«لكل عصر عصابه الجماعي الخاص… وفي ذلك يمكن وصف الفراغ الوجودي، الذي هو العصاب المميز للعصر الحالي، على أنه شكل خاص وشخصي من أشكال العدمية، التي يمكن تعريفها بأنها الاعتقاد بأن الوجود منعدم المعنى». فكتور فرانكل – الإنسان يبحث عن معنى
لا أظن أننا في حاجة لأن نكون أطباء نفسيين -مثل فكتور فرانكل- حتى نلاحظ مدى مصداقية هذه الإشارة، فنحن نلاحظها في أنفسنا قبل أي شيء. لم يعد التفكير في الموت مجرد ظاهرة فردية نتعجب عندما نسمع عنها، بل هو وبكل وضوح ظاهرة اجتماعية تمس كل شخص فينا. لقد أصبح من المعتاد أن نفكر في الموت، بل إننا قد نتعجب ممن لا يفعل ذلك.
بلا شك هناك الكثير من العوامل التي أدت إلى هذا الوضع، ذكرنا سابقًا بعضًا منها في حديثنا عن نظرة الإنسان لنفسه اليوم، وأقصد هنا النظرة التي لا ترى في الإنسان احتياجات أخرى غير تلك المتعلقة بالاكتفاء المادي، ومن ثَمّ فقد أهملنا احتياجات أخرى أصيلة فينا حتى بلغ تعطشنا للمعنى حد الجفاف. إننا غارقون تمامًا في المشاغل اليومية العابرة للحياة، ولا نتوقف أبدًا لنتساءل عن المغزى من كل ذلك.
سنحاول في هذا المقال أن نفسر بمزيد من التفصيل سبب معاناة الإنسان اليوم على نحو خاص من العدمية والاكتئاب.
منظوران للحياة
لقد أصبحنا اليوم على دراية أوضح بحجمنا الضئيل للغاية في هذا العالم من منظور معين، هذا المنظور الموجّه إلى الحياة بأكملها، لا إلى فرد منها بوجه خاص. يُظهر لنا هذا المنظور العام أن كل ما تمُرّ به في حياتك الشخصية ويبدو لك أنه ذو أهمية، فهو بهذه الأهمية من منظورك الشخصي الفردي الضيق فقط، ولكنه ليس كذلك من منظور الحياة الأعم والأشمل. يقف المنظور الفردي على مسافة قريبة جدًا من الأحداث التي يمر بها الفرد صاحب المنظور؛ ولذلك تبدو هذه الأحداث كبيرة أو ذات أهمية من خلاله، لأنه على مقربة مباشرة منها، في حين أن هذه الأحداث في منظور الحياة الأعم والأشمل قد لا تكون بهذا الحجم وهذه الأهمية. ولا شك أن المنظور (المحايد) أكثر دقة وصوابًا من سابقه؛ إذ إنه يقف على مسافة واحدة من جميع ما في الحياة؛ وبالتالي نستطيع أن نرى من خلاله أي الأشياء أكثر أهمية حقًا وأيها أقل جدارة بالعناية. فالتركيز الشديد إذًا على ذواتنا والأشياء القريبة منا فحسب والتي نواجهها بصورة مباشرة، يخدعنا ويفقدنا الحكم الصائب على الأشياء، ويجعلها تبدو لنا بحجم أكبر بكثير مما هي عليه بالفعل، في حين أن التعالي عن هذا المنظور الشخصي، والنظر إلى الأشياء من خارج أنفسنا، باعتبارها واحدة من مليارات النفوس الأخرى، يجعلنا نرى الأشياء على حقيقتها حقًا، ويوفر لنا الحكم الصائب على مدى أولوية وقيمة كل منها عن الأخرى.
اليوم بتنا نعيش في عصر يشجع على الفردانية (تركيز الفرد على نفسه) وبالتالي فمن الطبيعي أن نظرتنا وانطباعاتنا عن الحياة تأتينا من هذا المنظور الضيق والمضلِل. يظهر ذلك في انشغال الناس الشديد بشؤونهم الخاصة والشخصية فقط، وعدم الاكتراث أو حتى الالتفات إلى ما يخرج عنها.
قد يكون هذا الوصف غامضًا وغير مفهوم للكثيرين، وذلك لأننا لا نرى سوى هذا المنظور الفردي، ولا نعرف غيره. من الأفضل إذًا أن نقدم مثالًا للتوضيح.
نمطان للحياة
فلنتخيل شخصًا يسعى إلى الارتقاء في عمله حتى يصل إلى مكانة معينة توفر له مستوى معيشيًا على درجة من الرفاهية، ومكانة اجتماعية محترمة بين الناس، وبجانب ذلك فهو يذهب إلى صالات الرياضة لبناء جسم مثالي، ولديه شريك حياة يبادله الحب.
إذا كانت هذه الأشياء هي كل ما يشغل المرء فهو بذلك يمثل نموذجًا للشخص الغارق في حياته الفردية، وعند فشله في بلوغ أي منها تجده مغمورًا في التعاسة. ذلك لا يعني أن هذه المساعي منعدمة القيمة تمامًا، ولكني لا أظنها تمنح الحياة المعنى الذي نبحث عنه، إنها لا تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. والأهم من مدى إشباع هذه المساعي لحاجاتانا النفسية، فإنها تمثل نظرة شديدة الاختزال للحياة، وتحجب صاحبها عن الأشياء المهمة حقًا.
ما البديل إذًا؟
فلنتخيل شخصًا يشغل باله كثيرًا حقيقة أن معظم الناس تعاني لأسباب عديدة، وأن هناك أقلية منهم فقط ممن يتمتعون بالسلطة والمال هم من يحصلون على كل ما يبتغون، وعلى حساب معاناة الأكثرية. يقرر هذا الشخص أن يكرس حياته للتقليل من ذاك الظلم، أيا ما كانت الوسيلة، وبصرف النظر عن مدى ضئل الدور الذي سيؤديه، أو الدفعة التي سيقوم بها، ولكنه يأمل أن تقترب الإنسانية من العدل يومًا ما نتيجة لهذه الدفعات الصغيرة المتوالية.
هنا نحن نتحدث عن شخص انجذبت أعينه لشيء أكبر من أن يكون مجرد مسألة شخصية، حتى لو كان هذا الطموح قد نشأ عنده نتيجة موقف شخصي منذ البداية، إلا إنه لاحقًا تحول لقضية إنسانية كبرى، قضية يفسح لها المجال للتضحيات، التضحيات بالأمور الشخصية الصغيرة والتافهة قياسًا بأهدافه العليا. مثل ذلك الشخص بكل تأكيد سيكون لديه حياته الشخصية، ستكون لديه وظيفته في سوق العمل، ومجال دراسته، واهتمامه بصحته، وقد يكون واقعًا في الحب، ولكنه يضع كل من هذه الأمور في حجمها الصحيح، ويدرك أنها ليست جديرة بكل هذا العناء الذي يعانيه الناس اليوم، ويعطي الأولوية دائمًا للقضية الأكبر.
يخبرنا بوذا في طريقه الثُماني النبيل أن الألم دائمًا يأتي نتيجة نظرة غير سليمة للحياة، أو تصرف غير سليم، وأن الألم النفسي -كالألم الجسدي- هو إشارة لوجود خلل فينا يحتاج للإصلاح، على سبيل المثال: خلل في نظرتنا للأمور. إن النظر إلى الحياة بمنظور فرداني ضيق يعطي توافه الأمور حجمًا أكبر مما تستحق، وهو ما يؤدي بدوره إلى قلق ومعاناة مفرطة غير مبررة من أبسط المواقف. أما الشخص الذي ينظر إلى عظائم الأمور وكبائرها عادة ما يكون أكثر استقرارًا على المستوى النفسي، أكثر نضجًا في تعامله مع الألم، لا يتأثر كثيرًا إذا فقد وظيفته، ولا يصل إلى حد التفكير في الانتحار إذا فقد حبيبته، هو ببساطة يعي أن هذه الأمور تحكمها الصيرورة، وفي المقابل فهو ينشغل بالقضايا الأكثر بقاءً واستمرارية، إنه يريد أن يدفع الإنسانية إلى الارتقاء، عالمًا أن دفعته ستكون واحدة من سلسلة كبيرة من المجهودات المتوالية. هذا هو الأثر الذي يريد أن يتركه خلفه بعد موته، من يتركون مثل هذا الأثر خلفهم هم المخلدون الحقيقيون.
عودة إلى السؤال الأساسي
من هنا نستطيع الإجابة على السؤال الأساسي: يعاني الناس بشكل مفرط في حياتهم نتيجة لتقدير غير دقيق للأمور، ولا يوجد في حياتهم شيء ذو قيمة يضاهي كل هذه المعاناة، إذ إن جميع الأمور التي تشغلهم هي في حقيقتها صغيرة وتافهة إذا نظرنا إليها بمنظور محايد سليم. ومن هنا يأتي التفكير المتكرر في الانتحار.
من ناحية أخرى هناك الأشخاص العدميون فعلًا، وأزعم أن هؤلاء عادة ما يكونون في مستوى أعلى من الوعي عن سابقيهم، فقد استطاعوا النظر إلى الحياة بدرجة من العمومية والحيادية، وأدركوا بالتالي أن جميع مشاغل البشر ليست على هذه الدرجة من الأهمية، وعند التفكير في الكم الهائل من المعاناة التي تملأ الحياة، يصبح الحل المنطقي هو الانتحار.
يحدث ذلك نتيجة أن العدميين -ومعظم الناس عمومًا- لا يخطر على بالهم وجود منظور آخر للحياة، ولا أستطيع إلقاء اللوم عليهم نظرًا لأن هذا المنظور غائب بقوة عن زمننا الحالي، والتوصل إلى الرؤية التي تُظهر المعاني الموضوعية للحياة هو أمر بالغ الصعوبة.
حاولنا في الجزء السابق من هذه السلسلة بناء رؤية متكاملة لمعنى الحياة، رؤية أخذناها عن أجيال سابقة، وقد كانت العودة إلى هذه الأجيال مفيدة في تلك المسألة، نظرًا لأن العدمية والاكتئاب والشعور بفراغ الحياة من معانيها هو مرض أصاب الجيل الحالي من الإنسانية كما أشار فكتور فرانكل في بداية هذا المقال، في حين أن الأجيال السابقة كان لديها رؤية أكبر للحياة والعالم، وليست مجرد رؤية سحرية مبنية على مجموعة من الخرافات كما يظن البعض، وإنما رؤية ذات أسس منطقية شديدة الصرامة والصلابة.
العدمية إذًا هي مرحلة انتقالية بين الانغماس في توافه الأمور وبين إبصار المعاني السليمة للحياة.
خلاصة الأمر:
الانغماس في الأمور الشخصية فقط يدل على نوع من الأنانية، وهو يمثل نظرة سطحية للحياة، ويحجبنا عن رؤية الأمور الأكبر والأهم. توقف عن الاهتمام فقط بالأمور التي تؤثر فيك على نحو شخصي والتي تتفاعل معها بشكل مباشر، وابدأ في التفكير في الأمور التي قد تكون مهمة للإنسانية عمومًا، أي تجاه ذلك الذي يعبر عن ارتقاء الإنسانية؟ أين هي الإنسانية الآن من هذا الطريق؟ ما الذي بإمكانك أن تفعله كي تدفع المحيط من حولك على ذلك الطريق؟ قد تؤدي بك هذه التساؤلات إلى ممارسة نفس نوعية الحياة التي تعيشها الآن، ولكنها في هذه الحالة ستكون على اتصال بالشيء الأعظم الذي تهدف إليه، ستكون مرتبطة بالمسار الأكبر للإنسانية.

