما في تعاملاته الحياتيّة. في أحد طرفي الثنائيّة يختار الفرد الانسياق وراء مشاعره وإن كانت غير مبرّرة، وفي الآخر يجري الإنسان حساباته العقلانيّة ويتصرّف على أساسها، واضعًا قلبه تحت قدميه كما يشيع القول؛ ويرى صاحب الموقف الأول صاحب الموقف الثاني حجرًا جامدًا لا شعور له، في حين يرى صاحب الموقف الثاني صاحب الموقف الأول سفيهًا غير ناضج. 

تُسلّم العديد من الفلسفات الكلاسيكيّة على اختلاف تفاصيلها بأنّ الإنسان مكوّن من عناصر عدّة، اثنان على أقل تقدير هما الجسد والروح، أو ثلاثة هم الجسد والنفس والروح، أو سبعة هم الجسد والطاقة والمشاعر والعقل الأدنى والعقل الأسمى والذكاء والحكمة، في حين يرى آخرون أنّ كلًا من عناصر التكوين السباعي السابق ينطوي بداخله على تكوين سباعي بدوره. المشترك بين جميع تلك الفلسفات هو التعامل مع الإنسان كوحدة واحدة في نهاية المطاف، وحدة تحتاج إلى فهم ذاتها بشكل أعمق حتى تتناغم سائر عناصرها، وحدة لا يعني تقسيمها إلى عناصر في نماذج نظرية أنّ أيًا من تلك النماذج مهما بلغت دقته يعكس صورة نسخة طبق الأصل للإنسان بما يحويه داخله من تعدّد وتعقيد، أو أنّ أيًّا من تلك العناصر يمكن في حقيقة الأمر رسم خط واضح يفصله عن البقيّة كما يوحي أي نموذج. 

ما تفعله بنا ثنائيّة طرائق التفاعل مع العالم تلك هي أنّها تضعنا أمام خيارين أحلاهما مر، وتخلق معضلة في غير محلّها حيث الإنسان مجبرٌ على التضحية بإحدى عنصرين، كلاهما جزءٌ أصيل منه ومن تكوينه وكلاهما يخدم بقاءه ووجوده الإنساني السوي، كما أنّها تفترض وجود تعارض جوهري بين العنصرين بناءً على فهم سطحي لهما، وتسلّم بحتميّة انعدام التناغم بين العنصرين مهما بذل الإنسان من جهد للتوازن، فكأنما وُجِد الإنسان في هذه الدنيا بشقٍ مائل ولا سبيل له ليتّزن سوى قطع إحدى يديه. 

ثنائيّات مُختلَقة 

بالإضافة إلى الثنائيّات المترسّخة على مستوى الجماعات مثل ثنائيّة العقل والقلب والتي تقضّ مضجع الفرد إذا ظلّ يدور في فلكها؛ اعتماد العقل طريقة الثنائيّات في التفكير قد يجعله أسيرًا لتلك النظرة في رؤيّة الأمور بشكلٍ عام، حتى فيما يخصّ تفاصيل في حياته الشخصيّة لم تصل أذرع الثنائيّات الشائعة إليها بعد. 

على سبيل المثال لا الحصر، يقع الكثير منّا فريسة لثنائيّة أخرى طرفاها هما إنجاز أمرٍ ما بشكل مثالي أو عدم إنجازه على الإطلاق. يبدأ العقل في إيهام الواحد منّا بضرورة انتظار اللحظة المواتية التي ستسنح عندها الظروف لإتمام مهمّة ما على النحو الأمثل، كأنّما هو يؤدي طقسًا لا بدّ من انتظار اصطفاف الكواكب حول محورها لأجله وإلّا فنى العالم من وراء فعلته. يكتشف المرء عند نقطة ما أنّ تأجيل تلك المهمّة بشكل متكرّر جعل أدائه لها بشكل مثالي أمرًا مستحيلًا، مما يدفعه نحو مزيد من التأجيل، وهكذا دواليك. 

من أين تصدر الثنائيات؟

يقدّم علم النفس تفسيرًا مقترحًا لمنشأ التفكير الثنائي في عقل الإنسان، حيث يحيلها إلى مرحلة الطفولة والتي تكون خلالها قدرة الإنسان على التعبير واستخدام اللّغة غير مكتملة بعد، وكذلك تكون قدراته الذهنيّة في بدايات تطوّرها. يرى الأطفال العالم مقسّمًا تبعًا لما فيه من اختلافات إلى فئتين رئيسيتين؛ الأشخاص إمّا أشرار أو طيبون، والأشياء إما جيّدة أو سيّئة، ومعايير القسمة معتمدة على ما يظهر من ذلك الشخص أو الشيء على السطح. تلك القسمة في مرحلة الطفولة هي ضروريّة ومفيدة، فهي تجنّبه مصادر أذى محتملة وتحافظ على بقائه، وتلك هي الوظيفة الأساسيّة للمنظور الثنائي: إصدار أحكام سريعة بناءً على معطيات محدودة لتمكّن الإنسان من التصرف في الوقت المناسب بما يحفظ بقاءه. 

إذا كان المنظور الثنائي يحافظ على بقاء الإنسان، فما المشكلة من استمرارنا في الاعتماد عليه على الدوام؟

مشكلتان أساسيتان: أنّ عقولنا تخدعنا كثيرًا في تصويرها لكثير من المواقف من حولنا على أنّها مسائل حياة أو موت وهي في واقع الأمر ليست كذلك؛ يشعر العقل بالحاجة إلى الهرب سواءً كان الخطر المحدق به أسدًا مفترسًا أو إشعارًا على هاتفه من مديره يطلب منه مهمّة عاجلة. أضف إلى ذلك أنّ عالمنا المعاصر مليء بالمؤثّرات الخارجيّة التي تغذّي إحساسنا بهذا الخطر الوجودي المفتعل، بعضها مصمم حتى للاستفادة من هذا الشعور بعد تغذيته في تحقيق أهداف سياسيّة أو اقتصاديّة أو غيرهما.

المشكلة الثانيّة هي أنّ عقل الإنسان بعد تجاوزه فترة الطفولة من المفترض أن يتطوّر في اتجاه رؤيّة أوسع وأدق للعالم، رؤية تضع في اعتبارها الاختلافات الدقيقة بين الأشياء وتقسمها بالتبعية إلى أكثر من فئتين مصمتتين، رؤية تتجاوز السطح الذي نرى من خلاله أي شخص يمنع عني الحلوى شخصًا سيئًا، حتى وإن كنتُ مصابًا بالسكري.

خطايا الرمادي

على الجانب الآخر، لا يجدر بنا إغفال تلك المنطقة الضبابيّة الواقعة بين طرفي الثنائيّات والمتلوّنة بالرمادي، حيث المرء لا يجنح لأيٍ من النقيضين ولكنّه ليس متّزنًا في نفس الوقت، بل هو أقرب للسلبيّة والسيولة منه للاتّزان الواعي الناتج عن مجهود وتمحيص. يعي المتوازن أنّ التطرّف نحو أي من عنصري الثنائيّة هو خطر قائم، لكنّه يعي أيضًا أنّ الوقوف في المنتصف تمامًا طوال الوقت هو إما مؤشّر على لا مبالاة تحيل صاحبها إلى حالة من السلبيّة لا يرجى بعدها منه خير، أو دليل خوف من الخطأ يشلّ صاحبه عن أي فعل مهما كانت الحاجة إلى التصرّف ملحّة. أضف إلى ذلك المواقف الفضفاضة التي قد يتّخذها البعض ليدفعوا عنهم تهم السلبيّة أو الجبن، في حين أنّ مواقفهم المزعومة تلك عند الوقوف عندها تظهر جوفاء بلا معنى لمحاولتها المواءمة بين طرفين يستحيل المواءمة بينهما في واقع الأمر؛ الظلم والعدل مثالًا. 

خاتمة 

تَستخدم أجهزة الحاسب الحديثة نظام عدّ ثنائي، حيث كل المدخلات إلى الحواسيب تترجم إلى الرقمين صفر أو واحد بتنويعات مختلفة كلها مزيج من الرقمين، ويُعتمد على هذه الطريقة بسبب سهولتها من الناحية العملية في التواصل مع الأجهزة الرقمية. أرى أنّه من المفهوم استخدام ذلك النظام الثنائي في الحواسيب، فبرغم إغفالنا لتلك الحقيقة في كثير من الأحيان إلّا أنّ الحواسيب مهما تطوّرت تبقى أجهزة من صنع الإنسان، نحتاج إلى تبسيط الواقع واختزاله لتصبح قادرة على التعامل معه وفهمه. أرى أيضًا أنّه ولهذا السبب -من ضمن أسباب أخرى- يظلّ للإنسان إضافة ليس بوسع الأجهزة أن تحلّ محلّها، لأنّ فهمه للعالم أعمق وأكثر اتّساعًا، حتى وإن كان يمتلك حصيلة معرفيّة أقل ومساحة ذاكرة أصغر. أظنّ أنّ الاعتماد على منظور الثنائيّات لا يجعلنا فقط نخسر تلك الإضافة غير الملموسة التي تميّزنا عن الحواسيب، لكنّها أيضًا تجعلنا نرى العالم مرسومًا بالأبيض والأسود، فنخسر معه كلّ ما يقع بينهما من مساحات شاسعة مزيّنة بكلّ ألوان الطيف. 

  • أحاول تطويع الكلمات وأجدُها أنجح من صوتي في إيصال ما يدور في خُلدي، وأحبُّ الإطلّاع على ما ينجح الآخرون من مختلف الأماكن والأزمان في تطويعه من كلماتٍ أو لقطاتٍ أو ألوانٍ أو ألحان.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا