Site icon فلسفة بالبلدي

قدِّم حسابًا لحياتك: هل أنت حقًا حي؟

تدفعنا فترات الأزمة والصدمات إلى الوقوف لوهلة، لوهلة لطالما أجلنا الوقوف لأجلها، والتساؤل بجدية عن سبب ما يحصل، وهو سؤال ينبع من أعماقنا بسبب شعورنا بالقهر وقلة الحيلة، وأنا أرى أن الأزمة المالية العالمية التي عمت الأرض ولم ينج منها أحدًا هي فرصة جيدة لإعادة التفكير في كل شيء. نعم، إن كل الخطابات السياسية الآن لا تنفك عن الحديث عن السلم المحلي والاستقرار الإقليمي والدولي، ولكن إلى أي مدى هذا السلام المروج له هو سلامٌ حقيقي، وليس مخدر لمشاعر العنف والتطرف الذين قد يصحوان في أي لحظة، كما في انقلاب طالبان، أو حرب روسيا وأوكرانيا، وجائحة كورونا، ولا نعلم ما يخبئ لنا المستقبل بعد!

إن كانت تشير تلك الصدمات لأي شيء، فالراجح في ظني أنها تشير إلى أن العالم ليس على ما يرام، وأننا جميعًا نعاني من شيء ما شديد العمق بداخلنا يدفعنا جميعًا للتخبط على هذا النحو، ويدفعنا أكثر نحو المعاناة: شيء أصيل في حياتنا، نغفل عنه ونبحث عن أسباب المشكلات في أي شيء آخر عداه هو: أنفسنا. يطرح «هنري ديفيد ثورو» سؤالًا بخصوص نمط الحياة الخاص بنا: هل نحن فعلًا أحرار في هذه الحياة عندما ننفق حياتنا في أشياء لا تعنينا، وفوق ذلك لا نرى لأنفسنا حتى خيارًا في ذلك؟ إننا جميعًا نعمل لأن «الضرورة» حتمت هذا، ونعيش حياة هزيلة مخادعة عندما نحاول أن نحصل على ما نريد في الحياة تحت شعار «القانونية»، التي هي ليست سوى الطريقة المقبولة بشكل عام لإهانة أنفسنا، فعلينا أن نظهر قدرًا من الاحترام لأنفسنا بين الناس حتى يقبلونا، ولكنا قد نهينها بطرق قانونية أيضًا لأجل الحصول على ما نريد. ثم يقول أن حتى نشاطات مرح الإنسان ليس بها أي مرح، فأنت عزيزي القارئ، ربما تقرأ هذا المقال الآن تسويفًا لمهمة لا تريد فعلها، مختلسًا، أو ربما سارقًا ساعة أو ساعتين ممن أنت مديونٌ لهم، تقوم فيهم بأن تُنسي نفسك حجم المعاناة التي أنت فيها، وما أكثر نشاطاتنا التي نقوم فيها بأفعال مماثلة تكون إما إلهاءً لأنفسنا عما هو ضروري حقًا، أو اختلاسًا وسرقة لوقتٍ لم يعد ملكنا. فيتخيلنا هنري ديفيد ثورو ونحن على فراش الموت نتجنب سؤال أنفسنا عما فعلناه طيلة حياتنا، وما إذا كنا قد عشنا حقًا، بإلهاء أنفسنا بفعل أشياء تافهة.

فيقول ساخرًا: أنتحدث عن آيات الله في الإنسان؟ أي آيات في أن يقوم المرء من النوم يذهب إلى العمل بالنهار ويعود بالليل ثم يكرر تلك العملية طيلة حياته فيصير يعمل كالتروس في الماكينة؟ ما هي أهمية مصيره الإنساني مقارنة بالحمولة التي تأخر في إيصالها؟ وشخصيًا أعرف أحد أرباب الأسر الذين يعيشون حياة لطالما أشعرتني بالحزن، ولطالما عجزت عن فهمها. إني لم أر هذا الأب يضحك من قلبه أبدًا، ولم أره يمزح بصدق أبدًا، لماذا؟ وإني أراه حتى في بيته يقوم بمهام عمل إضافية حتى يجني راتبًا أعلى، وكل علاقته بزوجته هو أن تحضر له الطعام، وإني كلما نظرت إليه وجدته يشاهد مباريات الكرة، وكيف لي أن أشرح الطريقة التي يشاهد بها تلك المباريات. إنها الفعل المحوري في حياته، إنه مستعد لأن يترك ضيوفه، لأن يتجاهل أي مشاجرة عائلية، لأن يتجاهل أي طلب مساعدة من أي فرد في البيت؛ إنه يتجاهل أفراد المنزل كلهم، بدواخلهم وبأفعالهم، فقط لكي يشاهد مباراة الكرة. إني أتساءل إن كانت تلك هي «هوايته»، و«ترفيهه». خصوصًا وأن حالته الصحية تزداد سوءًا، ولكنه يتجاهل قلق أولاده وزوجته، ويتابع المباراة. هل ترى، عزيزي القارئ، أي آيات لله في هذا؟ أم أنك تشعر مثلي بالحزن؟

كل هذا يدفعني لأن أعيد التساؤل بطبيعة علاقتنا، ليس بالمال وحده، بل بالعالم كله. إني أسأل عما هو مهم فعلًا في هذا العالم. إنه أن يستمر المرء بالعيش على هذا النحو لهو أمر يدعو للحزن ويثير الشفقة، فأي «إنسانٍ أعلى» يمكن أن يظهر من هذه الحياة؟ إن التشتت النفسي والضياع الذي يميز نمط حياتنا يشير لنا عن أكثر مشاكلنا ألمًا، إن مشاكلنا لن تحلها سياسات السلام العالمي، وأزمة المناخ لن يحلها المؤتمر العالمي للمناخ رقم ثمانية وعشرين أو حتى ثمانية وخمسين. بل إن كل ذلك تشير لنا على أكثر الأشياء رعبًا، وهي أن يبحث المرء عن أصل المشكلات بداخله، هل أحب نفسي حقًا، فأقدر على أن أحب غيري؟ لماذا أحب غيري وأنا لا أحب نفسي؟ لماذا أحب الأرض وأنا أمقت من أعماقي المكان الذي أعيش فيه، ولا أعني حيي، ولا المحافظة التي أسكن فيها، بل أعني غرفتي. هل أعكس حقًا نظام الكون بداخلي، أم أني عبارة عن كومة من الخراب أحتاج لترتيب وتنظيف واهتمام وعناية؟ ومن يمكن أن يعتني بي أفضل من نفسي!

لا أتمنى أن تظنوا أنه في أي موضع من كلامي كنت أدعوكم للتخلي عن حياتكم والذهاب للعيش خارج المدينة في كهف أو في خيمة، بل الهدف هو «أن نعرف أنفسنا»، كما قال سقراط،  في وسط المعمعة التي نحن فيها، وأن نقدر على التمييز بين ما يمسنا، ما هو ملتصق بجوهرنا، بأعمق جزء منا، وما هو شكل، أو معطف نرتديه لأجل متطلبات الحياة الاجتماعية. وأذكر في هذا مثال «شو»، الرجل الذي يحكي لنا عنه «جوانج زي» بأنه مشوه الشكل إلى حد أننا نتساءل عما إذا كان إنسانًا حقًا. إن أرجل «شو» تمتد من الطول حتى إبطيه، وتتدلى ذراعيه من فوقهما، ولا يقدر «شو» على الوقوف باستقامة أبدًا، وهي علامة الكرامة عند الإنسان، بسبب أن عنقه متدلية حتى معدته. إن «شو» مشوه حتى فيزيائيًا، فإن أعضاءه الجسدية الداخلية ليست في وضعها الطبيعي، بل هي موضوعة في وضع معكوس عن وضعها الطبيعي. ولكن أيًا من هذا لا يمنع «شو» من عيش حياة صحية بشكل مفاجئ، فإنه وإن كان يبدو كالوحش، وقد يعني هذا أنه مهمش اجتماعيًا ومنبوذ، ولكن «شو» يشارك في جمع المحصول مع بقية العاملين، ويستطيع جمع محصول يكفي عشرة رجال، مما يعني أنه غني بفضل ذلك الفائض، وهو يجعل الآخرين يحتاجونه، فهو تقريبًا يحتكر السوق، فهو أيضًا بائع ماهر، إذ أنه يستغل شكله في جلب استعطاف الناس لتفضيل الشراء منه أيضًا. ومتى ما تمت مناداته لأداء خدمة ما، تظاهر بالتعب بسبب جسده الغريب، ويتم إعفاءه من العمل.

نحن لسنا مختلفين جدًا عن «شو» بخلاف المستوى الظاهري، ولكن حالتنا شبيهة جدًا به، فكل ما نحتاجه هو هذا القبول الاجتماعي البسيط، فهو معطف نُلبسه لأنفسنا كما يفعل «شو» لعيش الحياة الاجتماعية المطلوبة، ولكن لا أحد يعلم عن حياته الداخلية، كما لا أحد منا يعلم عن حياة الآخر الداخلية بشكل كامل. إن الإنسان الوحيد الذي يستحق أن تعرفه هو نفسك، ولن تقدر على أن تعرف شخص آخر أفضل من نفسك.

يطلب ثورو من كل فرد منا أن نقدم حسابًا عن حياتنا نسأل فيه إن كنا عشنا حقًا، وما معنى أن نعيش حقًا. هل عشنا وفق القيم التي اخترناها لأنفسنا؟ هل كنا صادقين مع أن أنفسنا طوال الطريق؟ ما الذي كنا نعبده فعلًا؟ ما هي الأفكار التي اخترنا أن تستولي علينا طيلة حياتنا؟ ما الذي كنا نمثله في الحياة؟ والكثير الكثير من الأسئلة التي لن تنتهي لأن الإنسان لم يعرف نفسه بعد، الإنسان لا يعرف بعد مقدار الممكنات التي بداخله، وعليه أن يعرفها اليوم وكل يوم.

  • طالب جامعي متعدد الاهتمامات والهوايات، من ضمنها الاستمتاع بالتمشي سائحًا تحت ستار الليل في الشوارع المشجرة الوحيدة، وسواء كنت وحدي أو مع رفيق، فأنا أشعر دومًا بدفء المعنى الذي أحمله وأراه وأنا أمشي، فبالكتابة بوثقه، بخلقه، بحميه من العدم وبوجده، وبتمنى الحقيقة تكون هي الدافع والطريق حتى لو مكانتش المصير.

    View all posts
Exit mobile version