1 سبتمبر 2025

قانون الإيجار القديم ومفهوم العدالة

قانون الإيجار القديم ومفهوم العدالة

قانون الإيجار القديم ومفهوم العدالة

من يملك الحق؟ ومن يحقق العدل؟

منذ أن أعلنت الحكومة نيتها تعديل قانون الإيجار القديم وطرحه على مجلس النواب، اشتعل الجدل داخل الشارع المصري بين مؤيد ومعارض، ودار تساؤل: من يملك الحق؟ هل هو المالك الذي لا يستطيع التصرف في ممتلكاته؟ أم المستأجر الذي عاش عمره في سكن مستقر لا يعرف غيره؟

ينص مشروع القانون الجديد على استرداد الوحدات السكنية المؤجرة بنظام الإيجار القديم من مستأجريها بعد فترة زمنية معينة، حيث قرر مجلس النواب مؤخرًا أن تكون الفترة سبع سنوات، وذلك نظرًا لأن القيمة الإيجارية الحالية لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي، ولا مع القيمة السوقية الحقيقية للعقارات، ولكن تبقى المشكلة قائمة.

دعنا نتخيل رجلًا تجاوز الستين من عمره، ودخله الشهري بالكاد يغطي نفقاته الأساسية، عاش في شقة إيجار قديم منذ أربعين عامًا، ربّى فيها أبناءه، والآن وبعد صدور القانون الجديد، يجد نفسه مطالبًا بمغادرة منزله لأن المالك يريد استرداده.

وعلى الجانب الآخر، تجد أبًا آخر يملك عقارًا ورثه عن والده، لكنه لا يستطيع تأجيره أو بيعه، ويحاول مساعدة أبنائه على الزواج، لكنهم لا يجدون سكنًا بالإيجار؛ فأسعار الإيجار باهظة للغاية، وقد تجاوزت في بعض المناطق الشعبية عشرة آلاف جنيه شهريًا، في حين أن شققهم المؤجرة تُدر دخلًا لا يتجاوز بضع عشرات من الجنيهات.

من بين هذين الطرفين، من هو المظلوم؟ ومن صاحب الحق؟ لو كنت مكان المستأجر، ستشعر أن إخراجك من بيتك هو قمة الظلم بعد هذا العمر، وأنك تُحاسب الآن على وضع اقتصادي لم تكن طرفًا في صناعته، وعلى قانون به عوار لم يكن لك دخل في إقراره. أما إذا كنت مكان المالك، فستشعر أن حرمانك من ممتلكاتك هو إجحاف لا يُحتمل، وأنك طالما تحمّلت سنوات طويلة من إهدار حقك وحق أولادك، وقد آن الأوان لاسترداد ممتلكاتك.

كل هذه الأسئلة مشروعة لكل طرف، لكنها تتجاوز القانون، وتمتد إلى الفلسفة، وإلى أسس تصوراتنا للعدل والحق والمساواة والاستحقاق.

لذا سنحاول في هذا المقال الإجابة عن السؤال الحقيقي: أين العدالة؟

في كتابه «نظرية العدالة»، يقدم لنا الفيلسوف الأمريكي «جون رولز» اختبارًا أخلاقيًا شهيرًا يعرف بـ «حجاب الجهل».

يدعونا «رولز» إلى أن نضع أنفسنا في موقع اتخاذ قرار يحقق العدالة، لكن دون أن نعرف موقعنا في المجتمع، لنفرض مثلًا أننا أصحاب القرار في قضية قانون الإيجار القديم، وعلينا أن نقرر ما هو «الأكثر عدلًا»، لكننا لا نعرف: هل نحن ورثة عقار لا نستفيد منه؟ أم نحن عائلة تعيش في شقة منذ عقود، مهددة بالطرد؟

هل سيقبل أيٌّ منا أن يرث عقارًا ثم يكتشف أنه لا يستطيع الاستفادة منه؟

وهل سيقبل أحد أن يُخرج عجوزًا من منزله دون بديل أو تعويض عادل له ولأسرته؟

هل المساواة تحقق العدل؟

حين قررت الحكومة طرح حل لهذه المشكلة الملحة، قررت اعتبار كل المستأجرين سواءً؛ أي أن المستأجر للعقار داخل القاهرة مثل المستأجر بالأقاليم، وأن المستأجر في المناطق الشعبية يعامل نفس معاملة المستأجر في المناطق الراقية، وصاحب الدخل المنخفض كصاحب الدخل المرتفع.

لكن، هل المساواة بين المستأجرين في هذه الحالة تحقق مبدأ العدالة؟ وهل المساواة بالأساس تقرِّبنا من العدالة؟

يُجيبنا الفيلسوف «أرسطو» على هذه المسألة في كتابه «الأخلاق»، حيث فرَّق بين نوعين من العدالة: ١) العدالة التوزيعية: حيث يرى أرسطو أن: «المساواة بين غير المتساوين هي ظلم في حد ذاتها».

إذا حاولنا تطبيق رؤية أرسطو على هذه المسألة، فسنجد أنه لا يجوز النظر إلى الفقير كالغني، ولا إلى سكان المناطق الراقية كما ننظر إلى المناطق الفقيرة.

فتطبيق المساواة الشكلية على جميع المستأجرين، بغض النظر عن اختلاف ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية ومواقع عقاراتهم، قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلًا من حلها، فكيف يمكن لشخص بالكاد يغطي نفقاته الشهرية أن يُعامل معاملة من يمتلك ثروة طائلة، لمجرد أنهما يشتركان في صفة «المستأجر»؟ هذا النوع من المساواة يخالف جوهر العدالة التوزيعية التي تتطلب تمايزًا في المعاملة بناءً على الاستحقاق والظروف.

لذا يحيلنا الفيلسوف اليوناني إلى المفهوم الثاني من العدالة وهو العدالة التصحيحية.

وتحاول العدالة التصحيحية معالجة الخلل عند وقوع ظلم معين على فئة من الناس، وهدفها هو إعادة التوازن مرة أخرى داخل المجتمع، واتخاذ إجراءات تصحيحية تعيد الأوضاع إلى مسارها الصحيح، وفي حالتنا يبدو أن الحكومة بالفعل سعت إلى اتخاذ خطوات تصحيحية، ولكنها -بالنظر إلى إجراءاتها- أخلّت بالمفهوم الأول لأرسطو، حيث ساوت بين غير المتساويين، مما قد يُخلّ بالتوازن الاجتماعي.

دعنا ننتقل إلى فيلسوف آخر وهو أفلاطون معلم أرسطو لنرى مفهوم العدالة لديه.

في كتابه «الجمهورية»، يحاول أفلاطون في الفصول الأربعة الأولى، الإجابة عن سؤال: ما هي العدالة؟

فمن خلال عدد من المحاورات جرت بين معلمه سقراط وعدد من أصدقائه، يناقش سقراط مفهوم العدالة ونستخلص من هذه المحاورات أن العدالة عند أفلاطون لا تعني المساواة، ولا مجرد التوازن بين الحقوق والواجبات، بل هي: الانسجام بين مكونات المجتمع، حيث يؤدي كل فرد وظيفته دون التعدي على دور الآخر.

العدالة، من منظور أفلاطون، ليست انحيازًا لطرف دون آخر، بل هي القدرة على ضبط العلاقة بين الحقوق المكتسبة والواقع المتغير، بما يحقق التناغم في النسيج الاجتماعي، ويضمن أن يؤدي كل طرف دوره دون أن يشعر أحد بالظلم أو الحرمان.

هل «الحق» هو ما نملكه؟ أم ما نستحقه؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أولا أن نجيب عن سؤال الملكية: كيف نتملك؟

عادةً ما يحدث ذلك بالمال والتراضي بين المتعاقدين ولكن ماذا لو كان هناك من يملك أموالًا طائلة تسمح له بشراء بيوتًا كثيرة وهناك آخرٌ لا يملك المال ولا المسكن ولا حتى قوت يومه ويعيش مشردًا في الشوارع. هل سيبدو الأمر عادلًا؟ أم أننا سنرى أن هناك خللًا ما؟

وماذا لو كان بإمكان الأغنياء أن يشتروا مدنًا أو حتى دولًا كاملة؟ أو أن يمتد الأمر كما نراه اليوم إلى محاولة السيطرة على كواكب أو موارد كونية في الفضاء. من منح هؤلاء هذا الحق؟ هل هي القوة؟ أم التفوق العلمي؟ أم مجرد الأسبقية في الوصول؟

ماذا لو اجتمع الأغنياء وقرروا أن يشتروا الكرة الأرضية بمن عليها وأصبحنا جميعا بلا أرض، هل سيُخرجوننا منها أم سيتم استعبادنا لأننا لا نملك المال؟

دعنا نتخيل أن هذا الكوكب أصبح لا يصلح للعيش ويجب أن نذهب للمريخ، واستطعنا بالفعل الانتقال إلى الكوكب الجديد فكيف يمكننا أن نتملك هناك؟ هل بالتساوي؟ أم بالمال الكثير؟ أم سيتم استضافتنا كعبيد في كوكبنا الجديد لأننا لا نملك المال أو القوة، فإما نموت على الأرض أو نقبل بحياة لا أحقية لنا فيها؟

من الذي له الحق في أن يقر من يملك ومن لا يملك؟ أم أن الموضوع لا علاقة له بالتملك ولكنه يتعلق بالاستحقاق؟

ربما القانون هو من يقر ذلك، ولكن القانون لا يتوافق دومًا مع الحس السليم، فالقانون الدولي مثلا اعترف بإسرائيل كدولة رغم أنه لا يمكن الإقرار بذلك بالنسبة لأنصار القضية الفلسطينية لمجرد أن هذا رأي القانون أو لأن الأمم المتحدة اعترفت بها، وسنظل دومًا نرى خللًا في هذا الوضع وأن هذا القانون يهدر قيم إنسانية أخرى.

تتنافى الكثير من القوانين مع مبدأ العدالة وما يؤكد ذلك أن القوانين تتغير عبر الزمن، ففي الماضي كانت هناك قوانين تقر العبودية، والآن لا يوجد قانون في العالم يُقر العبودية بشكلها القديم المتعارف عليه من خلال التاريخ والأفلام.

نستنتج من ذلك أن القوانين يتم إقرارها في إطار زماني ومكاني وقابلة للتغير والهدف منها هو إقرار النظام الاجتماعي.

وهو ما يتوافق مع مفهوم العدالة التصحيحية وكذلك مع الفكرة القائلة بأن العدل هو منع الفوضى، وأن يكون كل شخص في محله.

نخلص من كل ذلك أن الحق لا يساوي بالضرورة ما يُقره القانون… إذن ما هو الحق؟

الحق هو ما يتوافق مع الحس السليم، وأعلم أن الكلمة غير موضوعية ولكن لا موضوعية في هذا العالم.

الحس السليم هو ما يجعلنا نشعر بعدم الراحة أمام مشهد لأناس أغنياء يملكون مجمعات سكنية فاخرة، بينما آخرون لا يجدون مأوى، هو هذا الشعور السلبي تجاه القانون الذي يرى شعب غزة إرهابيًا ويستحق الإبادة ولا يرى في إسرائيل دولة إرهابية.

الآن في قضيتنا سيأتي الحس السليم ويدفعنا لنسأل: كيف يمكن أن نترك المنزل لمستأجرين يدفعون إيجار خمسة جنيهات لمالك لا يملك شقة ويدفع أغلب مرتبه لإيجار شقة ويعيش في مستوًى متدنٍ للغاية؟

ولكن كيف أيضًا يُمكن أن نشرد أرملة بأطفالها لمالك يمتلك بالفعل شققًا أخرى حتى وإن كنا لا ننكر أن هذه الشقة ملكه ولكن ليس حقه الآن أن يُخرِجها من الشقة لأن الضرر الواقع على المجتمع سيكون أغلظ من النفع الشخصي الواقع عليه.

إذن فالعدالة هي وجوب أن يحصل كل شخص على حقه أو ما يستحقه، وليس بإبقاء وضع فاسد على حاله، أو بخلق وضع فاسد.

والعدالة من هذا المنظور لا تتحقق بإنصاف طرفٍ على حساب الآخر، بل بإصلاح المنظومة بالكامل، لأن كِلا الطرفين مظلوم، لكن مصدر الظلم هو تردي نظام العدالة ذاته، لا الطرف الآخر.

نستخلص من ذلك أن العدالة لن تتحقق بقرار منفرد، بل هي مسار طويل ومستمر يعيد بناء علاقة الفرد بالدولة وبالقانون، ويجب أن يعالج النظام الجديد الإرث القانوني القديم بإنصاف، وأن يضع آليات مرنة تراعي التغيرات المستقبلية في الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

الهدف الأسمى ليس تسوية نزاع قائم منذ عقود، بل خلق مجتمع لا يُنتج المظلومين من أي جهة، مجتمع يشعر فيه كل فرد أن حقوقه مصانة، وأن القوانين تمضي بنا في طريق العدالة، ساعية لتحقيق الانسجام الاجتماعي الذي نادى به أفلاطون وكل من أتى بعده.

  • أحمد فهمي

    في منتصف الثلاثين من عمري، احلم بعالم افضل ولدي في سجلي الكثير من الهزائم التي صنعتني، اعشق التاريخ والحواديت وأؤمن ان الفن والفلسفة هما السبيل لعالم افضل وأكثر إنسانية.

    View all posts
  • محامي ومتطوع في مدرسة فلسفة مصرية اسمها بيت الحياة، بخوض فيها رحلة نحو نفسي ونحو الوجود، وبكتب عشان أعبّر عنها وعن رحلات حبايبيني، وعشان أعبر عن رؤية وأفكار مسجونة، وعن مثل أعلى وحلم مستحيل بيطاردني وبطارده، بيحاول يلاقي تجسيده من خلالي وبحاول إني أمتثل، وما عليَّ سوى أن أُريد.

    View all posts

1 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا