الدين والدولة الحديثة:
ربما تكون علمانية الدولة واحدة من أهم المرتكزات، إن لم تكن الأهم على الإطلاق، في خطاب الحداثة السياسية الذي تتداوله النخب السياسية في عالمنا العربي. وتعني علمانية الدولة الفصل الكامل بين الدولة كجهاز إداري وسياسي وبين أي انتماء ديني أو مذهبي. ويفترض بهذا الفصل أن يحافظ على حياد الدولة تجاه مواطنيها من أتباع الأديان المختلفة، كما يفترض أنه يحمي المواطنين الخاضعين لسلطة الدولة من إمكانيات توظيف فكرة المقدس في التدافع السياسي الطبيعي، الذي يقوم على إدارة المصالح المتعارضة والمتنوعة بطبيعة الحال، وفي عملية تطبيق القانون.
ويمكن تفهم هذا الإلحاح من فكرة الحداثة السياسية، التي نشأت وتطورت في أوروبا خلال عصريَ النهضة والتنوير، ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين، على المفاصلة مع الفكرة الدينية إذا وضعنا في الاعتبار تاريخ الصراع الاجتماعي والاقتصادي الأوروبي خلال العصور الوسطى، والذي كانت الكنيسة الكاثوليكية طرفًا فاعلًا لا يمكن تجاهل دورها فيه. فقد كان التوظيف السياسي لسلطة الكنيسة الدينية واحدة من أهم العقبات أمام تطور فكرة الدولة بالمعنى الحديث، إذ كانت الكنيسة حليفًا أساسيًا لطبقة الإقطاعيين الذين سيطروا على مساحات ممتدة من الأرض، واحتفظوا لأنفسهم بصلاحيات واسعة تقوِّض من صلاحيات الملوك الأوروبيين وتُلجئهم في أغلب الأحوال إلى استرضاء أصحاب الإقطاعيات في حالة رغبتها الدخول في حرب أو اتخاذ أي قرار سياسي كبير، حيث يمدها هؤلاء الإقطاعيون بالمال اللازم، وكذلك بالجنود، من خلال تجنيدهم لسكان إقطاعياتهم التي يملكون كافة الصلاحيات عليها. كما ألجأ هذا التحالفُ بين الكنيسة وطبقة الإقطاعيين ملوكَ أوروبا خلال العصور الوسطى إلى استرضاء الكنيسة وباباواتها في حالة الرغبة في تولية أو تنحية أحد الأمراء أو الملوك. وبالتالي، وقعت السلطة السياسية -الممثلة في الملوك في ظل النظم الملكية الأوروبية في ذلك الوقت- بين شِقي الرحى: الكنيسة والإقطاع، وهو ما كان سببًا أساسيًا في استمرار الصراع بين ملوك وأمراء أوروبا خلال العصور الوسطى.
ومن ثم، لكي تتمكن أوروبا من تأسيس فكرة الدولة الحديثة؛ أي المهيمنة على كافة الصلاحيات، والتي تستطيع فرض سيادة القانون على جميع مواطنيها، وفرض سيادتها على كامل أراضيها، كان لابد لها من تفكيك الإقطاع أولًا، وتجاوز سيطرة الدين وتأثيره على الحياة السياسية ثانيًا. ومن هذا الصراع بين «الدين» و«الدولة» في التاريخ الأوربي الوسيط، نشأت فكرة علمانية الدولة كحل ضروري لتأسيس «دولة حديثة» حقيقية وفاعلة، تقوم على أساس القومية الموحدة للمواطنين، بغض النظر عن دينهم، ومبدأ القطرية أي الحدود السياسة المحددة للدولة وسيادتها.
الدولة الحديثة والاستعمار في الشرق الإسلامي:
ومع القرن التاسع عشر، بدأت أصداء فكرة الدولة الحديثة، بمعناها القومي-القطري، تتردد في العالم العربي والإسلامي، الذي كان يعيش في ذلك الوقت في ظل نظام سياسي واجتماعي مختلف كليًا، تحت السيادة العامة للدولة العثمانية. وقد كانت سيادة الدولة العثمانية على الأقاليم المختلفة متنوعة من إقليم لآخر. فمثلًا، كان هناك عدد من الأقاليم التي تتمتع بسيادة ذاتية نسبية، مثل مصر وأقاليم المغرب العربي. كذلك، كان هناك عدد من الأقاليم التي تتبع الدولة العثمانية من الناحية الإسمية فقط، مثل قلب صحراء الجزيرة العربية الواسعة التي انطلقت منها لاحقًا الدولة السعودية الحالية. ومع ذلك، فقد كان النظام السياسي والاجتماعي والقانوني في أغلب ولايات الدولة العثمانية يتمتع بعدد من السمات المشتركة، وعلى رأس هذه السمات سيادة نظام المحاكم الشرعية للنظام القضائي في هذه الأقاليم.
ولم تكن «فكرة» الدولة الحديثة على النمط الأوروبي وحدها هي ما بدأ الانتشار في عالم الشرق الإسلامي خلال القرن التاسع عشر، ولكن جاءت به ومعها جيوش الدول الأوروبية ذاتها، في حملة استعمارية واسعة، قادتها بريطانيا وفرنسا وعدة دول أوروبية أخرى، امتدت من أواسط القرن التاسع عشر -وقبله بعدة عقود في شبه القارة الهندية- وحتى منتصف القرن العشرين، حين بدأت حركات التحرر الوطني في الاستقلال عن الدول الاستعمارية. وخلال هذه الفترة الاستعمارية الطويلة، دعمت خطط «الإصلاح» التي قادها المستعمرون عددًا من التحولات الجوهرية على مستوى السياسة والثقافة والاجتماع في البلاد التي تم استعمارها. وأحد أهم هذه التحولات التي قادها المستعمرون هي إعادة هيكلة النظم القضائية والقانونية في بلادنا بحيث تناظر تلك المعروفة في أوروبا. وقد كان هناك عدد من الدوافع لهذا التحول سنتحدث عنها لاحقًا. المهم هنا هو أن هذه «الإصلاحات» أو التغييرات كانت ترتكز بشكل أساسي على نفس المفهوم المركزي عن «علمانية الدولة» التي تفترض ضمنًا ذلك الصراع بين «الدين» أو «المؤسسة الدينية» من ناحية، و«الدولة الحديثة» من ناحية أخرى. لقد كان هذا الصراع المستمَد أساسًا من التاريخ الأوروبي والخبرة الأوروبية في العصر الوسيط هو الأساس الجوهري لفكرة علمانية الدولة، والتي فرضت نفسها على إصلاحات القرن التاسع عشر بشكل كبير في أقاليم الدولة العثمانية التي تم استعمارها، باعتبار أنها من الأسس الضرورية لتأسيس الدولة، وهو نفس الخطاب الذي تتبناه النخب السياسية العربية حتى يوم الناس هذا.
وهنا يأتي السؤال المركزي الذي يطرحه هذه المقال: إلى أي مدى كانت علاقة الدين بالدولة في تاريخ العالم العربي أو عالم الشرق الإسلامي مشابهة لنفس العلاقة بين الدين والدولة في أوروبا العصر الوسيط؟ إلى أي مدى كان الدين في عالمنا العربي والإسلامي في صدام مع مشروع الدولة كما حدث في تاريخ أوروبا، بحيث يستدعي نفس النموذج السياسي، وإلى أي مدى كان هذا الصدام بين «الدين» و«الدولة» ضروريًا بالنسبة لنا؟ أو بمعنى آخر: هل نحن في حاجة إلى تطبيق النموذج الأوروبي بحذافيره؟
تاريخ المحاكم الشرعية:
يقودنا هذا السؤال المحوري إلى النظر في تاريخ يكاد يكون مجهولًا في ثقافتنا المعاصرة، وهو تاريخ المحاكم الشرعية التي كانت عصب النظام القضائي والقانوني في أقاليم الدولة العثمانية كما أسلفنا، لعدة قرون قبل مجيء الاستعمار في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولعلها قد تكون مفاجأة لكثير من القراء أن المحاكم الشرعية ظلت تعمل في مصر حتى منتصف القرن العشرين، ولم يتم إلغاؤها إلا في عام 1955 بعد ثورة يوليو بعدة سنوات، ضمن مجموعة كبيرة من الإصلاحات والتغييرات التي قادها النظام الناصري في مصر. وكثير من قراء التاريخ المصري الحديث لا يعلمون أن المحاكم الشرعية؛ أي التي تعتمد على الشريعة الإسلامية في أحكامها، كانت قائمة وفاعلة في مصر أثناء الثورة العرابية عام 1881، وأثناء ثورة 1919، وأثناء كتابة دستور 1923 الذي يعده الكثيرون نقطة النور الليبرالية في التاريخ السياسي المصري، وكذلك أثناء ثورة يوليو 1952 وحتى عام 1955.
وخلال كل هذه المحطات التاريخية المحورية في تاريخنا المصري المعاصر، كان القضاة الشرعيون وموظفو المحاكم الشرعية المختلفون، مثل الكتبة الشرعيين والمراقبين القضائيين، كانوا جميعًا جزءًا أصيلًا من النظام القضائي والقانوني المصري، وموظفين رسميين في نظارة الحقانية (التي هي وزارة العدل الآن). ولعله من الطريف التذكير

بالمشهد الختامي في الفيلم الأشهر للفنان أنور وجدي والفنانة الجميلة فيروز –فيلم دهب– حيث أُحيلت قضية الطفلة دهب في النهاية إلى المحكمة الشرعية للفصل في بنوة الطفلة، التي أرادت أسرتها استردادها من حاضنها ومربيها. في ذلك المشهد، تجد أن القضاة الجالسين على المنصة هم من «المشايخ» أي من الفقهاء الذين يعتمدون على أحكام الشريعة الإسلامية في فض النزاعات وفصل القضايا المنظورة أمامهم. لاحظ أن فيلم دهب من إنتاج عام 1953، وهو ما يعني أن هذه المحاكم كانت تعمل بانتظام حتى قبل شهور قليلة من إلغائها عام 1955.
هل الشريعة قانون ديني؟
وربما يكون أحد أسباب -أو ربما نتائج- غياب تاريخ المحاكم الشرعية من ثقافتنا المعاصرة ومن تصوراتنا عن طبيعة النظام القضائي في مصر وتاريخه، هو شيوع النظر إلى الشريعة باعتبارها «قانون ديني»، أي قانون يفترض في نفسه القداسة وأنه صادر عن الله وبالتالي لا يجوز تغييره. ولعلها تكون مفاجأة أيضًا للبعض أن هذا المفهوم عن الشريعة غير حقيقي، ولم يظهر إلى الوجود إلا في الربع الأول من القرن العشرين، وكأحد نتائج سياسات الاستعمار البريطاني في مصر.
فكما أسلفتُ سابقًا، جاء الأوروبيون إلى مصر والعالم الإسلامي بشكل عام، مُحملين بخبرتهم الخاصة مع الدين، الذي كان يجب إقصاؤه في أوروبا لتأسيس الدولة، وبالتالي كانت خططهم «الإصلاحية» تستبطن هذا المفهوم في حالة العالم الإسلامي كذلك. أي أن تصورات المستعمرين البريطانيين والفرنسيين عن النظام القضائي في مصر -الذي كانت المحاكم الشرعية أهم أركانه- وعن الدين الإسلامي بشكل عام، تشكلت من خبراتهم السابقة عن الصراع بين الكنيسة المسيحية الكاثوليكية والدولة الحديثة في عصر النهضة الأوروبي. وقد تجلت هذه النظرة إلى الإسلام في أعمال المستشرقين الأكثر تأثيرًا في القرن التاسع عشر، من أمثال: «جوزيف شاخت» و«إجناس جولدتزيهر» وغيرهم، وهم المستشرقون الأوروبيون الذين تركزت أبحاثهم وكتاباتهم على دراسة الشريعة الإسلامية. في أغلب هذه الأعمال، تركزت النظرة إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها «قانونًا إلهيًا» أو «قانونًا مقدسًا» يعتقد أهله فيه العصمة وأنه غير قابل للتغيير، على غرار تعاليم الكتاب المقدس والقوانين الكنسية. هذه النظرة الاستشراقية للشريعة الإسلامية هي التي اعتمدت عليها السلطات الاستعمارية في محاولاتها فهم النظام القضائي وطريقة عمل المحاكم الشرعية في مستعمراتهم الجديدة في الهند ومصر والجزائر وغيرها.
ومن هنا كانت أجندة «الإصلاح» التي قادتها السلطات الاستعمارية عادةً ما تضع إلغاء المحاكم الشرعية كأحد أهدافها الكبرى. في أحد النشرات الشهيرة في نهاية القرن التاسع عشر، تحدث الشيخ رشيد رضا، التلميذ الأشهر للشيخ محمد عبده ومُنشئ جريدة المنار، أن الغالبية العظمى من الناس تستشعر رغبة البريطانيين في إلغاء المحاكم الشرعية، وأن هدفهم في ذلك تفكيك الرابطة الدينية التي تجمع المجتمعات الإسلامية. وبعبارة أكثر وضوحًا من عبارة الشيخ رشيد رضا، وكما صرح اللورد كرومر، المعتمد البريطاني الأكثر تأثيرًا في تاريخ احتلال مصر، كانت المحاكم الشرعية هي الحلقة التي تربط الأقاليم الإسلامية المختلفة بالدولة العثمانية، وبالتالي كان تفكيكها ضروريًا لقطع الصلة بالمركز العثماني، وهو ما حدث بالفعل في عام 1914، عندما أعلنت السلطات البريطانية الحماية على مصر مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وبالتالي انفصلت مصر نهائيًا عن السلطنة العثمانية، وكذلك انفصل نظامها القضائي عن القضاء العثماني الرسمي.

الشريعة «نظام قانوني»:
ولعدة أسباب، شاعت النظرة إلى الشريعة باعتبارها «نظامًا للتفكير الديني» بين عامة الناس، خاصة بعد أن أُلغيت المحاكم الشرعية تمامًا، ولم يعد هناك تطبيق فعلي يمكن للناس من خلاله فهم الطريقة التي يتم بها استخدام الأحكام الفقهية في النظام القضائي بشكل عملي. ومع تطور الصراعات السياسية وظهور الجماعات السياسية الدينية، تشوشت فكرة الشريعة تمامًا، ولم يعد من الممكن تحديد طبيعتها ولا النظر في تاريخها.
ففي عصور ما قبل الحداثة، ونظريًا إلى الآن، كان النظام المذهبي هو السائد في أوساط العلوم الشرعية؛ بمعنى أن دارس الفقه كان يدرس مادة الفقه على أحد المذاهب الفقهية المشهورة، وهي المذهب الشافعي والمذهب المالكي والمذهب الحنفي. وقد كان المذهب الرابع، وهو المذهب الحنبلي، مذهبًا غير مشهور تدرسه قلة نادرة من الطلاب حتى منتصف القرن التاسع عشر. وكتب الفقه التعليمية المهمة تنقسم في العادة إلى قسمين: الأول: وهو الأصغر، هو قسم العبادات. وهذا القسم هو الذي يصح اعتباره مجالًا للتفكير الديني، حيث يأتي فيه الفقهاء على ذكر الآراء المختلفة في موضوعات الطقوس والعبادة، كالطهارة والصلاة والزكاة وغير ذلك. أما القسم الثاني: وهو القسم الأهم والأكبر في متون الفقه، هو قسم المعاملات. وفي هذا القسم يدرس الفقهاء الآراء المختلفة في أحوال النزاعات القضائية والخلافات بين الناس. ومن أمثلة الموضوعات التي يدرسها طلاب الفقه في هذا الباب دراسة مسائل العقود (أي التعاقدات) والبيوع (أي معاملات البيع والشراء) والإجارات (أي عقود الإيجار) والوكالات (أي التوكيلات) وغير ذلك. وفي كل باب من هذه الأبواب الفرعية، تذكر المتون الفقهية التي يدرسها الطلاب مسألة من هذه المسائل، ثم تسرد عددًا كبيرًا من آراء الفقهاء المختلفة في هذا الموضوع. ويتضح من طبيعة الموضوعات في فقه المعاملات أنها تقع جميعًا في مجال التفكير القانوني، أي المجال الذي يتعلق بفض النزاعات وحل الخلافات بين المتقاضين الذين يلجأون إلى المحكمة. كما يتضح أيضًا من طبيعة المادة الفقهية، أنها لم تكن مغلقة ولا ثابتة كما تصور المستشرقون ومن نقل عنهم وكما يتخيل أغلب الناس.
فلقد كانت المادة الفقهية مادة تقوم أساسًا على التنوع، بحيث أن المسألة الواحدة يُسْرَد تحتها في العادة عدد كبير من آراء الفقهاء الذين ينتمون جميعًا إلى نفس المذهب، وبالطبع يزداد التنوع في الآراء بين الفقهاء الذين ينتمون إلى مذاهب مختلفة. صحيح أن هذه الآراء المختلفة تعتمد في الأصل على أدلة مبدئية من النصوص الدينية (أي القرآن والأحاديث النبوية) غير أنها تقدم كلها قراءات مختلفة لنفس الأدلة النصية، ولذلك تتنوع الآراء بتعدد وجهات النظر في نفس النص. كما أن هذه الأحكام والآراء المختلفة تعتمد في العادة على عدد كبير من المصادر الأخرى المستمدة من الأعراف المحلية مثلًا، وطبيعة النظام الاجتماعي الذي يتم فيه تطبيق هذه الأحكام، وخبرات القضاة الشرعيين وممارساتهم السابقة في القضايا المشابهة، وغير ذلك.
وهذه المساحة من التنوع التي سمح بها النظام المذهبي للفقه الإسلامي، وكانت أحد أهم سماته الجوهرية هي ما أطلق عليها عدد من الباحثين المعاصرين، مثل: «طلال أسد» و«بابر جوهانسن» وغيرهم اسم «التعددية المعيارية» (Normative pluralism)1. فالفكرة المذهبية بحد ذاتها -أي وجود عدة مذاهب فقهية مختلفة تقدم تصورات ومناهج تشريعية متنوعة- تُناقِض التصور الشائع عن وجود حكم واحد ونهائي هو «حكم الشريعة الإسلامية» أو «حكم الله» كما يتصور غالبية الناس الآن. بل إنه كان من الشائع أن ينتقل الفقهاء المسلمون من مذهب إلى آخر بشكل طبيعي في بعض الأحيان ولأسباب مختلفة. فالمذاهب في النهاية -وكما نحاول التأكيد- ليست سوى مدارس ومناهج مختلفة للتفكير القانوني والتشريعي. وتروي لنا أحد المصادر قصة طريفة عن فقيه شافعي كبير من القرن السابع عشر الميلادي، هو «إبراهيم بن مسلم الصمادي الشافعي»، والذي دعا الله أن يرزقه بأربعة أولاد لكي يكون كل منهم على مذهب من المذاهب الأربعة، وهو ما تحقق له بالفعل.٢
المحاكم الشرعية ونظامها:
رأينا إذن كيف كانت تصورات المستشرقين الكلاسيكيين، والتصورات الشائعة الآن أيضًا، عن «الشريعة» بوصفها «قانونًا إلهيًا» أو «قانونًا دينيًا» ليست دقيقة، وأن مادة الفقه أو مادة الشريعة (وهما كلمتان مترادفتان تقريبًا من الناحية العملية) تقوم أساسًا على التنوع في الآراء وعلى اختلاف وجهات النظر في المسائل القانونية، خاصة في باب المعاملات. السؤال الآن: إذا كانت آراء الفقهاء بهذا التنوع والاختلاف، كيف كانت تعمل المحاكم الشرعية إذن؟ كيف يستطيع القاضي الشرعي استخدام هذه المادة المتنوعة لفض النزاعات بين الخصوم المتقاضين؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب علينا أولًا أن نميّز بين موقعين وظيفيين مختلفين فيما يتعلق بمسألة الشريعة أو الفقه الإسلامي، وهما وظيفتي «المفتي» و«القاضي الشرعي». عادة ما يكون «المفتي» و«القاضي» من الفقهاء، أي من الدارسين المتمرسين للمذهب الفقهي. غير أن أدوارهما تختلف بشكل جوهري. فالمفتي أقرب إلى المستشار، يلجأ الناس إليه في المسائل التي لا يعرفونها لاستطلاع رأيه -أو رأي المذهب الذي هو عليه- فيها، ولذلك فرأيه غير ملزم لمن يسأله، والسائل مُخيّر في اتباع ما يُشير به المفتي عليه أو عدم اتباعه. أما القاضي فمهمته رسمية تتعلق بنظام الدولة وسيادتها، فهو المُفوض من الدولة بفض النزاعات بين الناس، ولذلك فرأيه مُلزم للمتقاضين المتخاصمين أمامه. وهنا يجب أن نلاحظ أن إلزامية رأي القاضي لا تأتي من كونه «يحكم بالشريعة»، ولكن من كونه المُفوض من الدولة لإقرار العدالة، أيًا ما كان القانون الذي يحكم به. وهو أمر طبيعي ومفهوم، وإلا فقدت فكرة التقاضي معناها. ونفس هذا المبدأ هو المعروف حاليا في الأنظمة القانونية الحديثة باسم (Res Judicata) وهي مفردة لاتينية تعني ببساطة أن حكم القاضي يعبر عن الحقيقة النهائية للنزاع المعروض أمامه، حتى مع وجود إمكانية لاستئناف الحكم أمام محكمة من نوع آخر، وهو ما كان ممكنًا أيضًا في نظام المحاكم الشرعية. هذا التمييز بين «المفتي» و«القاضي» ضروري لنفهم طريقة عمل المحكمة الشرعية ودور القاضي الشرعي فيها.
كما ذكرت سابقًا، تنقل كتب الفقه عددًا كبيرًا من الآراء في المسألة الواحدة. غير أنه من بين هذه الآراء المختلفة، والتي تتعرض خلال عملية التدريس للنقاش الموسع من طلاب المذهب وفقهائه، هناك بعض الآراء التي تزداد شهرتها عن غيرها، والتي يميل غالبية فقهاء المذهب المؤثرين إلى اعتبارها الرأي الأكثر موثوقية، وهو ما يسمى في اصطلاح الفقهاء «مُعْتَمَد المذهب» أي الرأي الذي يمثل التيار السائد في المذهب في هذه المسألة. وهذا الرأي هو الذي يعتمد عليه القاضي الشرعي عادة في فض النزاع. ومع ذلك، هناك عدد كبير من الحالات التي يمكن أن يوجد فيها أكثر من رأي مُعتمد داخل المذهب، وفي هذه الحالة، تكون لدى القاضي المرونة والحرية لاختيار أكثر الآراء تحقيقًا للعدالة في القضية المنظورة أمامه. وجدير بالذكر أن هذه الآراء التي تشتهر بأنها الآراء «المُعتمدة» كانت تختلف من مكان إلى مكان حسب العرف المحلي وطبيعة النظام الاجتماعي في كل مكان، حتى مع كون المكانين يتبعان نظريًا نفس المذهب.
وقد كانت المحاكم الشرعية في بداية عصر المماليك تعتمد المذهب الشافعي في القضاء. ولاحقًا، في فترة متأخرة من حكم المماليك، تم اعتماد المذاهب الأربعة في القضاء بحيث يختلف القاضي باختلاف مذهب المتقاضين. بعد ذلك، ومع بداية حكم الدولة العثمانية، اعتمد العثمانيون المذهب الحنفي في القضاء، وأصبح هو مذهب التقاضي الرسمي في غالبية المناطق التي خضعت للحكم العثماني. وساد المذهب المالكي في المغرب الإسلامي بشكل عام.
هل كان عامة الناس يفهمون هذا النظام؟
تخبرنا العديد من الدراسات المتخصصة، كدراسات «نيللي حنا» و«عماد هلال» و«خالد فهمي» أن عامة الناس في مصر العثمانية وغيرها من الأقاليم كانوا على دراية كافية بطبيعة هذا النظام. بل إن لغتنا العامية الحالية، التي هي امتداد لتطور اللهجة المصرية في العصرين المملوكي والعثماني، تخبرنا هي الأخرى بما اختزنته من الأمثال والمقولات الشعبية، أن عامة الناس كانوا يفهمون هذا النظام بشكل طبيعي ومبسط.
فما زلنا إلى اليوم على سبيل المثال نستخدم أمثلة من قبيل «كل شيخ وله طريقة». وكلمة «طريقة» المشار إليها هنا هي الطريقة الصوفية. وقد كانت الطرق الصوفية في العالم الإسلامي العثماني شديدة التداخل مع المذاهب الفقهية، بحيث أن بعض الطرق الصوفية ارتبط اسمها بمذاهب فقهية معينة. ويعني المثال هنا الإشارة إلى فكرة التنوع في الطرق والمذاهب، حتى فيما يتعلق بالمسائل الدينية. وما زلنا كذلك إلى يومنا هذا نستخدم عبارة: «ماتبقاش حنبلي» وهي تحمل معنى النهي عن التشدد. ويشي هذا المثال الأخير بأن العامة من الناس كانت تفهم أن صاحب المذهب الحنبلي ربما يكون متشددًا في مسألة ما، لكن نفس المسألة تحتمل رأيًا آخر قد يكون أكثر تساهلًا يمكن أن نجده في مذاهب أخرى. وهو ما يتوافق أيضًا مع المعنى الذي تشير إليه صيغة الطلاق التي كان يستخدمها الناس حتى بدايات القرن العشرين، بقول أحدهم لزوجته «أنت طالق شافعي ومالكي»، ويقصد بهذه الصيغة إنجاز الطلاق بشكل نهائي وقاطع. ويشي استخدام هذه الصيغة بأن عامة الناس كانت تفهم أن ما يقع على المذهب الشافعي قد لا يقع على المذهب المالكي، والعكس. فإذا أنجز الأمر على الطريقتين أصبح باتًا لا رجعة فيه.
لماذا لم يفهم الأوروبيون هذا النظام؟
بالنسبة للأوروبيين عمومًا، والفرنسيين بشكل أخص، بدا هذا النظام المذهبي شديد السيولة. وقد تكون من عجائب التاريخ وسخريته في نفس الوقت، أن الانتقاد الأساسي الذي وجهه البريطانيون للمحاكم الشرعية في الهند عند بداية استعمارهم لها أن نظام الشريعة الذي تعتمد عليه نظام «شديد التساهل»، وأنه «ليس رادعًا بشكل كافٍ للمجرمين» -وهو عكس الصورة التي يتخيلها أغلب الناس عن حكم الشريعة- حيث كانت المحاكم الشرعية بشكل عام تتوخى الحذر الشديد في إثبات الإدانة لأي متهم، خاصة في المسائل الجنائية، كالقتل والسرقة، وهو ما جعل نسبة حالات الإدانة قليلة في أغلب الأحوال، لتجنب الإدانة الخاطئة وتوقيع أحكام على أشخاص أبرياء.
أما بالنسبة للفرنسيين، فقد كانت لديهم تجربة مهمة وذات دلالة مع المحاكم الشرعية في الجزائر بعد استعمارها في منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا. فقد وجد الفرنسيون أن نظام المحاكم الشرعية في الجزائر يعطي مساحة تقديرية كبيرة للقاضي الشرعي، بحيث يمكن أن تكون أحكامه مختلفة في القضايا المتشابهة، وهو ما يتعارض مع تصور الفرنسيين عن «فكرة القانون». فالقانون بالنسبة للفرنسيين تحديدًا، يشير بالأساس إلى مدونة ثابتة من الأحكام، يتم تطبيقها في كل الحالات بغض النظر عن الاختلافات التي قد تنشأ بين قضية وأخرى. ولذلك، كان «إصلاح» المحاكم الشرعية في الجزائر بالنسبة للفرنسيين يعني توحيد الأحكام من خلال مدونة أحكام ثابتة. وبالفعل، اختار رجال القانون الاستعماريون الفرنسيون، بقيادة قانوني فرنسي معروف إسمه «مارسيل موراند»، كتابًا مركزيًا في الفقه المالكي، هو كتاب «مختصر خليل بن إسحاق الجندي»، وترجموه إلى الفرنسية وألفوا بناءً عليه مدونة ثابتة للأحكام ليلتزم بها القضاة الشرعيون في محاكمهم.
ما حدث في النهاية هو أن هذه التجربة لم تأتِ بالنتائج التي توقعها الفرنسيون، بل على العكس. لقد زادت المشكلات التي كان النظام القضائي يعاني منها. ولاحقًا، اعترف «مارسيل موراند» بأنه اكتشف أنه هو وكل القانونيين الفرنسيين الذين عملوا معه، لم يفهموا النظام القضائي الشرعي على الوجه الصحيح. وأنهم كانوا متأثرين بشدة بمفهومهم الأوروبي الذاتي عن القانون بحيث اعتبروا أن أي نظام مختلف عن هذا النظام الذي يعرفوه يعتبر نظاما «متخلفًا» وغير «متحضر» بدرجة كافية. وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى الفكرة التي طرحناها في مقدمة هذا المقال عن التجربة الأوروبية فيما يخص مسألة الصراع بين «الدين» و«الدولة».
خلاصة:
لقد كانت التجربة التاريخية لأوروبا العصور الوسطى هي الإطار الذي نشأت فيه المفاهيم السياسية عن الدولة الحديثة والمواطنة وأنظمة الحكم وعلاقة الدين بالدولة وغير ذلك. وبالفعل، حققت هذه المفاهيم السياسية إنجازات كبيرة في السياق الأوروبي الذي نشأت فيه. غير أننا بحاجة إلى قراءة تاريخنا الخاص بشكل دقيق لفهم طبيعة مشكلاتنا ومن ثم إنتاج مفاهيمنا ونماذجنا السياسية الخاصة التي تتناسب مع سياقنا الاجتماعي والتاريخي.
تحديدًا، يدعو هذا المقال إلى تبني علاقة مختلفة بين الدين والدولة أكثر انسجامًا مع تاريخنا القانوني والاجتماعي ومع مشكلاتنا الواقعية الراهنة. وكذلك، يدعو هذا المقال إلى فهم أعمق لنظام المحاكم الشرعية، ومراجعة التصورات السائدة عن «الشريعة» والتي لا تمت بصلة للتاريخ الفعلي للممارسة القضائية في المحاكم الشرعية. والفهم الذي نقدمه للشريعة في هذا المقال، يختلف بشكل جذري عن تلك المفاهيم التي تتداولها الجماعات الدينية، والتي بدورها تُنشئ الصراع المفترض بين «الدين» و«الدولة». تلك المفاهيم المغلوطة تقدم الشريعة باعتبارها «قانون ديني» أو «قانون إلهي»، بينما تطلعنا قراءة تاريخ المحاكم الشرعية على غير ذلك. فقد كان نظام المحاكم الشرعية، التي ظلت تعمل بكفاءة في مصر حتى منتصف القرن العشرين، نظامًا يتسم بالمرونة ويعطي مساحة تقديرية كبيرة للقاضي لتحقيق العدالة، وهو ما يحتاجه بشدة نظامنا القانوني المعاصر، وخاصة في قضايا الأحوال الشخصية، كقضايا الوصاية على القصر في حالة الطلاق على سبيل المثال. ففي مثل تلك القضايا، ينشئ اتباع قانون موحد في كل الحالات مشكلات لا حصر لها يعرفها ممارسو القانون والمتقاضون في مصر جيدًا، وتنشأ هذه المشكلات بسبب التنوع والاختلاف الكبيرين بين كل حالة وأخرى وبالتالي لا يمكن للقانون الموحد «القانون بالمفهوم الغربي» أن يحقق العدالة في كل الحالات المختلفة.
باختصار، يلفت هذا المقال النظر إلى درس التاريخ الذي يعلمنا أن استهلاك نفس المفاهيم الجاهزة التي فُرضت علينا عن طريق الاستعمار الأوروبي للمنطقة العربية والإسلامية لم يأت إلا بمزيد من المشكلات التي مازلنا نعاني منها حتى الآن في هيئة نزاعات إقليمية دامية، وتردي سياسي واجتماعي وثقافي واضح. والأمثلة من حولنا عديدة.. فطوال قرن كامل، لم تتوقف القوى العالمية الكبرى عن فرض نماذجها السياسية الجاهزة على شعوبنا باعتبارها حلولًا كونية وممثلة وحيدة للحضارة وواجبة النفاذ في كل زمان ومكان. ولم تُثمر هذه النماذج الجاهزة والمُعدة مسبقًا في النهاية سوى صراعات وأزمات لاحصر لها، في العراق وسوريا وليبيا والسودان وغيرها من بلادنا.
ولعل الأحداث الفلسطينية الأخيرة قد كشفت لنا كيف أن ذلك الخطاب عن الديمقراطية والمساواة والحريات لم يكن إلا وسيلة الدول الكبرى للهيمنة والاستغلال ومواصلة المشروع الاستعماري الذي توهمنا أنه من الماضي، بينما هو مستمر وممتد حتى الآن. وهو ما يتطلب منا فهم طبيعة مشكلاتنا على حقيقتها، دون أن نقوم كما هو معتاد بصياغة مشكلاتنا من خلال أعين الغرب وتصوراته عن هذه المشكلات وحلولها المقترحة.
مصادر:
1 Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity, 244.
٢ محمد أمين المحبي الحموي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (بيروت، دار صادر، بدون تاريخ) الجزء الأول، صفحة 48.
هذا المقال بدعم من منحة آفاق






0 تعليق