20 يوليو 2025

كيف نعيش في حاضر لا يُحتمل؟

كيف نعيش في حاضر لا يُحتمل؟

كيف نعيش في حاضر لا يُحتمل؟

“علينا أن نتواءم، ببطولة، مع فكرة أن السلام والفرح وما يسمى السعادة، أمور تعود إلى عصور أخرى: في الماضي أو في المستقبل ولكنها ليست في عصرنا. لقد دخل عصرنا، منذ أمد طويل، مدار العذاب” 

–  نيكوس كازانتزاكس، تقرير إلى غريكو

مقدمة 

يحفل عالمنا الحاضر بالكثير مما يشجع على الهروب منه، تزداد الحياة اليومية صعوبة ويزداد العالم اضطرابًا وجنونًا بمرور الساعة، ويحتاج الفرد المعاصر إلى التعامل مع قلق تغذيه باستمرار مصادر شخصيّة ومحليّة وعالميّة. مهما قلّ تركيزك وغاب إصرارك على متابعة ما يجري في العالم تستشعر أن ثمّة أمر ما خطأ رغم ذلك، سواء من خلال ارتفاع درجات الحرارة -أو انخفاضها- أكثر بكثير من المعتاد، أو من خلال تجهّم المارة وشجار العابرين على أتفه الأسباب كأنما واتتهم الفرصة أخيرًا لانفجار كانوا يتحينون لحظته؛ أما إذا كنتَ مهتمًا بالعالم وأحداثه أو تشغلك قضيّة ما، فأضف إلى ما سبق خليطًا من مشاعر العجز والغضب واليأس وما شابههم. 

من المتوقع أن يشعر الكثيرون في أجواء كهذه برغبة عارمة في الهروب والانكفاء على الذات، وأن يحاول المرء البحث عن شيء يصرف عنه بعضًا من كل تلك التنويعات من المشاعر السلبية. أحيانًا يسعى المرء إلى الهروب من المشاعر السلبيّة إما بإفقاد نفسه ملكة الوعي ولو لفترة، أو بالانغماس فيما يمنحه قدرًا كبيرًا من اللّذة يتصوَّر معه أن تخسر كفَّة الألم أو تتعادل كفتا الميزان على الأقل، وفي كثير من الأحيان يقود هذا السعي إلى شكل أو آخر من أشكال إدمان مواد أو نشاطات مختلفة، أو حتى الغرق في بحر من الذكريات المضيئة من أوقات فائتة.

المشكلة في إدمان المواد المخدّرة قد تكون بديهيّة، لكن ما المشكلة في إدمان سلوكيات ليست قاتلة؟ ما المشكلة في اجترار الذكريات المضيئة في أذهاننا أو محاولة الهروب من حاضر مؤلم؟ 

بين التذكر والتكرار 

يحضر مفهوم التكرار في ذهن كثير منّا في سياق التوق إلى فترات أو لحظات سابقة من حياتنا نذكر أنّها كانت سعيدة أو على الأقل أفضل حالًا من الحاضر فنرجو تكرارها، وبشكل مشابه لرغبتنا هذه في التكرار -رغم كونه شكلًا أكثر تطرّفًا- يستمرّ المدمن في إدمانه ويزيد من استهلاك ما يخدّره توقًا إلى شعور بالسعادة أو بغياب الحزن على الأقل، ويسعى حثيثًا إلى أن تتكرّر هذه اللحظات التي تعقب استهلاك المخدّر مباشرة، لكن كيركجارد كان لَيرى في هكذا توقٍ إشارة إلى التذكّر لا التكرار، وهو توقٌ في غير محلّه من رأيه.  

أشار سورن كيركجارد إلى مفهوم التكرار في كتابه الذي يحمل الاسم ذاته، وقد جمع فيه بعضًا من تأملاته حول المفهوم وما أرّقه من أسئلة تخصّه. ربما تساهم قراءتنا لهذّه التأملات في تكوين رؤيتنا الذاتيّة عن التكرار، وطرح رؤية مختلفة لنا عمّا ينبغي أن تكون عليه علاقتنا بالماضي والحاضر. في التكرار يُقارن الفيلسوف الدنماركي بين المفهومين بقوله: “التكرار والتذكر لهما الحركة نفسها، لكنهما في اتجاهين معاكسين، لأن ما تمّ تذكره تكرّر في الماضي، بينما التكرار الحقيقي هو تذكر في المستقبل”. يرى كيركجارد أنّ فارق الزمن ذلك هو من الجوهريّة بحيث يجعل التذكّر الإنسان تعيسًا، ويجعله التكرار سعيدًا إذا كان ثمّة سبيل إلى ذلك. من خلال تلك التفرقة وما يقترحه من تبعات لها، يكسر كيركجارد حلقة الإدمان والنوستالجيا ويوضح ما قد يكون مؤذيًا في محاولة الإنسان الهروب من الحاضر إلى الماضي، فالرغبة في الرجوع إلى لحظة ما مضت ومحاولة استعادتها بأي وسيلة طريق مضمون إلى التعاسة، والمقترح البديل هو النظر إلى المستقبل عوضًا عن الماضي. 

في الكتاب ذاته يوضّح كيركجارد أنّ التكرار لا يعني أن تُعاد لحظة ما من الماضي أو أن يستعيد المرء شيئًا ماديًا فقده بمرور الزمن. نرى في الكتاب شخصيّة محبٍّ معذَّب انفصل عن حبيبته في تماسٍ واضح مع شخصية كيركجارد نفسه وخطيبته ريجينا أولسن، ولا تفوز هذه الشخصية بالتكرار من خلال استعادة المحبِّ حبيبتَه أو حتى حبِّ جديد؛ أي تغيّرات خارجيّة لا تفضي إلى التكرار الذي يعنيه كيركجارد والذي يتضمّن عمليّة تحوّل داخليّة. “عدتُ مرة أخرى إلى نفسي؛ هنا لدي التكرار؛ أنا أفهم كل شيء… أنا نفسي ثانية. هذه “الذات” التي لن ينتشلها شخص آخر من على الطريق، أملكها مرة أخرى. هذا الشرخ الذي كان في شخصيتي، التأم. أنا موحّد ثانية”، هكذا يشرح المحبُّ أنّه حصل على التكرار حتى بعدما قرأ خبر زواج خطيبته السابقة، فما حصل عليه هو تغيّر داخلي واستعادة للذات، ما حدث ليس تغيّرًا خارجيًّا أو استعادة “لممتلكات دنيوية”، فالتكرار لا يكون ممكنًا إلا بعدما يمرّ المرء بمحنة حقيقيّة ويعبر خلالها دون قنوط أو هروب، متجاوزًا بهذا الشكل اختباره ومستعيدًا بذلك ذاته، كما فعل النبي أيوب بالصبر على محنته العظيمة. 

ما نخسره في الهروب  

لا يمنحنا عالمنا الحالي كل الأسباب للهروب منه فحسب، بل يمنحنا شتى الوسائل التي تجعل الهروب ممتعًا ولا يستلزم أي مجهود يذكر، فليس من الضروري في سبيل الهروب اللجوء للمواد المخدّرة التي تمتلك نسبة خطر عالية، يمكنك الهروب ببساطة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي لا ينتهي محتواها، أو ألعاب الفيديو التي تخلق لك عالمًا بديلًا تمتلك مساحة تحكّم أكبر فيه، أو غيرها من السلوكيات المشابهة التي تجرفنا في دوامات خيالية ببضع ضغطات لا أكثر. على الجانب الآخر، تحتاج إلى بذل مجهود شاقٍ لتبقى حاضرًا في هذا العالم، ومكافأة حضورك ستبدو أقرب للعقاب منها للمكافأة. لماذا نتكبّد العناء إذًا؟ 

يُرينا سورن كيركجارد من خلال استعراضه قصصّا إنسانيّة رمزيّة ما يمكن أن تؤول إليه حياتنا إذا اخترنا الهروب: “يقول كيركجارد إنّنا ما نفعله. فالذات ليست مادة دائمة وثابتة، بل هي مهمّة يجب تحقيقها كليًّا بوصفها تجربة بشريّة استثنائيّة للعيش في الزمن. الذات هي مهمّة قد ننجح أو نفشل في تحقيقها”، إذا اخترنا الهروب إذًا فالأمر أشبه بأنّنا نختار ألّا نكون، والانغماس في العالم هو السبيل الوحيد لألّا يفقد الإنسان احتمالية تحقيق ذاته. ليس هذا بمثابة ضمانة على أن يُحقق الإنسان ذاته إذا انغمس في العالم، لكنّنا نخسر حتى مجرد الاحتماليّة إذا اخترنا الهروب. 

يوضّح جون دي كابوتو خلاصة أخرى من خلاصات قراءته كيركجارد في شرحه لتركيز الفيلسوف الدنماركي على الجانب الذاتي والمتفرّد في فلسفته، عكس ما اعتادت الفلسفة أن تنشغل به من بحث موضوعي في الأسباب والمفاهيم الكبرى. “كان كيركجارد يحثُّنا على تحمُّل مسئولية حياتنا، وإدراك أنَّ فن الحياة يكمُن في معرفةِ ما يتوجَّب علينا فِعله في الظروف التي نواجهها وحدَنا، وفي المواقف، التي لا يمكن أن يحلَّ أحدٌ آخرُ محلَّنا فيها”. يقول دي كابوتو: دروس التاريخ مفيدة بلا شك، وما وصل إليه السابقون من حكمة قد يمدّك ببعض العلامات الإرشاديّة على الطريق، لكنّ حياتك لا يعيشها سواك، ومعرفة ما يجدر بك فعله في حياتك بظروفها الفريدة سؤال يحتاج كلّ منّا أن يجد إجابته الخاصّة عليه.  

تتبدّى قيمة الخلاصات الذاتيّة في فلسفة كيركجارد في وقتنا الحالي بشكل خاص ربما أكثر من أي وقت مضى. بالتزامن مع معاصرتنا عالمًا يوصف بالاستثنائي؛ تقدّمه استثنائي، وسرعته استثنائيّة، وبشاعته واحتكاكنا المباشر بها استثنائي أيضًا، إلا أنّ كل هذه الاستثنائيّة لا تعفينا من تحمّل مسئوليّة حياتنا من رأي كيركجارد. سواء كان زمننا استثنائيًا حقًا أو أنّ كل الأزمنة تبدو الأسوأ في وقتها، فيبدو أنّنا خلقنا عالمًا لا نحتمل البقاء فيه، لكنّ أيّ تغيير فيه لا يتطلّب هروبًا بل حضورًا، وتركيزًا على المستقبل لا إقامة في الماضي. ربما سمة أخرى من سمات عالمنا الاستثنائي تتبدّى في ظهور مستوى جديد من المسئوليّة الفردية في القضايا والأحداث الكبرى في العالم المعاصر، ربما تحتّم هذه المسئوليّة على كلّ منا أن يحاول معرفة ما يتوجّب عليه فعله تبعًا لمعطيات ظروفه الشخصيّة، على الأقل إذا أردنا الإنصات إلى تأمّلات كيركجارد العابرة للزمن.  

  • أحاول تطويع الكلمات وأجدُها أنجح من صوتي في إيصال ما يدور في خُلدي، وأحبُّ الإطلّاع على ما ينجح الآخرون من مختلف الأماكن والأزمان في تطويعه من كلماتٍ أو لقطاتٍ أو ألوانٍ أو ألحان.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا