١- مقدمة
عادةً ما يبدأ الكتّاب في تعرضهم لإشكالية معينة بأن يوضحوا بالظبط مصدر الإشكالية، ما هو السؤال بالتحديد؟ لماذا هذا السؤال مثير للحيرة ولماذا قد نأبه به؟
ففي بعض الأحيان نتعرّض لأسئلة معينة بدون أن نفهم بالتحديد وجه الإشكال في هذه الأسئلة؛ فلا يثير السؤال اهتمامنا أو حيرتنا كما يفعل مع أناس آخرون. فمن مهام الكاتب إذا أثارته إشكالية معينة، أن يقوم في بداية الأمر بنقل هذه الإثارة بداخل قارئه، وأن يخلق الحيرة بداخله حتى يتعطش القارئ إلى إيجاد حل مرضي، وهو ما يحاول الكاتب توفيره.
إلا أني في تناولي لهذه المسألة التي هي موضوع المقال “وجود الله”، سأكون معفي تمامًا من هذه المهمة، فدائمًا ما كانت فكرة “الله” تمس كل إنسان وكل فرد، وتثير لدينا العديد والعديد من التساؤلات منذ الطفولة تجاه هذا الكيان الغامض المهيب؛ ولهذا فسوف أتطرق مباشرةً إلى صُلب الموضوع. وآمل أن أحرز بعض التقدم أو الاطمئنان فيما يخص موقفنا تجاه مسألة وجود الإله، وهذا بتقديم بعض المفاتيح الضروري استيعابها أثناء تناولنا لمثل هذه القضية. وآمل أيضًا أن تساعدنا هذه المفاتيح في أن نعي موقفنا الحالي الفعلي من هذه القضية، فعادة ما نظن أننا نعرف رأينا الخاص في مسألة معينة، ولكن لا يكون دائمًا هذا الظن في محله.
٢– الإبستمولوجي
تنقسم الفلسفة بشكلها الأكاديمي المعاصر إلى ثلاثة مباحث رئيسية:
١- الوجود (الأنطولوجي – Ontology)
٢- المعرفة (الابستمولوجي – Epistemology)
٣- القيم (الاكسيولوجي – Axiology)
ولا بد لنا دائمًا قبل التطرق إلى الإجابة عن أي سؤال، أن نحدد أولًا الأداة المعرفية المناسبة للبحث في هذا السؤال، ما هي الأداة المعرفية أو المعيار الذي يمكننا من خلاله أن نتوصل إلى حكم مقبول بخصوص هذه المسألة؟
وهي خطوة خاصة بالمبحث الثاني للفلسفة (الابستمولوجي).
بدون تحديد معيار للمعرفة، أي تحديد منهجية، سيكون الشخص تائهًا محتارًا من أين عليه أن يبدأ، وعادة ما يؤدي تجاوز هذه الخطوة الأولى إلى تبنّي مواقف فكرية غير واضحة المعالم أو الأسس، غير متسقة أو منظمة؛ ولهذا نجد كثيرًا من الناس يملكون آراءً معينة، لكن في غير مقدرتهم التعبير عن هذه الآراء، حيث تتخذ هذه الآراء في أذهانهم شكلًا فوضويًا غير محدد.
وبالرغم من قِدم البحث في مسألة وجود الله، إلا أن البحث المهووس في نظرية المعرفة لم يكن دائمًا خطوة سابقة ضرورية قبل تقديم موقف الفيلسوف من أي قضية إلا في العصر الحديث. يقول (هنترميد) في كتابه “الفلسفة أنواعها ومشكلاتها”: «لا شك أن الاهتمام بإجراء هذا التحليل الأولي يمثل -نظريًا- موقفًا معقولًا، ولكن ينبغي أن نعترف بأن بعض نتائج هذا الحذر كانت مؤسفة جدًا. فتأثيره في الفلسفة الحديثة هو أنه يجعلها مريضة عقليًا؛ ذلك لأن المفكرين قد أصبحوا منهمكين في المشكلات المتخصصة الدقيقة في ميدان المعرفة إلى حد أنهم أخذوا يفقدون بالتدريج اتصالهم بالمسائل ذات النطاق الأوسع، التي كانت الفلسفة تهتم بها تقليديًا»، ولمن على اطلاع بتاريخ الفلسفة سيدرك كم أن هذا الوصف معبر عن حال الفلسفة الحديثة.
وتجنبًا لهذا التعقيد المشار إليه في الفقرة السابقة، فبدلًا من أن أحاول أن أحسم موقفًا معينًا فيما يخص معيار المعرفة الأصلح، سأتطرق مباشرة إلى عرض الموقف اللاهوتي لكل واحد من أدوات المعرفة التي نملكها، حيث تنقسم المذاهب الفلسفية في مبحث المعرفة إلى ثلاثة توجهات رئيسية يتفرع منها الكثير فيما بعد:
١- المذهب الحسي، والذي يضم تحته المنهج العلمي التجريبي. / ٢- المذهب العقلي، والذي يرتبط بالمنطق. / ٣- المذهب الحدسي، والذي يرتبط -في سياق اللاهوت- بالتصوف.
٣- الحس أم العقل؟
تشير كلمة الحس هنا إلى الحواس الخمسة المعروفة لدينا، فالمذهب الحسي في المعرفة هو المذهب الذي يرى أننا نعرف الشيء من خلال رؤيته أو لمسه أو شمه أو سمعه، ويرتبط هذا المذهب كما ذكرت سابقًا بالمنهج العلمي التجريبي، فإذا أردنا أن نعرف ما إذا كان الحديد يتمدد بالحرارة أم لا، فعلينا ببساطة أن ندخل المعمل ونُعرِّض الحديد للحرارة، ونرى ما إذا كان يتمدد أم لا، فإذا صح أنه يتمدد أصبحت هذه حقيقة علمية لدينا (أن الحديد يتمدد بالحرارة).
لا شك أن أغلب الناس سينظرون لهذا المنهج على أنه الأقوى والأكثر طمأنينة، ولكن للأسف ليس من المتاح دائمًا استخدامه في جميع التساؤلات. إن الافتراض الرئيسي في مفهوم الله هو أنه غير محسوس، أي غير مرئي، غير مجسد، فالصفة الأساسية للألوهية هي صفة المطلق، بينما يشير التجسد أو التشكل إلى وجود حدود -فيزيائية في هذا السياق (مكانية وزمانية)- وبالتالي من غير المتسق منطقيًا أن نقول بوجود كيان مطلق وفي نفس الوقت مجسد؛ فالله إذًا متسامي عن التجسد وإن كان يقدر على التجسد باعتباره كليّ القدرة أيضًا، ولكن سيكون التجسّد هنا صفة عرَضية، وسيزال في طبيعته وجوهره ليس جسدًا بل شيئًا آخر متسامي عن الجسد.
ومادمنا نتحدث عن كيان غير فيزيائي أو غير محسوس، ومادام المنهج الحسي لا يتعامل إلا مع ما هو فيزيائي أو محسوس؛ فمن العقيم إذًا أن نبحث في مسألة وجود الله باستخدام الحواس الخمسة فقط، وهي نتيجة متفق عليها من جميع المفكرين والفلاسفة تقريبًا.
ولهذا نجد المفكرين دائمًا في تناولهم لمسألة وجود الله، إما أن يدلّلوا عليه باستخدام الحجج المنطقية، أو بالاعتماد على المنهجية الحدسية، إلا أن الحجج المنطقية هي الأكثر شيوعًا من غيرها إلى حد شاسع، فمن يقرأ في تاريخ الفلسفة يجد أن كل فيلسوف تقريبًا يمتلك حجة خاصة على وجود الله، أو عدم وجوده، فأصبحنا بذلك نملك عددًا هائلًا من الحجج المنطقية على وجود الله، ولكن في المقابل فهناك عددًا هائلًا من الانتقادات لكلٍ من هذه الحجج، وهكذا تكون دائمًا طبيعة الصراع الفكري في إطار المنطق، فدائمًا هناك الحجة، وهناك الانتقاد الذي يهدمها، وهناك الانتقاد الذي يهدم الانتقاد، حتى أنه من المبرر كل التبرير أن نشكك إذًا في مقدرة هذه المنهجية على إنتاج أي معرفة على الإطلاق.
٤- الحجج المنطقية
سيكون من غير الممكن، ومن غير الضروري أيضًا، أن أعرض لكل الحجج العقلية للموقف اللاهوتي، فهناك الكثير من المصادر التي توفر جميع هذه الحجج بالفعل.
ولكن علينا ببعض المفاهيم التي ستعطينا نظرة عامة عن طبيعة الحجج العقلية والتي ستوفر لنا الأساس الصلب لمن يريد التوسع في هذا الملف فيما بعد.
تنقسم الحجج العقلية اللاهوتية إلى أربعة أنواع رئيسية:
١- الحجج الأخلاقية – Moral arguments وهي الحجج التي تعتمد في إثبات وجود الله على وجود القيم والأخلاق.
٢- الحجج الغائية – Teleological Arguments وهي الحجج التي تعتمد في إثبات وجود الله على وجود غاية من الكون، ويضم هذا القسم الحجتين الأشهر (التصميم الذكي والضبط الدقيق).
٣- الحجج الكونية – Cosmological Arguments وهي الحجج التي تعتمد في إثبات وجود الله على وجود الكون وطبيعته.
٤- الحجج الوجودية – Ontological Arguments وهي الحجج التي تعتمد في إثبات وجود الله على مفهوم الله نفسه لا على الكون أو أي شيء آخر.
علينا أن نفهم هنا أن هذه أنواع أو أقسام للحجج وليست الحجج نفسها، فكل حجة على وجود الله، تصنف تحت واحدة من هذه الأقسام بناءً على طبيعة الحجة، ويحمل كل قسم منهم عدد من الحجج.
تعتمد البرهنة على حقيقة ما في إطار المنطق على استخدام الحجج المنطقية، فإذا ادعيت بأن كذا حقيقة عليك بتقديم حجة على ادعائك، وقد تتوقع أنه من المنطقي أن نطالب أيضًا بتقديم حجة على صحة الحجة السابقة، ومن ثم تقديم حجة على صحة هذه الحجة. وقد تتعجب من مصير هذه المنهجية التي يبدو أنها تتسلسل إلى ما لا نهاية، لكن ليس الأمر كذلك، فهناك مبادئ منطقية أولية في غير احتياج لأي حجة أو إثبات، وهي ما تعرف ببديهيات العقل الثلاث، وهي المبادئ الثلاثة الذي وضعها أرسطو قبل ثلاثة وعشرون قرن من الزمان، وهي: (مبدأ الذاتية /مبدأ عدم التناقض/مبدأ الثالث المرفوع).
جدير بالذكر هنا أن كل ما نملكه اليوم من معارف -علمية أو غيرها- هي مبنية بشكل أو بآخر على هذه المبادئ الثلاثة، اللهم إلا إذا كانت معتمدة على التقاليد والموروثات، أو الوحي والإلهامات الروحية.
سأعرض هنا لواحدة من أشهر الحجج في الفلسفة الإسلامية، والتي تصنف في قسم «الحجج الكوزمولوجية» وهي ما تعرف باسم «حجة الممكن والواجب» أو «برهان الصدّيقين» كما أطلق عليه الشيخ الرئيس (ابن سينا)، وقد اخترت هذه الحجة بالتحديد كنموذج، لأنه على الرغم من قوتها، إلا أنها الأقل شيوعًا في الساحة العامة، وإن كانت أكثرهم شيوعًا بين المهتمين بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، بينما تكتسح حجتي التصميم الذكي والضبط الدقيق الساحة العامة.
٥- حجة الممكن والواجب
- يشير مصطلح واجب الوجود إلى الشىء الموجود بذاته، أي الذي لا يعتمد وجوده على غيره، وإنما يعتبر الوجود صفة جوهرية فيه، فكما لا يمكننا تخيل ملح غير مالح، فلا يمكننا تخيل واجب الوجود غير موجود، إذ أن الملوحة هي صفة الملح الجوهرية والتي بدونها لا يكون الملح ملحًا، كذلك لا يكون واجب الوجود واجبًا إن كان يقبل أن يكون غير موجود.
- يشير مصطلح ممكن الوجود إلى الأشياء التي من الممكن أن تكون موجودة ومن الممكن أن تكون غير موجودة، فممكنات الوجود تقبل الإمكانيتين أو الاحتماليتين، على عكس واجب الوجود، فهو لا يقبل إلا احتمالية واحدة؛ فهو موجود بالضرورة، حتى أنه يُسمى أحيانًا بضروري الوجود.
- مستحيل الوجود وهي الأشياء التي من المستحيل تصور وجودها على الإطلاق، مثل أن نتصور مثلثًا بأربعة أضلاع، أو أن نتصور جزءًا أكبر من كلّ. إلا أن هناك المزيد مما يقال عن مفهوم مستحيل الوجود ولكنه غير ضروري لسياقنا الحالي.
إن المطالبة بإثبات على وجود الله هو مطالبة بإثبات على أن هناك واجب وجود، أو أن مفهوم واجب الوجود متحققًا في الحقيقة وليس كمفهوم في الذهن فقط.
بعد ذلك علينا أن نثبت أن واجب الوجود هذا هو الله، بإثبات أن واجب الوجود هذا يمتلك الصفات الإلهية من إرادة وعلم وقدرة… الخ.
- هناك ثلاثة احتمالات لا رابع لها، إما أن تكون كل الاشياء ممكنة الوجود /أو أن تكون كلها واجبة /أو أن يكون بعضها واجب وبعضها ممكن.
فإذا كانت الأولى فعلينا أن نسأل، كيف وُجد ممكن الوجود (أ)؟ إذ أن إمكان وجوده يعني أن نسبة احتمالية وجوده تساوي نسبة احتمالية عدمها، فمادام تحققت إحدى الاحتماليتين؛ يلزم أن يكون هناك مرجح رجح إحدى الاحتماليتين عن الاحتمالية الأخرى، وبعبارة أبسط، فإن ممكن الوجود غير موجود بطبيعته، أي أن صفة الوجود غير جوهرية فيه، فمادام ووجد؛ فيلزم أن يكون اكتسب صفة الوجود عن شيء غيره، وهذا الشيء إما أن يكون ممكن هو الآخر، أو يكون واجبًا، فإذا كان ممكنًا؛ فعلينا أن نسأل ما الذي أوجد ذلك الممكن أيضًا، وهكذا إما أن نصل إلى واجب وجود هو الذي أوجد كل هذه الممكنات، إما أن نتسلسل إلى ما لا نهاية، ولكن التسلسل مستحيل، إذ أنه يشير إلى وجود عدد لا نهائي من الممكنات، وأن صفة الوجود انتقلت من ممكن إلى أخر حتى وصلت إلى (أ) “بعد انتهائها مما لا نهاية له”؛ وهذا تناقض.
إذًا فالاحتمالية الأولى غير ممكنة مادامت تؤدي بنا إلى تناقض. ماذا عن الثانية؟ أي أن يكون كل شىء واجب الوجود، ودعونا نستبدل كلمة «كل شىء» بكلمة «العالم»، فقد رأينا بعد تحليل الاحتمالية الأولى، أنه من الضروري منطقيًا أن يكون هناك واجب وجود واحد على الأقل، ولكن ليس هذا بكافي على إثبات وجود الله، فمن الممكن أن نقول بأن واجب الوجود هذا هو العالم، ولكن هناك ما ينفي هذه الإمكانية منطقيًا، وهو أن العالَم متغير، ومن صفات واجب الوجود أنه أزليّ (أي ليس له بداية)، ولا يمكن للشيء أن يكون أزليًا ومتغيرًا في نفس الوقت، لأن التغيّر هو انتقال الشيء من صورة إلى صورة أخرى، وإذا كان الشيء المتغير أزليًا؛ فهذا يعني أن الصورة التي عليها هذا الشيء الآن قد تحققت بعد “انتهاء تحقق ما لا نهاية له من الصور” وهذا تناقض.
وقد يتساءل أحدهم -وهو تساؤل وجيه- لماذا قد افترضت أن واجب الوجود ينبغي أن يكون أزليًا بالضرورة، والسبب أنه لو لم يكن أزلي، فهذا يعني أنه أصبح موجودًا بعد أن لم يكن موجودًا، أي أنه اكتسب صفة الوجود، في حين أن واجب الوجود موجودًا بطبيعته، أي أن صفة الوجود جوهرية أصيلة فيه وليست مكتسبة.
يبقى إذًا احتمالية واحدة، وهي أن هناك بعض الأشياء واجبة الوجود، وبعضها ممكن الوجود، فإذا أردنا أن نثبت أن الأشياء واجبة الوجود هذه هي الله، فما زال علينا أن نضفي عليها بعض الصفات.
رأينا في الاحتمالية السابقة، كيف أنه من غير الممكن للعالم أن يكون أزليًا، في حين أنه من الضروري أن يكون واجب الوجود أزليًا، وإلا لما كان واجبًا، يعني هذا أن العالم وُجد في نقطة معينة بين عدد لا نهائي من النقاط، أو إذا شئت استخدام تعبير نفهمه، فأقول أن العالم وُجد في لحظة معينة بين عدد لا نهائي من اللحظات، إذ أن واجب الوجود أزلي، وقد مر عليه بالفعل هذا العدد اللانهائي من اللحظات، مع التحفظ على مصطلح «لحظة» الذي استخدمه هنا كمجرد لفظ تجاوزي للتعبير عن وضع لا يسعنا تصوّره، والسؤال إذًا، لما وُجد العالم في هذه اللحظة بالتحديد دونًا عن باقي اللحظات اللانهائية؟ حيث أن احتمالية وجود العالم في أي لحظة من هذه اللحظات اللانهائية متساوية، فلا يوجد ما يرجح أو يحدِث العالم في هذه اللحظة بالتحديد دونًا عن باقي اللحظات، إلا إذا كان واجب الوجود هو الذي اختار ذلك بإرادته، يلزم إذًا أن يمتلك واجب الوجود إرادة.
وإذا كان واجب الوجود هو الأزلي الذي أوجد كل شىء بإرادته، فيلزم بذلك أن يكون محيطًا بكل شيء.
نتطرق بعد ذلك إلى إثبات صفة الوحدانية، هنا نستخدم ما يعرف باسم دليل التمانع الذي اشتهر به الإمام الباقلاني، فيقول، لنفترض أن هناك واجبين وجود، ولنفترض أن تعارضت إرادة الأول مع الثاني، فماذا ينتج عن ذلك؟
إما أن لا تتحقق إرادة أي منهما، وهو ما لا يتوافق مع طبيعتهما كواجبين للوجود، إما أن تتحقق إرادة الاثنين معًا وهو تناقض، إما أن تتحقق إرادة واحد منهم ويكون هو بذلك الإله الذي نبحث عنه.
قد لا تقتنع بهذه الحجة أو غيرها، فمن غير المستبعد وجود بعض الانتقادات عليها، ومن ثم وجود رد لهذه الانتقادات، وهكذا الحال في الحجج المنطقية كما وضّحتُ سابقًا، ومع ذلك، فإن هناك خلاصة منطقية يمكن أن ينتهي إليها أي باحث صادق بعد القراءة كثيرًا في الحجج المنطقية اللاهوتية، وهي الخلاصة التي انتهى إليها الفيلسوف المسيحي المعاصر (ويليام لين كريج) ومفادها أنه حتى ولو لم نستطع إكمال حجة واحدة بدون أي ثغرات؛ فإن وجود هذا العدد الهائل من الحجج -التي هي جديرة بالنظر على أقل تقدير- على وجود الله؛ لهو أمر كافي لترجيح احتمالية وجوده إلى حد بعيد.
٦- الحدس
حينما نتحدث عن معرفة الله من خلال الحدس، فسنتحدث لا محالة عن ما يعرف في التصوف بإسم «حالة الكشف»، فالافتراض الأساسي هنا أن الإنسان يمتلك أداة معرفية أخرى غير الحس والعقل، يعرف باسم الحدس أحيانًا، ولكن يفضّل المتصوفون عادةً استخدام مصطلح «القلب»، فالقلب هو العين التي يستطيع بها الإنسان أن يرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وما يجعلنا غير قادرين على رؤية الحقيقة رغم امتلاكنا جميعًا للقلب، هو أن قلوبنا لا تزال في وضعها المبدئي، محتجبة بالنفس والهوى، وملوثة بالكراهية والغضب والشهوة وما إلى آخره. «أيُ أرضٍ تخلو منك حتى تعالوا يطلبونك في السماء… تراهم ينظرون إليك جهرًا وهم لا يبصرون من العماء» (الحلاج)
فمن يبتغي أن يرى الحقيقة؛ عليه بتطهير قلبه من هذه الملوثات ورفع هذه الحُجبات حتى تنكشف له الحقيقة القابعة خلفها.
«قَطَعْتُ جَمِيعَ الْحُجْبِ لِلْحُبِّ صَاعِداً وَمَا زِلْتُ أَرْقَى سَائِراً بِمَحَبتِي
تَجَلَّى لِيَ السَّاقِي وَقَالَ إلىَّ قُمْ فَهَذَا شَرَابُ الْحُبِّ فِي حَانِ حَضْرَتِي
تَقَدَّمْ وْلاَ تَخْشَ كَشَفْنَا حِجَابَنَا تَمَلَّ بِحَانِي وَالشَّرَابِ وَرُؤْيَتي
شَطَحْتُ بِهَا شَرْقَاً وَغَرْبَاً وَقِبْلَةً وَبَرَّاً وبحراً مِنْ نَفَائِسِ خَمْرَتِي
وَلاَحَتْ لِيَ الأَسْرارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَبَانَتْ لِيَ الأَنْوَارُ مِنْ كُلِّ وَجْهَةِ»
(عبد القادر الجيلاني)
حسنًا، مفهوم، وجذاب، ولكن مع ذلك، ما الذي يجعلني أصدق مثل هذه التُرّهات؟ ما الذي يدفعني إلى أن أخوض مثل هذا الطريق المرهق؟ كيف أتأكد من صدقهم؟ و هو ما سأحاول الإجابة عليه، ولكن من الضروري قبل ذلك أن أوضح بعض سمات المنهجية الحدسية.
أولًا: يتسم الحدس -على عكس المنطق الصارم- بالسيولة، فليس الأمر دائمًا خياريًا بين الاقتناع وعدم الاقتناع، وإنما يتحقق أيًا منهم بدرجة معينة، وإن كانت الغاية الأمثل هي أن نصل لليقين التام، ولكن ليس هذا من المتاح دائمًا، ومن هنا تكون الغاية هي الوصول إلى درجة الاقتناع التي تحقق لنا الطمأنينة، التي تشبع احتياجنا الضروري لتبنّي حقيقة ما، وليست هذه الدرجة هي اليقين بالضرورة، ولذلك فعلينا أن نضع في الحسبان دائمًا أن احتمالية كوننا على الموقف الخاطئ هي احتمالية غير مستبعدة.
ثانيًا: وهي أن معرفة الحقائق من خلالها، يعتمد على اختبارك الشعوري لهذه الحقائق بشكلٍ مباشر، مما يضفي بعض الطمأنينة أكثر من الحجج المنطقية أو غيرها، فالحجج المنطقية قد تخبرك بالحقيقة، أما القلب يريك إياها، وإذا اعترض أحدهم على كون الحدس أداة معرفية صالحة، أقول له أننا توصلنا إلى مبادئ المنطق الأولية باستخدام الحدس، وقد ذكرت سابقًا كيف أن كل معارفنا التي نملكها إما مبنية على هذه المبادئ، إما على الوحي والمنقولات، والتي تعتمد بدورها على الحدس، بعبارة أخرى فإن كل ما نملك من معارف في المطلق هو معتمد في أساس الأساس على الحدس، ففي السطور القادمة، قد لا استخدم بالضرورة حججًا ذات صياغة منطقية صارمة، ولكنني مع ذلك، سوف أخاطب حدسك المنطقي إلى حد كبير، ذلك الحدس الذي عليه اعتمدنا في معرفتنا لأي شيء على الإطلاق.
والآن لنعد للتساؤلات إياها، ما الذي قد يدفعنا لتصديق مثل هذه الادعاءات الجريئة؟
هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا هنا، وهو حقيقة هذه الحالة الصوفية التي يسعى إليها المتصوفة والرهبان والمتروحنين، فبإمكاننا الحديث عن مئات الآلاف من الأمثلة عبر المراحل التاريخية، والمواضع المكانية المختلفة التي نرى فيها من يزعم مروره بهذه التجربة، حيث تتشابه جميع مواصفاتهم إلى حد مدهش، وليست هذه الأمثلة سوى جزء من آلاف مؤلفة غيرها ممن يفنوا حياتهم سعيًا لتحقيق هذه الحالة التي فيها -حسب زعمهم- تنكشف الحقيقة للمرء.
«إني رأيتُ وجوداً لا أسميه.. فكلُّ شيء تراه فهو يحويهِ
له الإحاطة بالأشياء أجمعها.. فكلُّ عين تراها أنها فيهِ». (ابن عربي)
«و هَا أنا أُبدي في اتَّحادي مبدئي.. وأُنهي انتهائي في تواصُعِ رِفعَتي
جَلَتْ، في تجلَّيها، الوجودَ لناظري.. فففي كلَّ مرئيٍ أراها برؤيةِ
وأُشهدتُ غيبي، إذ بدَتْ، فوجَدْتُني.. هُنالكَ إيّاها، بجلوةِ خلوتي
وطاحَ وجودي في شهودي، وبِنْتُ عن.. وُجودِ شهودي، ماحيًا، غيرَ مُثبتِ». (ابن الفارض)
وها هو ذا أحد الأمثلة من حضارة مصر القديمة:
«تعطلت حواسي أثناء تهدجٍ صوفي، لا نصبًا ولا تذمرًا، بل انتباهًا وخلوصًا واعيًا.. فجأة تغير أمامي كل شيء، وانفتح الواقع في لحظة لأرى المشهد اللانهائي، وذاب كل شيء في النور متوحدًا بحب غامر». (هرمس)
«أحسست.. بحضرة تجعلني اضطرب بالفرح.. بأفكار رفيعة، إنه إحساس علوي.. بشىء أعمق تغلغلًا بكثير.. مستقره نور الشموس الغاربة، والمحيط الدائر والهواء الحي، والسماء الزرقاء وذهن الإنسان.. إنها حركة وروح.. وتسري خلال الأشياء جميعًا». (الشاعر الإنجليزي المتصوف: وليام وودزورث)
وفي أحد النصوص الهندية القديمة من كتاب «صوت الصمت» الذي هو عبارة عن مجموعة من تعاليم «المريدين» (الذين يسيرون في هذا الطريق ابتغاء الحقيقة): «فالآن ضاعت ذاتك في الذات العليا، وشخصيتك في شخصك الحق، كل ممزوج في تلك الذات العليا. أين أضحت فرديتك أيها اللانوو، أين هو اللانوو ذاته؟ إنه الشرارة التي ضاعت وسط النار كقطرة ماء في المحيط، ذلك الشعاع الموجود دائمًا، والذي أصبح هو الكل، وهو البهاء الأزلي».
هناك ثلاثة تفسيرات محتملة لهذه الظاهرة المثيرة، الأول: أن يكون كل هؤلاء مجمعين على كذبة واحدة، الثاني: أن يكونوا صادقين في زعمهم ولكن خاطئين في تفسيرهم لما رأوا، إذ أنهم فسروا تجربتهم وفق ما يؤمنون به بالفعل في المقام الأول، الثالث: أن يكونوا قد رأوا الحقيقة حقًا.
ولست هنا في معرض استخدام حجة منطقية صارمة، فبإمكاننا -باستخدام حدسنا المنطقي فقط- أن نستبعد الاحتمالية الأولى، وليس هذا لاستحالتها تمامًا، وإنما لضعفها إلى درجة كونها غير جديرة بالنظر، على عكس الاحتماليتين التاليتين. ويمكننا أن نعترف بأن كثرة تكرار هذه الظاهرة إلى هذا الحد، لا تصب في مصلحة الاحتمالية الثانية، إذ هل يعقل أن يكون كل هؤلاء قد أخطأوا؟ بل وأخطأوا نفس الخطأ؟ ولنضع في الحسبان أيضًا طبيعة الشخصيات التي نتحدث عنها، فكل واحد من هؤلاء له من الكتابات والأفكار والأدبيات ما يثبت حكمته ويرفع من مكانته، أيعقل أن يكون كل هؤلاء العظماء قد توهموا بالحقيقة التي تريح أنفسهم؟ ثم يفنون حياتهم بكل هذه الثقة العمياء فيما رأوه، إلى حد أنهم كانوا جميعًا على أهبة الاستعداد للموت والعذاب في سبيل ما رأوه، بل إن أغلبهم قد تعرض لهذا وذاك بالفعل ولم يتراجع مع ذلك. لست استبعد التفسير الثاني بالرغم من هذا، ولكن وضع كل هذه الأمور في الحسبان يرجِّح التفسير الثالث بدرجة كبيرة، ولكن يظل التفسير الثاني محتمل إلى حد مقلق، إلا أن هناك أمرًا آخر قد يدفعنا لأن نسلك في هذا الطريق.
في حديثه عن التجربة الصوفية، يقول هنترميد: «على الرغم من أن كثيرًا من الصوفية قد حاولوا وصف هذه التجربة؛ فمن سوء الحظ أنهم يؤكدون أنها في أساسها تجل عن الوصف.. ومع ذلك فإن معظمنا كانت له لحظات من الحدس، أو من (النور الباطن)، أو من الاقتناع الذي لا يفسر، وهي لحظات يبلغ التشابه بينها وبين تجربة الصوفي حدًا يتيح تقريب تجربته إلى الأذهان»، «ولعل أغلب الأوقات التي تتملكنا فيها هذه الحالة هي تلك التي نواجه فيها الطبيعة مباشرة، ولا سيما عندما نقف إزاء الجمال الطبيعي الخلاب».
فعندما تنظر إلى الطبيعة يتملكك شعور بالحياة والحيوية، شعور بأن هناك ما هو حي في هذه الأشجار وتلك الأمواج ونسمة الهواء الهادئة ورائحة الورود وبهاء ألوانها، وكأن الطبيعة تتنفس، تمامًا كما نفعل نحن.
بدرجة ضئيلة وبمعنى محدد يمكننا أن نقول أن هذه الحالة هي نوع من التجربة الصوفية، ففيها نلتمس في مرآنا شيء أسمى من المادة الصماء، شىء إلهي، وتعود قدرتنا على تذوق هذه الروح في هذا المشهد بالتحديد دونًا عن غيره إلى قوة وجودها في الأشياء الطبيعية عن الأشياء غير الطبيعية، حيث أن الأشياء الطبيعية هي أقرب إلى الأصل الروحي الذي منه انبعثت، ولهذا نستطيع -بالرغم من عدم التطهير الكامل للقلب بعد- أن نبصر ما فيها من سمو وبهاء، وكلما كان قلبك أكثر نقاءً كلما انغمست في هذه الحالة بقوة أكبر، ولهذا تجد المتصوفين أكثر تأثرًا من غيرهم في مثل هذه الحالات، إذ أن قدرتهم على رؤية الحقيقة أكبر، إلى الحد الذي يجعلهم يبصرون نفس هذه الروح في كل شيء وليس في الطبيعة فحسب، وبقوة أعظم مما نختبره نحن «ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله فيه». (الحلاج)
إن الأمر الآخر الذي يدفعنا لأن نسلك في الطريق الصوفي بالرغم من وجود الاحتمالية الثانية التي ذكرتها سابقًا، هو أن المتصوفة يزعمون أنه كلما تقدم الإنسان على هذا الطريق، كلما زاد قلبه صفاءً؛ زادت قوة هذه التجربة التي يمر بها في بعض الأحيان بالفعل، وبهذا يصبح أكثر أهلية للحكم عليها.
وما يثير المزيد من الدهشة على تكرار نفس هذا الوصف للتجربة الصوفية، أنهم وصلوا إليها جميعًا من خلال نفس الطريق، باتباع نفس التعاليم. لست أعني أن هذه الإشارات تقودنا إلى صحة هذه التعاليم بالضرورة، وإنما كل ما أقوله فقط أن هذا التكرار المدهش لاعتراف الكثيرين بفاعليتها، ووصفهم لنتائجها بنفس الشكل؛ يجعلها -على أقل تقدير- جديرة بالنظر الجاد، وأن من يبحث عن الحقيقة حقًا بصدق، فلسوف يستغل أي فرصة تأتي أمامه لاستكشافها، فإذا زعم كل هؤلاء أمامه أن هذا هو طريق الحقيقة، فسيتوقف عن طرح التساؤلات الكثيرة وسينطلق لاختبار صدق زعمهم هذا، فليس بالإمكان أن نعرف نهاية طريق دون أن نسلكه، وإن انتظر المرء اليقين قبل أن يتحرك بأي اتجاه؛ فسيظل ثابتًا كالصنم طوال عمره، ولن يتقدم خطوة ولن يتأخر، على باحث الحقيقة أن يتحلى بالشجاعة، شجاعة أن يسلك طريقًا هو غير متأكد بعد من مصيره، فإن وجد مراده فكان بها، وإن لم يجد؛ فيكون المرء قد أفنى مجهوده ووقته في الشيء الوحيد الذي يستحق هذا الفناء في هذه الحياة… الحقيقة.

