في أي من المواد الدراسية المقدمة أكاديميًا عن تاريخ الفلسفة، لا بد أن يصطدم الدارس بعصر التنوير كونه واحدًا من أكثر العصور بروزًا وأهمية ضمن العصور الأخرى على مر التاريخ. هذا ولأنه كان أثناء ذلك العصر كان يظَن أن العالم انتقل من العصور الوسطى، حيث كان يؤدي الدين الدور الأكثر قوة وأهمية وكان اللاهوت هو أكثر المواضيع نقاشًا بين الفلاسفة بشكل عام؛ إلى عصر كان يبدأ فيه العقل واللوجوس بأن يتم رؤيتهما بأنهما الوسائل الوحيدة للوصول للحقيقة. بل ويصح لنا القول بإن الإله كان يتم استبداله بالإنسان، حيث وضع الإنسان في مكانته وكان يعتقد أن في وسعه تكمن الإمكانيات الكامنة عند الآلهة سابقًا. ويصح القول إن العلمانية كظاهرة سياسية كانت نتيجة تلك الآونة من تاريخ الفكر؛ لأن الإنسان كان من المفترض الآن أن يأخد مسؤؤلية تحرره على عاتقه وعليه أن يأخذ زمام الأمور بين يديه.
وفي نفس ذات المادة الدراسية عن تاريخ الفلسفة، يسود وصف العصور الوسطى بأنها كانت على الأغلب متأثرة بالديانة، ومن أكثر الأسماء شهرة كانت أسماء رجال الفقه واللاهوتيين بشكل عام. فبداية بمنطقة الشرق الأوسط حيث كان الإسلام في ازدهاره في العصر الذهبي للإسلام، مع أسماء مثل الغزالي وابن رشد والكندي والفارابي، الذين كانوا بدورهم متأثرين في تأويلهم الديني بترجمات أعمال أرسطو، ومرورًا بأوروبا حيث كانت أسماء أكثر بروزًا مثل القديس أوغسطينوس والقديس أنسلم وآخرين كانوا يقدمون رؤى أخرى لتأويل المسيحية، وألقوا الضوء على جوانب أخرى لذلك التأويل حيث برزت منهجية استخدام الحجج المنطقية لإثبات وجود الإله، وكان ذلك هو جزء من موجة الفكر السائدة عند الفلاسفة في هذه الفترة من الزمن.
ويمكن إرجاع جذور الفكر الفلسفي التابع لعصر ما بعد الحداثة إلى القرن التاسع عشر إلى فلاسفة مثل نيتشه، الذي كان بشكل كبير معاديًا لعصر التنوير، وكان يسعى بشكل كبير لانتقاد قيم ذلك العصر. ذلك لأننا نجد في فكر نيتشه كلًا من عدم الثقة في الأديان متمثلًا في عبارات شهيرة وأقوال مأثورة له مثل موت الإله، وأيضًا التشكيك في فلسفة الأخلاقيات ككل وفي العقل كوسيلة للوصول للحقيقة، ونجد أيضًا عنده بوادر النسبية والمنظورية النيتشوية اللتين ستكونان جانبين ذاتا أهمية جمة في الفكر ما بعد الحداثي. قد يصح القول بإنه يمكن رؤية ما بعد الحداثة على أنها رد فعل للعصر الحديث، بل وناتج عقلاني ومنطقي لعصر التنوير، بمعنى أنها نظرة تسعى للتشكيك والانتقاد لكل من المجالات المختلفة من الإنسانيات من زوايا مختلفة، وأنها تسعى لهدم كل ما هو قابل لاستقبال أدنى قدر من الشك.
ففي الرؤية المرتبطة بما بعد الحداثة العقل يعتبر أسلوبًا آخرًا من التفكير وهو يؤدي إلى نوع محدد فقط من الاستنتاجات، ولهذا فقد يُثار النقاش بأن العقل هو بنية قابلة للاستبدال وأن أشياء أخرى قد تحل محله. واللغة التي نستخدمها هي أيضًا بنية أخرى حيث كلماتها التي نستخدمها هي معرفة باستخدام كلمات أخرى وهي أيضًا بدورها معرفة باستخدام كلمات أخرى، ومن ثم فإننا لا نصل إلى المعنى النهائي للكلمة، ولكنه دائمًا ما يتم تأجيله حتى يتم تعريف الكلمة الأخرى في سلسلة معاني. ويسمي الفيلسوف الفرسني جاك دريدا تلك العملية بـ(Différance). ويعد البحث عن قيمٍ موضوعية أمرًا عديم الجدوى من الفلاسفة حيث تؤثر «ميتافيزيقا الحضور» دائمًا على أسلوب التفكير الذي يعتمد على الاعتقاد بأنه يوجد طريقة اتصال مباشرة بالحقيقة أو بـ«عالم المُثُل» الأفلاطوني. حتى يعتبر العلم وأسلوب التفكير العلمي سردية أخرى حيث يُعتقد بأن الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها هي أيضًا مقررة من قبل سلطات معينة وبالتالي فهي أيضًا غير نزيهة، وأن طريقة التفكير التي تقام على أساسها المنهجية العلمية محددة وفقًا لبعض المبادئ. ويتم التقليل من شأن أصحية السرديات الأيديولوجية المرتبطة بتقدم التاريخ والفلسفات السياسية المتعلقة بخلاص البشرية مثل الماركسية أو الليبرالية كونهم أشكالًا من النظم الاجتماعية أو الاقتصادية المثالية. وعلى المستوى العام، لا يتجنب أي وجه من أوجه الحياة تطبيق النقد عليه، ولا يوجد أي نوع من الحقيقة الموضوعية، ولا حتى يمكن قبول العقل أو العلم كمشاريع منحت مكانة إلهية في عصر التنوير، وهم بالتالي أيضًا خاضعون للشكوكية.
وفي عالم حيث لا تعد الحقائق النهائية ذات صلة، ولا يمكن إعطائها السلطة النهائية، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن الدور الذي يؤديه الدين في الساحة العامة للفكر. ومن الأسئلة المبررة هو ما إذا كانت الديانة تؤدي دورًا ذا أهمية منذ أسلاف الزمن، أم هل ضعف دورها اليوم؟ هل يقمع مفكرو ما بعد الحداثة كل السرديات السابقة عن تحرك التاريخ وتقدمه بنقدهم الفاحص والمتمعن؟ أم هل بفعلهم ذلك يفتحون طريقًا بدون دراية لدخول الديانة للساحة العامة التابعة للنقاش الفلسفي والاجتماعي، تقديمًا لسردية راسخة وبنفس ذات القوة كأي من السرديات الأخرى التي تصبغ حيوات الناس بالمعنى؟
السؤال الذي يتم طرحه بشكل تلقائي هو ما إذا كان يضعف دور الديانة أكثر فأكثر بسبب شكوكية ما بعد الحداثة المهيمنة، أو ما إذا كانت الديانة تمر بتحول على الصعيد الاجتماعي من حيث استقبال الناس لها؟ يجادل الكثير من علماء الاجتماع عن أنه في عالم ما بعد حداثي فيه تتعرض هويات الناس بشكل متزايد إلى التساؤل والتحطم، يمكن رؤية الديانة على أنها منبع غني بالمعنى وبإمكانه أن يقوم بإرشاد حيوات الناس.
من ظواهر ثقافة ما بعد الحداثة هي العولمة وأنها قائمة على انتشار وسائل الإعلام بغزارة. يقول ديفيد ليون، وهو أحد علماء الاجتماع المشهورين، إنه على عكس مفهوم أن ثقافة شعب ما هي متأصلة في تراثه؛ في العصر ما بعد حداثي يصبح الناس أحرارًا في تشكيل هويتهم باختيارهم من مجموعة متزايدة من الاختيارات المقدمة من مختلف الثقافات. ويقدم ليون أيضًا طرحه بأن الديانة أصبحت منفصلة عن سلطتها المؤسسية أكثر فأكثر، مع انتشار وظهور أساليب جديدة للخطاب الديني مثل التبشير التلفازي. ويبدو الأمر وكأنه على العكس من المقولة المرتبطة بالعلمانية «فصل الدين عن الدولة»، فالرؤية المعاصرة هي أشبه بـ«فصل الدين عن الكنيسة». وعلى هذا المنوال يمكننا تخيل الطرح المقدم بأن الديانة بدورها أصبحت أكثر فردية، وهي متعلقة بشكل أكبر باختيارات الفرد الذاتية التي تعبر عما هو مهم بالنسبة له.
وحجة أخرى مناصرة لعودة الديانة للساحة العامة في المجتمع المعاصر هي قادمة من الفيلسوف زيجمونت باومان. يبدأ باومان بافتراض أنه إذا كانت ما بعد الحداثة مرتبطة بديناميكية التشكيك في المبادئ والتراث والأيديولوجيات، فرد فعل طبيعي هو أنه تم صنع فراغ أخلاقي كانت تملؤه البنيات السابقة، والذي يمكن للديانة الآن أن تقوم مكانهم. لأنه إذا كانت جميع القيم التي أتت بها الحداثة تشهد تدهورًا، فإن ما هو إلا طبيعي أن ينجذب حس الناس الأخلاقي الذي تشظى وتحطم إلى المؤسسات والكيانات، التي تزعم أنها تمتلك الخبرة والمعرفة في مثل تلك المعضلات التي يتمثل حلها عند الديانات. لأنه إذا تم تفكيك سرديات الحداثة وتم التعامل معها على أنها فقط مثل أي حقائق نسبية أخرى، فما المانع أن تأتي الديانة مرة أخرى إلى المقدمة وأن تؤدي دورًا بنفس ذات الأهمية لأي من الأدوار التي أدتها السرديات الأخرى. في الواقع، ستكون الديانة كيانًا أكثر طلبًا بسبب تقديمها لما يماثل الحس الأخلاقي والغاية الأسمى للحياة.
ومن منظورٍ ما يمكن رؤية ما بعد الحداثة على أنها حركة تحررية، إن صح القول في إنها يمكن أن يطلق عليها حركة غير متحدة على الإطلاق بسبب عزوفها في أن يتم تجميعها إلى نظرية واحدة ومجموعة من الأفكار، فهي بخلاف ذلك تعتمد بشكل أكبر على مفاهيم مثل التعددية وتفكيك المؤسسات، سواء إن كانت مؤسسات مفاهيمية أو سياسية. وأننا نشهد آثارًا لتلك الحالة ما بعد الحداثية في يومنا وفي عالمنا المليء بالاختلافات المتفاقمة والشكوكية المهيمنة والشاملة. ومن منظور إتاحة أبعاد جديدة يمكن رؤية الإطارات الفكرية المختلفة منها وإلقاء ضوء جديد، فإنني أصف ما بعد الحداثة بأنها تحررية، أما عندما يتم أخذ شكوكيتها إلى الحد المتطرف، فإني أصفها بأنها عدمية، لأنها حينذاك تسعى فقط إلى أن تهدم وألا تبني من جديد.

