Site icon فلسفة بالبلدي

هجوم العمالقة: حكاية الوحوش والإنسانية

في شهر نوفمبر من العام الماضي عُرضت الحلقة الأخيرة من الأنمي الشهير (هجوم العمالقة – Attack on Titan)، والذي استمرّ عرضه لما يقارب العشر سنوات. بدأتُ مشاهدة السلسلة ذائعة الصيت في نفس وقت إذاعة حلقاتها الأخيرة، مدفوعة بحركة جماعية وسط دائرة أصدقائي لمشاهدتها قبل حضور مناقشة عنه حتى لا «تُحرق» لنا الأحداث في تلك المناقشة. كانت تلك المحاولة الثانية لي لأشاهدها حتى النهاية، فقد حاولت مشاهدتها المرّة الأولى منذ سنتين أو ثلاث تقريبًا، لكنّي لم أتجاوز الحلقة الثانية بسبب انطباعي الأوليّ عنها حينها أنّها دمويّة ومزعجة. 

بالإضافة إلى المناقشة المنتَظرة وتسابق كلّ منّا على متابعة ما وصل إليه الآخرون من أحداث في الحلقات التي تقارب المئة، كنتُ أيضًا أمتلك أسبابي الشخصيّة التي دفعتني إلى الانهماك في متابعة الأنمي؛ كنتُ ألمس في نفسي حاجة ماسّة للهرب من العالم بأيّة وسيلة، وبدا حينها الانغماس في عالم خياليّ بصحبة أصدقائي فكرة رائعة، لكن ما لم أحسب حسابه -ولم يخبرني أيّ من أصدقائي به أيضًا- هو أنّ ما اخترته للهروب من الواقع لن يزيدني إلا انهماكًا وتفكيرًا فيه.

تبدأ الحلقة الأولى في عالم يبدو بعيدًا إلى حدّ كبير عن عالمنا الحاليّ، حيث البشريّة أوشكت على الانقراض بعد خوضها حربًا ضدّ العمالقة، ويعيش ما تبقّى من سكانها على جزيرة محاطة بأسوار شاهقة، وقد حمتهم تلك الأسوار من خطر العمالقة القابعين خلفها، والذين التهموا الجميع باستثناء من تحصّنوا بالأسوار، ومنحتهم حياة شبه عادية لمئة عام. بوسعك رؤية العمالقة عند هذه النقطة على أنّهم ببساطة وحوش، بنيتهم الجسديّة هي بنية إنسان ضخم تعلو وجهه ابتسامة مقبضة لا تتغيّر وتخلو عيناه من أيّ إحساس أو لمعة إدراك.

«إنّها قصة عن صراع البشريّة مع الوحوش إذًا، جميل، لن أحتاج لإرهاق تفكيري في أيّة معضلات»، كان هذا ما خطر ببالي حينئذ، أدرك الآن كم كنت متسرّعة في الحكم وبعيدة عن إدراك ما تدور حوله القصّة فعلًا. ليس في المقالة متّسع لسرد كلّ أحداث هجوم العمالقة أو حتى إيجاز كلّ التحوّلات الدرامية الطارئة عليه، كما أنّي أعتقد أنّ مشاهدته ستكون أكثر إمتاعًا على أي حال، لهذا إذا لم تكن قد شاهدته بالفعل فلتعتبر الفقرات السابقة دعوة للبدء في مشاهدته. ربما تشعر بعدها بدوار وجوديّ أو بالحاجة إلى الصراخ في كلّ من هم حولك بضرورة أن يشاهدوه بدورهم؛ حتى تستطيع الإفصاح عن كل ما يعتمل في صدرك في أعقاب المشاهدة، وسيكون هذا وقتًا مناسبًا للعودة إلى هذه المقالة واستكمالها. أمّا إذا كنت قد شاهدته -أو قرأت المانجا- بالفعل، فلنستكمل حديثنا عن بعض ما استوقفني بشكل شخصي في تلك الملحمة. 

البشريّة تحارب نفسها

ربما أكثر ما أبدع هجوم العمالقة في تصويره هو الشكل المتغيّر للشرّ والوحوش الذَين يمثّلانه، حيث يبدأ الشرّ مُصوَّرًا في أكثر أشكاله بساطة وطفولية؛ عمالقة قبيحون يعيثون في الأرض خرابًا وتدميرًا دون أيّ سبب واضح أو غاية تفوق تصرّفاتهم في حدّ ذاتها، لا تدفعهم سوى غريزة بدائيّة أدنى من أدنى ما نعرفه، فهم ليسوا كالحيوانات المفترسة التي تقتل لتقتات أو لتحمي بقاءها، ولا هم بشر تحرّكهم دوافع معنويّة -مبرّرة أو غير مبرّرة- لمواجهة وقتل غيرهم. الشرّ في هذه المرحلة واضح وبالتالي فالعدوّ واضح، يسهل التعرّف عليه بمجرد النظر. وتُطوَّر كلّ الأسلحة لتناسب المعارك التي تجري بين الإنسانيّة والعمالقة، بين الخير والشرّ. 

تكشف الأحداث اللاّحقة عن حقيقة كون العمالقة بشرًا بشكل ما، حيث يوجد بشريّ داخل كلّ عملاق يتحكّم فيه وبيد هذا البشريّ التحوّل ما بين صورته البشريّة وصورته كعملاق. والعمالقة منهم الأذكياء الذين يملكون ألّا يقتلوا إلا عندما يكونوا مضطرين لذلك، ومنهم واحد -على أقلّ تقدير- يرغب في قتل من يشبهونه وهو محسوب على معسكر البشريّة رغم هيئته وقدراته. إذا كان بداخل كلّ عملاق إنسان، ألا يكون مصدر الشرّ والخير حينها هو البشريّة ذاتها؟ وإذا كان بداخل العمالقة بشر فما الفارق الحقيقيّ بين قتل العمالقة وقتل البشر؟ ألا يكون قتل العملاق حينها خطيئة توازي قتل الإنسان لأخيه الإنسان؟ هل كلّ  البشر إخوة حقًا؟ 

تدريجيًّا تزداد الأمور ضبابيّة، فخلال أحد المشاهد الفاصلة يخبر قائد فرقة الاستطلاع جنوده أنّ عليهم الاستعداد لمواجهة وقتل بشريّين، وأنّ هذا أصبح جزءًا من واجبهم الأخلاقي، وأنّ أولئك البشر ينتمون إلى معسكر الأعداء، وفي مشهد لاحق يموت أحد أفراد الفرقة بسبب تردّد آخر في إطلاق النار على بشريّ من أولئك الأعداء، وتصبح نجاة البشريّة حينها في قتل بعض البشر كما في قتل بعض -أو كلّ- العمالقة، ويظهر للمرّة الأولى سلاح مصمّم خصّيصًا من قبل الإنسان لقتل الإنسان. 

لاحقًا يظهر صراع الخير والشرّ في أكثر أشكاله واقعيّة، حيث المارليّون يرون في الإلديّين شياطين كامنة سواء كانوا في صورتهم البشريّة أو في حالتهم العملاقة، ويستشهد السابقون بالتاريخ لإثبات وحشيّة اللاّحقين، في حين يرتكبون الأفعال ذاتها ويرونها مبرّرة في سبيل دفاعهم عن أنفسهم؛ لنجد الجميع غارقًا  بين دوائر كراهيّة الآخر وكراهيّة الذات، لم يترك العالم بصورته متّسعًا لشيء سوى الكراهيّة؛ فصارت هي كلّ ما ترثه الأجيال الجديدة، وهكذا نضمن استمرار الحلقة. 

الشيّطان الذي نحتاجه 

لا يظهر صراع الخير والشرّ في صورة معضلات فكريّة مجرّدة فحسب، بل تواجه الشخصيّات في العديد من المواقف معضلاتًا تحتاج لاتخاذ موقف حاسم بخصوصها، كما تضعنا نحن المشاهدين أمام مفارقات نحتاج معها إلى كثير من التفكيك والتحليل للوقوف على حقيقة تلك الشخصيّات. أبرز تلك الشخصيّات كان القائد (إيروين – Erwin)، الذي -بحكم موقعه- كان في حاجة دائمة إلى اتخاذ قرارات محيّرة ومعقّدة أخلاقيًا، وفي أكثر من مناسبة كانت خياراته التضحيّة بعدد غير قليل من أرواح جنوده في سبيل ما كان يراه هدفًا أسمى، إلّا إنّه في نفس الوقت كان من منحَ البشريّة انتصارها الأول في مواجهاتها ضد العمالقة. 

عندما حوصرت فرقة الاستطلاع في مواجهتها مع (زيك – Zeke) وتقطّعت بها سبل الانسحاب أو الانتصار، يتشاور إيروين و(ليفاي – Levi) بخصوص ما ينبغي فعله في ذلك الموقف، ويصارح القائد الأعلى قائدَ فرقة الاستطلاع بحلمه الذي كان يحرّكه في كل تصرّفاته، وهو إثبات صدق رواية والده المغدور حول تلاعب العائلة الحاكمة بذكريات من يعيشون داخل الأسوار. يخبر إيروين ليفاي أنّه لو استطاع الوصول إلى قبو منزل إيرين، حيث تكمن إجابة أسئلته التي رافقته منذ الطفولة، إن وصل إلى ذلك القبو فلا شأن من شئون البشريّة بأسرها سيعنيه بعد ذلك. بنهاية نفس الحوار يستسلم إيروين لما يقترحه ليفاي، ويقود فرقته إلى الموت وهو على رأسهم، يخطب فيهم ليقودهم إلى مهمّة انتحاريّة وموت محتّم، حيث يسلب من جنوده كلّ ما ظنّوا أنّ فيه معنى وجودهم، يسلبهم كلّ أسباب الحياة؛ لكنّه يمنحهم كلّ المعنى للموت. 

«نعم، أنت محقّ تمامًا، كلّ ما ظننت أنّ به معنى؛ كل أمل وكل حلم وكل لحظة سعادة، لا شيء من ذلك يهمّ عندما ترقد نازفًا في أرض المعركة، لا يغيّر أيًّا من هذا ما تفعله صخرة مسرعة عند اصطدامها بجسم إنسان. يموت الجميع، ولكن هل يعني هذا أنّ حيواتنا بلا معنى؟ هل يعني هذا أنّ ولادتنا بلا مغزى؟ هل هذا ما تظنّونه برفقائنا المنحورين؟ ماذا عن حيواتهم؟ هل كانت بلا معنى؟ بالطبع لم تكن كذلك! ذكراهم هي قدوة لنا جميعًا! لقد سقط الشجعان وسقط البائسون، وحيواتهم تمتلك معنى لأنّنا -الأحياء- نرفض أن ننساهم، وبينما نشقّ طريقنا نحو موت محتوم، فإنّنا نضع ثقتنا في من يخلفوننا ليفعلوا الأمر ذاته». 

يرى إيروين في مشهد من المشاهد نفسَه مذنبًا، يقف على جبل من جثث جنود كانوا تحت إمرته وفقدوا حياتهم نتيجة لقراراته، ويظنّ بنفسه أنّه أنانيّ متظاهر، يدفعه للقتال هدف شخصيّ بحت؛ بينما يبدو أنّ ما يحرّك زملاءه دوافع أسمى لحفظ البشريّة وحمايتها، وحينما تصطدم بجسده صخرة تتركه على بعد خطوة من الموت يحاول إنقاذه أحدُ جنوده، لا لشيء إلّا لأنّه الوحيد القادر على فعل ما ينبغي فعله في رأيه، ينقذه الجندي لأنّه يرى فيه الشيّطان الذي تحتاجه البشريّة لتتغلّب على العمالقة الوحوش.

كلّ الشخصيّات الرئيسيّة والعديد من الشخصيّات الفرعيّة أيضًا تمتلك عمقًا وتركيبًا كما في حالة إيروين، كما تمتلك السلسلة خطوطًا رئيسيّة وفرعيّة عدّة جديرة بالاهتمام، بالإضافة إلى صراع الخير والشرّ، إلّا إنّ المجال لا يتّسع لذكرهم جميعًا ذكرًا وافيًا في متن مقالة واحدة، كما أنّي أظنّ أنّ العمل به من البناء والتشابك ما يجعل الخطّ الواحد والشخصيّة الواحدة قابلين للتناول من زوايا عدّة. لستُ ناقدة فنيّة لكنّي أظنّ أنّ هذا الثراء الناتج في حدّ ذاته يعني أنّ الكاتب قام بمهمّة عظيمة؛ فقد نجح في خلق عالم خياليّ تمامًا وواقعيّ تمامًا في آن واحد. 

خاتمة 

أنهيتُ مشاهدة هجوم العمالقة في ديسمبر الماضي، أنهيته دون أن يوقفني شعورٌ بأنّ المشاهد دمويّة أكثر مما أحتمل، لم يتملّكني أثناء المشاهدة شعور بكون الأحداث أو تصرّفات الشخصيّات دراميّة بشكل يفوق المنطق، ولم أستهجن النهاية بوصفها قاتمة أو محزنة. صحيح أنّ المشاهد كانت دمويّة في كثير من الأحيان، لكنّها على عكس دماء أخرى سالت في نفس الوقت -رأيناها عبر نفس الشاشات- لم تكن دماءً حقيقيّة على الأقل، وربما كنت لأعترض على تصرّفات الشخصيّات أو أشعر بكونها بعيدة كل البعد عن الواقع لو كنت شاهدته في توقيت مختلف، وعلى الأغلب كنت لأنتظر نهاية أقل سوداويّة أيضًا لو كنت قد شاهدته في توقيت مختلف. 

أذكر أنّ أكثر ما ضاق به صدري من المشاهدة كان مدى واقعيّة الأحداث، فحتى في المشهد الختامي قرّر صنّاع العمل تقديم لمحة عن أحداث المستقبل من منظورهم، من خلال لقطة ثابتة جزئيًّا تظهر فيها الشجرة التي دُفنت تحتها رأس (إيرين – Eren) وفي الخلفيّة تتعاقب الفصول وتتتابعُ التغيّرات في العالم، وحتى في تلك اللقطة تستمرّ الحروب والدمار في الظهور بشكل يبدو معه الماضي والمستقبل دائريّين وعبثيّين إلى حدّ كبير. لكن رغم كل شيء، لم يكن بوسعي إلقاء اللائمة على كاتب المانجا، سيشبه هذا إلى حدّ كبير ترك الحمار لينجو بأفعاله وصبّ الغضب على «بردعته»

حينما سُئل هاجيمي إيساياما عن تنبّؤه القاتم لمستقبل الجزيرة محل مسرح الأحداث أجاب قائلًا: «أظنّ أنّه كان من الممكن إنهاء الأمور على تتمّة سعيدة حيث تنتهي الحرب ويصبح كلّ شيء ممتازًا، كان هذا ممكنًا، لكنّ إنهاء القتال والنزاع بحدّ ذاته يبدو زائفًا، لا يبدو الأمر قابلًا للتصديق حتى، إنّه ليس ممكنًا في العالم الذي نعيش فيه الآن، لهذا اضطَررت للتخلّي عن هذا النوع من النهايات السعيدة للأسف». 

سواء كنتَ ترى تفسير المؤلّف لتلك النهاية أو غيرها من التفاصيل الأخرى المثيرة للجدل في السلسة مقنعًا أو لا، أنا أرى في النهاية وفي العمل بأكمله ما يشبه تحذيرًا شديد اللّهجة إلى من يهمّه الأمر، فحواه أنّ الطريق الذي تمشي فيه البشريّة منذ قرون وحتى الآن لن ينتهي على خير أبدًا، وأنّ التاريخ ومهازله ستستمرّ في الحدوث مرّة بعد مرّة إلى أن نتعلّم درسنا، وأنّ الفظائع التي تُنسى تتكرّر لا محالة، وأنّ الكراهيّة كما الحب، لا حدود لما قد يفعله الإنسان مدفوعًا بأيّ منهما. 

  • أحاول تطويع الكلمات وأجدُها أنجح من صوتي في إيصال ما يدور في خُلدي، وأحبُّ الإطلّاع على ما ينجح الآخرون من مختلف الأماكن والأزمان في تطويعه من كلماتٍ أو لقطاتٍ أو ألوانٍ أو ألحان.

    View all posts
Exit mobile version