لا مناص لأحدهم أن يطلع على فلسفة الشرق دون أن يعبر على مصدر إلهام ثلث سكان العالم الحديث: كونفوشيوس.
ولكن عقل المريد منا يطرح نفس السؤال إذا قابل كونفوشيوس وكلماته أمامه التي عمرها –بأقرب تقديرٍ– ألفان وخمسمئة عام: هل كلمات كونفوشيوس تولى الزمن أمرها أم انتصرت على تحدي الزمن؟
لا يصلح فهم أمر كالفلسفة، دون استيعاب أبعاد نشأتها وظهورها، حتى نقترب من فهم عمق مدرسة الفيلسوف وتفكيره. ولد كونفوشيوس في مقاطعة من مقاطعات الصين تحت سلالة التشو الحاكمة، في مجتمع محاصر بحروب أهلية، تتحلل وحدته تدريجيًا نتيجة فساد النظام الحاكم وشعور أفراد المقاطعة بفروق طبقية فاحشة، مما جعلهم يفقدون ثقتهم بالنظام وبالعالم ويتحولون لمجتمع فردي، شعائره ومبادئه فاقدة لقيمتها.
أقول لنفسي: إما أني قد بدأت بالخرف في سن صغيرة أو أننا –اليوم– في نسخة متطورة، أكثر سوداوية وفردية من عالم كونفوشيوس! وذلك في حد ذاته يعطي فلسفته عمقًا أكبر مما تحمله في ذاتها.
ترك كونفوشيوس مقاطعة (لو) ساخطًا على حاكمها، باحثًا عن مهرب من الهاوية التي وقع فيها مجتمعه. اِعتقد كونفوشيوس –عكس الناس آنذاك– أن الحل لا يكمن في طرح قوانين صارمة رادعة تنظِّم المجتمع وتقَوِّمه؛ لا ريب سيخاف الناس من العقاب، ولكن الأكيد هو فقدانهم للشرف والصلاح. نتيجة لذلك؛ كان حل كونفوشيوس طويل المدى هو الفضيلة.
بالطبع الأمر قد يكون مثيرًا لبعضٍ من السخرية في عالم معاصر كهذا، لأننا نقترح أن أمرًا مِثاليًا كحُكم الفضيلة يمكن أن يمثل طوق نجاتنا من الهاوية. ولكن هنا يكمن سبب خلود كونفوشيوس وكلماته؛ لقد وضع منذ وقت يقارب بداية الحضارة الإنسانية، أُسُسَ خُلُق المجتمع المثالي، الذي تعاني منظوماتنا الحديثة من تطويع خلقه. لقد رأى أن الحاكم لا يكون اهتمامه في الأصل بصقل المنظومات والمؤسسات، والتركيز على المجتمع ككتلة؛ بل عليه أن يكون مرشدًا ومعلِمًا وأبًا ومثلَ مجتمعه الأعلى… فإذا كان الحاكم رمزًا للنور فلا مكان للظلمة بين جنبات مجتمعه.
«أن تحكم هو أن تصحح، فإذا كنت رمزًا للحق، من يجرؤ أن يظل ضالًا؟»
لقد رأى أن مهمة الحاكم لا تقتصر على مجرد توفير لوازم البقاء المادية، بل إنها تُحتم إرشاد الأفراد إلى ثرائهم الروحي، وإلى معرفة أنفسهم ومعرفة طبيعتهم وطبيعة ما حولهم؛ وذاك لأن نواياهم حينئذ ستصبح واضحة لا ريب فيها، دوافعهم لن تكون خادعة، سيكونون على وفاق مع أنفسهم، فتصبح إرادتهم مخلصة. فمثلًا، لن يفعلوا الخطأ، لبُغضهم الخطأ لا لخوفهم من العواقب؛ ستزول كل الصراعات إلا صراعهم للوصول إلى النقاء.
ولكن يبقى السؤال عن كيفية تحقيق ذلك… ما هي الإجراءات؟ كيف يحافظ الحاكم على وحدة مجتمعه وكيف يدله إلى كل ذلك؟ ما هي التعاليم؟
كونفوشيوس كان قلب فلسفته الشعائر والمراسم.
لقد آمن أنهم هم المفتاح لوحدة وصلاح المجتمع. وليس بالضرورة الربط بين مصطلح الشعائر وفعل ديني معين؛ الشعائر عند كونفوشيوس هي أي شيء يمثل مقاطعةً لكل ما هو رتيب حتى ولو لوقت قصير. ذلك يمهلنا من ناحية فردية وقتًا للتدبر واستعادة ماهية مشاعرنا الحقيقية تجاه شيء ما، وينقذنا من هول فقدان الهوية. فبشرٌ بلا هوية هم على الأغلب كائنات بائدة. من الناحية الأخرى تخلق الروابط والاندماج بين البشر، ويتآلف الأفراد مع بعضهم البعض للحظات، فالشعائر أو المراسم تسمو فيها المشاعر، وتصفو فيها النوايا والدوافع، وترشدنا إلى حسن التصرف؛ فمن صلحت سريرته صلح تصرفه. فشاي صباحك شعيرة، عيد مولدك شعيرة، حفل تخرجك شعيرة، حساء أمك الساخن عند مرضك شعيرة، حفل زفافك شعيرة، احتفال عيد استقلال موطنك شعيرة.
بشكل أو بآخر –في نظر كونفوشيوس– ذلك ما يجعل البشر بشراً.
الركن الثاني لمدرسة كونفوشيوس هو طاعة الوالدين لدرجة قد تصل بهم للتقديس والتنزيه.
الأسرة هي رمز مصغر للمجتمع؛ فتقويم التعامل ضمنها، يضمن بلا شك تقويم المقياس الأكبر. للوالدين الطاعة في الصغر، والرعاية في الكبر، والندب في فجيعة موتهم، وتعليق ذكراهم في أذهاننا لمدة حياتنا، بل لقد فضّل عدم السفر بعيدًا أو تركهم خلال حياتهم. بالطبع في مجتمع معاصر كهذا الذي نعيش فيه، لا شك أن كل واحدٍ منا لا يبرح أن ينتظر فرصة استقلاله التام. ولكن كونفوشيوس آمن أن الحياة الاخلاقية تبدأ من العائلة. لا يمكن أن نكون مراعين، صالحين، ممتنين، مستقرين، حكماء إلا عندما نتذكر عيد ميلاد أمنا أو نذهب في رحلة صيد مع أبينا. وبالتراتب إن احترمنا ولي أمرنا المتمثل في الأب، فلا ريب من احترام ولي الأمر عندما يكون حاكمًا. ففي النهاية، في دولة كونفوشيوس، ما نحن إلا أولاد كثر لأب مرشد معلم.
مايكل بويت قال ذات مرة:
لو هناك أمر واحد صحيح في القرن الواحد والعشرين، فهو أننا لسنا كما نرى أنفسنا».
«ذاتنا لا شيء، بل فوضى.
وهنا الفوضى المعنية ليست أمرًا سيئًا. لقد رأى بويت أن ما نتصور أنه ذاتنا، ما هو إلا كتل مشاعر وأفكار عن طريق استيعاب الأنماط المتكررة في المواقف.
كونفوشيوس يتفق مع بويت قبل ثلاثة آلاف عامٍ قبل مولده في هذا. ففي اعتقاد كونفوشيوس أن النفس لا تتواجد بالتراتب بعد الولادة. بل آمن بمصطلح يسمى «غرس الذات»، وهي عملية تشبه زراعة النبات، وجب فيها الاستمرارية والديمومة. فكلما اعتنينا بذاتنا وعدّلناها وقوّمناها نمت لشيء أفضل؛ ولكن مع ترك العملية بعضًا من الوقت، تبدأ العملية العكسية باضمحلال وبرود وفقدان المعنى من ذواتنا.
لنفترض أنه يتم تصنيفك كشخص سلبي، ساخر، صعب الإرضاء. بالطبع يمكنك أن تقول: «هذا هو أنا. أنا أصيل. وجب عليهم تقبلي كما أنا». لكن كونفوشيوس يعتقد أن تلك ليست نفسك الحقيقية الثابتة، وأنه يمكنك التغير بكسر تلك الأنماط التي تعتقد أنها تصنِّفك عن طريق «غرس الذات». فعلى الناحية الأخرى، باستطاعتك أن تدّعي الإيجابية والألفة والفرح باستمرار. بتلك العملية، لا مناص من أنك ستجد الفرح والإيجابية ما هم إلا خصائص مفصلية من كينونتك.
إن لم يكن هذا هو التصور الحقيقي للتحرر، فلا أدري –للأسف– ما قد يكون.
غرس الذات هو عملية شاقة لا ريب، وقد تأخذ منك عمرًا فوق عمرك. ولكن هذه كانت فلسفة كونفوشيوس: ما الحياة إلا صراع من تصحيح وتقويم النفس. وهذا يفسر احترامه كبار السن لأنهم مروا بأكبر قدر من الصراع، فهم يمثلون لب الحكمة.
نحن في عالمٍ السرعة أصبحت عنوانه… عجلة الحياة تسحق الجميع بلا هوادة… فقدنا المعنى من كلمات كثيرة… فقدنا هويتنا… فقدنا أنفسنا. الحداثة قد أعمتنا عن أهمية الأصالة. قد يبدو كونفوشيوس قديم الطراز بعض الشيء، ولكن ذلك ما يجعل كلماته لا غنى عنها لترشدنا إلى نفوس مستقرة، ومجتمع كأسرة، وإرادات مخلصة، وإلى الرضا –أعظم غايات الإنسان– في النهاية. فلا بأس بترك الباب مفتوحًا بعض الشيء لقدْرٍ من الكونفوشية في حياتنا من وجهة نظري.

