Site icon فلسفة بالبلدي

قبض الريح: دعوة عدمية في قلب الكتاب المقدس

قبض الريح دعوة عدمية في قلب الكتاب المقدس

«بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ».

هي العبارة الأشهر على الإطلاق في سفر الجامعة الذي يعج بالعبارات المتجذرة في الحضارات ذات الموروث المسيحي.

الجامعة هو السفر الفكري الخالص في الكتاب المقدس، حيث لا إعلان إلهي ولا لهجة تبشيرية؛ إنما استنتاجات وتأملات كاتب مضطرب في نزاع وجودي يبحث عن المعنى ولا يجده. فيه نصغي إلى صمت الإله المطبق؛ فنجد الله صامتًا، للمرة الوحيدة، طيلة السفر. كما أن التساؤلات الفلسفية المطروحة تتماس في كثير منها مع تيارات العدمية والعبثية؛ حتى أنها تبلغ في حدتها مبلغًا إلحاديًا بعض الشيء.

وسفر الجامعة هو أحد كتب التناخ العبري، أما عن اسم السفر وكاتبه وتاريخ كتابته فهو موضوع اختلاف بين الدارسين. فنجد الترجمة السبعينية تترجم الجامعة إلى (Ecclesiastes) المشتقة عن اللفظة اليونانية «إكليسيا» بمعنى محفل أو مجمع، وعنها أخذت الترجمات الأوروبية التسمية. أما عن كاتب السفر؛ فالسردية الرسمية تنسبه إلى سليمان الملك؛ بيد أن الكاتب يشير إلى نفسه بالكلمة العبرية «كوهيليت» التي قد تعني الخطيب (أمام الجماعة). وأغلب الظن، أن السفر كُتب في أعقاب السبي البابلي. وأميل إلى الرأي القائل إنه نتاج بيئة هلنستية كغيره من الأسفار الحكمية؛ فسفر أيوب يتماثل مع الملاحم الإغريقية؛ حيث اللهجة الشعرية والتقديم المسرحي، علاوة على تجسيم العوالم الفوق أرضية. وبالمثل؛ نستطيع تعقب روافد الفكر اليوناني بين فصول الجامعة.  

المهم أن الكاتب يستهل حديثه بالعبارة المُلَخِصة والمزعجة التي لا ينفك صداها يتكرر على طول السفر وعرضه «باطل الأباطيل»، ثم يعلل هذا الاستنتاج بسؤال وجودي «ماذا ينتفع الإنسان من كل تعبه؟»؛ فماذا ينتفع الإنسان من كل تعبه إذًا؟

سيزيف

في كتابه «فلسفات الحياة الثلاث» يعقد بيتر كريفت أستاذ الفلسفة بكلية بوسطن، مماثلة بين ثلاثة أسفار حكمية في الكتاب المقدس تمثل ثلاثة أمزجة ميتافزيقية، وبين ثلاثية الكوميديا الإلهية، فنراه يسقط الألم والمعاناة في سفر أيوب على مطهر دانتي لا جحيمه؛ فالجحيم عنده هو الجامعة أو بعبارة أخرى هو الباطل، تمامًا كجحيم سيزيف؛ ومَن غير الآلهة يستطيع أن يأتي بمثل هذا العقاب؟  

الباطل هو السمة المهيمنة على الجامعة، وتعبير «باطل» يمكن ترجمته إلى «عبث بعبث». فيبدأ الجامعة في ديباجته تصوير الحياة على أنها دوائر عبثية تفتقر إلى كل معنى وتفتقد أي منطق، ويتجلى العبث في كل ثناياها ويتخلل كافة تفاصيلها؛ ثم يأخذ الجامعة في تصوير مسرحي للطبيعة؛ وكيف أن انزواء المعنى يبدأ من الطبيعة ويتصاعد ليمتد ويشمل الحياة في أكثر جوانبها عمقًا. 

يبدأ الإصحاح الأول بسرد دائرة الدوائر فيقول:

«دَوْرٌ يَمْضِي وَدَوْرٌ يَجِيءُ، وَالأَرْضُ قَائِمَةٌ إِلَى الأَبَدِ».

ثم يستطرد مستفيضًا: «وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَتُسْرِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ».

حتى البحار والأمطار، والرياح والأنهار، كلها لم تسلم من دوامة الجامعة السيزيفية.

حتى الفلسفة والحكمة هي أيضًا باطل للجامعة. حيث يقول «لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا». وهذا ما دفع الكثيرين للانسياق وراء «نعمة الجهل» (Blissful ignorance) وهو تعبير يجوب مواقع التواصل في الآونة الأخيرة.

وأنا أظن أن الأفضل ممارسة التفكير، لا لشيء إلا للمتعة. عدم تبني قضية، والاستمتاع بممارسة الفكر بـ «الشوكة والسكين» بلا انجراف إلى ميدان العاطفة؛ هو بالتأكيد مؤشر نضج فكري. فالفلسفة قد تكون في كثير أو قليل من الأحيان «كلام فارغ» وأنا أحب «الكلام الفارغ».

المتعة و«الانطفاء»

عندما تتلاشى الغايات القصوى وتقف الفلسفة مترنحة عاجزة؛ لا يبقى للإنسان سوى اللذة كما يقول المثل الإنجليزي المستلهم من الجامعة «كل واشرب وافرح». وهذا هو مبحث الجامعة في الإصحاح الثاني؛ إذ يصب جل تركيزه على التجربة الحسية. وماهية اللذة عنده عبث أيضًا؛ فهي تضطرم بعنفوان في بادئ الأمر؛ ثم ما يلبث فورانها أن يخمد ليصير رغبة مجردة في «درء الألم» الذي ينتهي إلى الـ (apathia) أو اللامبالاة كما في «غريب» كامو. الجامعة يشجع على التمتع؛ على أنه بصدق يعلم أن «هذا أيضًا باطل». حتى المشاعر المتفجرة من علاقات الحب والكره تنتهي لتشارك في هذا الجحيم العبثي، كما يقول سارتر في «لا مفر» أن «الجحيم هو الآخرون».

وأحب أن أتسائل هنا أنستطيع إذًا القول: «ما أجمله شعور، ألا نشعر على الإطلاق؟!»

لكن حالة اللامبالاة تلك تبعث على الملل والسأم. والسأم، حيث لا سبب للموت كما أنه لا سبب للحياة، هو مزاج عصري بامتياز، يتمثل في انعدام الشغف أو بلهجة أكثر «تويترية» «منطفي!»

الجامعة يشارك شعب تويتر انطفائه الوجودي إذ يقول بكلمات باعثة على اليأس:

«كُلُّ الْكَلاَمِ يَقْصُرُ… الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ، وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ».

والجامعة يعلل هذا ال«انطفاء» قائلًا:

«مَا كَانَ فَهُوَ مَا يَكُونُ، وَالَّذِي صُنِعَ فَهُوَ الَّذِي يُصْنَعُ، فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ».

و«ليس تحت الشمس جديد» هو محور ارتكاز دائرة الباطل.

الميلاد والممات

لنجوب الزمان والمكان، ونحط في قلب الحضارة العربية؛ حيث المعري أشهر عدميي الفلاسفة العرب، ونقرب قصيدته البديعة «غير مجد في ملتي واعتقادي» التي تتصاعد منها أبخرة العدمية ويفوح من أبياتها عبق العبثية، كما أن مزاج السأم الرهيب المسيطر على جوها يتشابك أكثر من أي شيء مع تخبطات الجامعة.   

والمعري كغيره من اللاإنجابيين الذي يرددون «نحن جنس يبحث عن الانقراض في سلام!»، يتفق مع الجامعة حد التطابق في هذا الصدد. فلنصخ إليهما يداوران اللحن:

«يوم الْمَمَاتِ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الْوِلاَدَةِ».

«إنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ – أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ».

ومسألة المهد واللحد يوليها الجامعة اهتمامًا خاصًا. وقبل مطالعة ما أورده الجامعة هنا، أحب أن أقتبس من إميل سيوران: 

«نحن لا نركض نحو الموت، نحن نفر من كارثة الولادة ونتخبط مثل ناجين يحاولون نسيانها».

هذا ما يجعل الكثير من البشر يجدون راحة وعزاء في التردد على المقابر؛ حيث الهدوء والهروب من الحياة والانسلاخ من الزمن، وفي هذا السياق يقول الجامعة:

«اَلذَّهَابُ إِلَى بَيْتِ النَّوْحِ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى بَيْتِ الْوَلِيمَةِ».

ولو كان للجامعة أن يعطي جوابًا لـ «أكثر الأسئلة الفلسفية جدية» على حد تعبير كامو «أتستأهل الحياة أن تُعاش؟» لأجاب:

«فَغَبَطْتُ أَنَا الأَمْوَاتَ الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا مُنْذُ زَمَانٍ أَكْثَرَ مِنَ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ هُمْ عَائِشُونَ بَعْدُ. وَخَيْرٌ مِنْ كِلَيْهِمَا الَّذِي لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، الَّذِي لَمْ يَرَ الْعَمَلَ الرَّدِيءَ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ».

غير أن اختلافًا جوهريًا يتراءى لنا بين عدمية الجامعة والمعري؛ فالجامعة يرى أن «الإِنْسَانَ ذَاهِبٌ إِلَى بَيْتِهِ الأَبَدِيِّ» في حين يجيب المعري «طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً – ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا»«»

فوق الشمس؟

وردت عبارة «تحت الشمس» ما يربو على العشرين مرة في أذيال جمل الجامعة. وهنا نتوقف قليلًا على أعتاب الإصحاح الثالث؛ حيث يتطرق الكاتب لفلسفة الزمن. ولئن كانت الحياة عبثية لأنها تؤول إلى العدم، كان العامل المفصلي في عبثية الحياة هو الوقت، حيث معه تنساب الحياة إلى قلب العدم وتتلاشى في أعقابه كل الغايات والمعاني.

وسواء كانت حركة التاريخ خطية أو دائرية، سواء دفعتها الجدلية المادية أو المثالية، يظل العدم فاغرًا فاه ليلتهم الكل.

المعضلة إذًا؛ هل هي نهايات بلا غايات؟ أم أنه لا نهايات فقط بدايات جديدة؟ 

يسوق كاتب الجامعة لنا الحل في “فوق الشمس” أي الأبدية؛ حيث لا يمكن للحياة أن تفضي إلى معنى وهي قائمة بذاتها، بل إذا ما اتصلت بسياق أشمل وأكثر اتساعًا يبث فيها دفقات المعنى.

ظل الكاتب يردد «عنَاءٌ رَدِيءٌ جَعَلَهَا اللهُ لِبَنِي الْبَشَرِ» مشيرًا إلى كنه الحياة؛ وإذ بنا نجده في الإصحاح الثالث يصرح «جعل الكل حسنًا». وبين «الحسن والرديء» قد يفض المقطع اللاحق هذا الالتباس:

«صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ، الَّتِي بِلاَهَا لاَ يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللهُ».

وهذا التصريح ليس إعلانًا علويًا ثاقبًا، إنما هو محض استنتاج، فبدون الأبدية يستحيل بلوغ أي معنى بالنسبة للكاتب. ولعل هذا الشعور الدفين الممزوج بأعلى درجات التواضع بأنه «لا يمكن أن أنتهي هكذا!» هو ما جعل الإنسان قديمًا يبحث عن هذا السياق الأشمل، بدءًا من بناء الأهرامات عند قدماء المصريين والتناسخ عند بعض الهندوس؛ مرورًا بالأديان الغنوصية ثم التَنزيلٍية على اختلافها؛ وصولًا إلى الفلسفة. نيتشه والمسيح تصارعوا في كل شيء بيد أنهم التقوا عند شفير الأبدية، وإن كان لكل منهما أبديته.

موت الإله -أو قتله- فرغ الحياة وعمق أزمتها؛ فإن كان هنالك معنى مشوش، الآن تبدد كليًا. هذا ما دفع فولتير لقول «إذا لم يكن الإله موجوداً، وجب اختراعه».

 وبالمثل سارتر يوصف الحياة، ويا له من توصيف لذيذ، على أنها «غثيان!». 

«الله غير موجود… وعلينا أن نواجه جميع عواقب هذا الأمر… عدم وجود الله أمر مزعج جدًا» سارتر – الوجودية والإنسانية.

ولئن تلاقى كامو مع الجامعة في العبث، يقدم الأول العبث كحل للعبث؛ بينما الثاني يقدم العبث ليشير للمعنى. كلاهما يرفض انتحار سيزيف للتخلص من مصيره العبثي، بيد أن لكل منهما مقاربته الخاصة للتعامل مع هذا العبث. الإيمان بالنسبة لكامو انتحار فلسفي، وعبث الحياة إنما يدفع الإنسان للتمرد؛ فدائرة العبث المفرغة تتماهى ههنا مع دائرة التمرد. الحياة استنادًا إلى هذا المنطلق، هراء خلاب أو عبث ممتع. ألا يضفي المعنى على الحياة مسحة من الجدية الخانقة، وانتزاعه قد يخلق مساحات للحركة في فراغات المعنى المفقود أو الإله المقتول؛ يتحرر معها الإنسان من عبء المعنى المسبق والمفروض آنفًا؛ ليخلق هو معناه الشخصي والخاص؟

حسنًا، لنعد إلى زمرة فلاسفة أوروبا؛ فبينما يحتضن كامو العبث ويضاجعه؛ يجد نيتشه في الأبدية عزاء يستعيض به عن المعنى المقتول مع الإله. فنجد زرادشت يصدح هاتفًا:

«كيف لا أتوق إلى الأبدية واضطرم شوقًا إلى دائرة الدوائر حيث يصبح الانتهاء عودة إلى الابتداء… إنني أحبك أيتها الأبدية».

وهنا نلمح الكثير من الحقيقة في استنتاج الجامعة الذي ينقسم إلى محورين، الأول «جعل الأبدية في قلبهم» فحتى نيتشه داعبته رعشة الأبدية تلك وتمخضت عنها فكرة «العود الأبدي» لديه. ثم الثاني «بلاها لا يدرك الإنسان» ويتجلى في التخبط المفتقد للمعنى عند كامو وسارتر والمعري.

والحق يقال إني أترك هذا المقال وأنا في حيرة أكثر من ذي قبل. وها نحن ذا إذًا من جديد، «ماذا ينفع الإنسان من كل ما يعمل تحت الشمس؟» لا شيء، ولما يتوجب عليه أن ينتفع بشيء في المقام الأول؟ لم لا نعبث قليلًا؟!

Exit mobile version