17 أغسطس 2025

عندما يتحوّل الكتاب لصوت لا يُجادل: زاهي حواس والحكاية التي لا تقبل التساؤل

عندما يتحوّل الكتاب لصوت لا يُجادل
زاهي حواس والحكاية التي لا تقبل التساؤل

مقدمة: متعة الحكاية وبداية السؤال

قد يتفق الغالبية العظمى من الناس على أن الجلوس والاستماع إلى شخص يروي القصص والحكايات هو من أكثر الأنشطة إمتاعًا. هناك شيء فطري في داخلنا يدفعنا للإنصات، للتخيّل، للاندماج مع الحدوتة. ربما لهذا السبب نحب السينما.. لأنها حدوتة مصوّرة نغوص في تفاصيلها، ونتفاعل مع أبطالها، ونُسقط مشاعرنا على شخصياتها.

لكن، ماذا لو كانت هذه القصص حقيقية؟ وليست عن أي شيء، بل عن حضارة هي واحدة من أعظم ما عرفه التاريخ الإنساني؟ الحضارة المصرية القديمة. وماذا لو كان من يرويها هو الشخص الذي ارتبط اسمه لعقود طويلة بكل ما هو فرعوني؟ الدكتور زاهي حواس، الذي ارتدى قبعة الأثري الشهير وسافر بها من دهاليز الأهرامات إلى مسارح الإعلام العالمي.

وحين نُضيف إلى هذه المعادلة اسمًا مثل جو روجان، مقدم البودكاست الأشهر والأكثر إثارة للفضول، ندرك أننا أمام لقاء استثنائي.

 إذًا، نحن أمام لقاء نادر، مشوق، ومليء بالإثارة.. لقاء كان جديرًا بالاستماع، لكننا كنا على موعد مع شيء آخر أيضًا.. شيء جعلنا نعيد التفكير، لا فقط في “ما قيل”، بل في “كيف قيل”.

حين جلس الدكتور زاهي حواس أمام جو روجان، بدا وكأنه على منصة ليحكي عن كنوز الماضي، لكنه في الوقت ذاته، قدّم خطابًا كان فيه من السلطة أكثر مما فيه من العلم. خطابًا اعتمد على التجربة والمكانة أكثر مما اعتمد على الحجة والدليل. خطابًا فتح الباب للحديث عن مغالطة منطقية شائعة.. ألا وهي مغالطة الاحتكام إلى السلطة أو التوسل بالمرجعية.

عندما يتحوّل الكتاب لصوت لا يُجادل

من اللحظة الأولى، بدا دكتور زاهي واثقًا، بل شديد الثقة. وفي كل مرة سأله جو عن دليل، عن مصدر، أو عن صورة توثق ما يقول، كان الجواب يتكرر: “موجود في كتابي” – ورغم أني لم أقرأ كتبه كاملة، إلا أن استدعاؤها كمصدر للحُجة في كل مرة، يفتح بابًا للنقاش حول مغالطة الاحتكام للسلطة -. بل إنه في لحظات بدا وكأنه غاضب من أن يُسأل أصلًا: “أنا حفرت كل ذرة رمل في الجيزة!”، يقولها بنبرة لا تحتمل الشك، وكأن التجربة الطويلة وحدها كافية لأن تكون الحقيقة.

وهنا تحديدًا، تظهر المغالطة.

الاحتكام إلى السلطة ببساطة هو أن تقول: “أنا الخبير، إذًا ما أقوله صحيح”،أو”فلان الحاصل على جائزة نوبل والعالم في الفيزياء قال كذا.. فأكيد اللي بيقوله صحيح” حتى لو لم تُقدم دليلًا يمكن للآخرين أن يراجعوه. الخطورة في هذا التفكير أنه يغلق باب النقاش، وكأننا أمام نص ديني لا يقبل المساس. وما فعله دكتور زاهي – رغم كل ما يحمله من قيمة علمية وتجربة ميدانية ثرية للغاية – هو الوقوع في هذا الفخ، عن غير قصد ربما، لكنه وقع فيه بوضوح.

حتى عندما ناقشه روجان في تقارير علمية جديدة صادرة عن فريق إيطالي استخدم تكنولوجيا الأقمار الصناعية لاكتشاف فراغات محتملة أسفل الأهرامات، رفض دكتور حواس الأمر تمامًا، لا لأنه يملك دليلًا مضادًا، بل لأنه يشكك في الفريق نفسه: “هؤلاء لم يزوروا الموقع أصلًا”. وبهذا، اختزل النقاش كله في سؤال بسيط: “هل كنت هناك؟” فإن لم تكن، فصمتك أولى.

لكن، ألا يحق لنا أن نسأل أو نشك؟.. أن نطرح احتمالات أخرى؟.. أليست هذه هي الطريقة التي يتقدم بها العلم ويتطور؟

العلم كأداة… لا كديانة

لكن، في قلب هذا النقاش، لا بد أن نتوقف لحظة ونسأل:

هل المشكلة في زاهي حواس؟ أم في الإطار الذي يتحدث من خلاله؟

نحن نحتكم كثيرًا لما يُسمى بـ”الطريقة العلمية” ونقدّمها باعتبارها طريقًا واحدًا للحقيقة. لكن ماذا لو كانت الطريقة العلمية نفسها – بتجريبها، ومناهجها، ومقاربتها العقلانية الصارمة – تُقصي كثيرًا من الرموز، والمجاز، والفهم الإنساني للحضارة؟

دكتور زاهي حواس يتحدث وكأنه صوت العلم، لكنه لا يُقدّم فرضيات، ولا يسمح بمراجعة، ولا يضع نفسه داخل عملية “شك” أو “تجريب”.

فهل هو حقًا يطبق الطريقة العلمية؟

وإن كان كذلك، فهل هذه الطريقة تحتمل شخصًا يرفض السؤال ويغلق الباب؟

وإن لم يكن كذلك، فهل يُعقل أن يتحوّل العلم إلى حُجّة لمن لا يمارسه؟

الطريقة العلمية ليست شيئًا مقدسًا. هي أداة.. لا غاية. تُساعدنا على الاقتراب من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة نفسها.

وحين نحصر كل أشكال الفهم في هذه الأداة وحدها، نكون قد أغلقنا الباب على ما لا يُقاس ولا يُكتب ولا يُنشر في مجلة علمية.. وهو كثير.

والأخطر أن يتجسّد هذا المنهج كله في شخص واحد، فيتحوّل إلى ما يشبه “النبي المعرفي”.. يصبح هو العلم، وكل ما عداه ظن أو هراء.

المشكلة ليست في دكتور زاهي حواس كشخص. على العكس، لا يمكن لأحد أن ينكر إسهاماته، أو يتجاهل ما فعله لترويج الحضارة المصرية عالميًا. لكنه – كغيره من البشر – ليس معصومًا، وتاريخه الكبير لا يجب أن يُستخدم كحائط صد ضد أي تساؤل أو نقاش.

وهنا تبرز إشكالية الخبرة كمرجعية مطلقة، وهي ما يستحق أن نقف عنده قليلًا.

الخبرة: ما بين التقدير والتقديس

في خضم هذا كله، من المهم أن نوضح فرقًا جوهريًا قد يلتبس على البعض: الفرق بين احترام الخبرة وتقديسها. نعم، الخبرة قيمة لا تُقدّر بثمن، تراكم سنوات من العمل والملاحظة والخطأ والتصحيح، ولا يمكن إنكار أن الدكتور زاهي حواس يحمل من هذه الخبرة ما لا يحمله كثيرون. لكن الخبرة وحدها لا تكفي لتكون حجة قاطعة.

الخبرة لا تُغني عن الحُجّة. كما لا يمكن لطبيب أن يُشخّص مريضًا عبر الهاتف لمجرد أنه “شاف حالات مشابهة قبل كده”، لا يمكن لعالم آثار أن يُغلق باب النقاش لمجرد أنه قضى عمره في الحفر. التجربة تمنحك وجهة نظر، لكنها لا تمنحك الحقيقة المطلقة. ومتى ما تحولت الخبرة إلى حصن لا يُخترق، صار صاحبها أقرب إلى حامل لواء اليقين، منه إلى باحث يتأمل تعدد الاحتمالات.

احترامنا لمن يملك المعرفة لا يعني أن نتخلى عن حقنا في السؤال، أو أن نُعلّق عقولنا على جدار مكتبة مليئة بالمؤلفات.

الحقيقة أن هذا النوع من الخطاب لا يظهر فقط في المجال الأكاديمي، بل نراه حولنا كل يوم: الطبيب الذي يرفض الاستماع لرأي زميله لأنه “أقدم منه”، الأستاذ الجامعي الذي لا يتقبل اعتراضًا لأنه “معاه شهادة مش مع الطالب”، أو لاعب الكرة الذي أصبح محللا ويقابل أي اعتراض منطقي ب “إنت عمرك لبست شورت وفانلة!؟” أو المقولة الأشهر على الإطلاق التي سمعناها جميعا في طفولتنا “أنا أبوك وعارف أكتر منك”. هذا الميل لإعطاء السلطة وزنًا أكبر من الفكرة ذاتها.. يقتل أي محاولة للتطور، ويقمع النقد ويُغلق الباب أمام أي فكرة جديدة.

كيف تتحوّل المغالطة إلى ثقافة

وإذا كانت مغالطة الاحتكام إلى السلطة تُعرّف منطقيًا بهذه الطريقة، فإن أخطر ما فيها أنها لا تبقى فقط داخل حدود التفكير الفردي، بل تتحول تدريجيًا إلى نمط ثقافي واجتماعي. هناك نوع من الإغراء الذي يشعر به بعض أصحاب السلطة المعرفية حين يجدون أنفسهم في موقع “المفسّر الوحيد” للحقيقة. فكلما ازدادت شهرتهم وتكررت أسئلتهم واعتاد الناس أن يصغوا إليهم دون نقاش.. كلما أصبح من السهل – دون وعي – أن يتعاملوا مع أنفسهم على أنهم المرجع الذي لا يُراجع.

وهنا، تبدأ اللغة في التغيّر: تُبسط الفرضيات.. يُهمّش الرأي المخالف.. وربما يظهر بعض الغضب حين يُطرح سؤال خارج السياق المعتاد. ليس لأن الشخص متكبر بالضرورة، بل لأن المنظومة من حوله أعطته سلطة تجعله يتوهم أن “الصوت الأعلى” هو “الصوت الأصح”.

وهكذا، تتحول المغالطة من مجرد خطأ منطقي… إلى نمط ثقافي كامل.

من الأهرامات إلى جوهر العلم

حين نفكر في الأهرامات، فإن أول ما يخطر في بالنا هو عظمة الإنجاز، وروعة البناء، وغموض التنفيذ. وهذا ما يجعل الناس حول العالم مبهورين بها، بل أحيانًا غير مصدقين أن من بناها بشر عاديون. ولذلك تُطرح أسئلة كثيرة، بعضها غريب، وبعضها منطقي، لكنها جميعًا تعبير عن فضول إنساني طبيعي. هل من العدل أن يُقابل هذا الفضول بالاستهزاء أو التجاهل فقط لأن صاحبه “لم يقم بحفر أثري”؟

العلم، كما نحب أن نراه، ليس نادٍ للنخبة، ولا غرفة مغلقة يُمنع الدخول إليها إلا بتصريح. العلم مساحة مفتوحة لكل من يملك سؤالًا، لكل من يبحث عن دليل، ولكل من يرى الأمور من زاوية مختلفة. لا يجب أن يتحول إلى مسرح يعرض فيه صاحب الخبرة أفكاره دون أن يسمح لأحد بالاقتراب من الكواليس.

خاتمة: من يملك حق الحكاية.. ومن يملك حق السؤال؟

ما فعله زاهي حواس في هذا اللقاء – سواء بقصد أو بدونه – هو تقديم نفسه كمصدر الحقيقة الوحيد. اللقاء كان فرصة لتجديد شغفنا بالحضارة المصرية. لكنه في المقابل، كشف عن فخ يمكن أن يقع فيه أي شخص في موقع القوة المعرفية: أن يتعامل مع رأيه كأنه فصلٌ نهائي في القصة، لا رأي بين الآراء.

ربما لم يكن دكتور زاهي يقصد أن يصادر الحوار، وربما أراد فقط أن يدافع عن تاريخه، وعن كل ما بناه عبر السنين. لكن حين تتحول التجربة إلى حائط منيع بدلاً أن تكون جسرًا.. فإنها تفقد قيمتها الأجمل.

نحن لا نحتاج إلى علماء يعرفون كل شيء، بل نحتاج إلى علماء يعرفون أن الطريق إلى المعرفة لا ينتهي، وأن أي حقيقة، مهما كانت براقة، لا تكتمل إلا حين تُفتح للنقاش وأن التساؤل دائما متاح.. أو كما كان يتسائل أجدادنا دائماً ” هو السؤال حُرم!؟”.

وربما، ما يجعل الحضارة المصرية مثيرة لهذه الدرجة، ليس فقط ما بنته من حجارة، بل ما تثيره فينا من أسئلة. 

في النهاية، لا أحد يملك الحقيقة كاملة.. حتى لو قضى عمره كله يحفر في الرمال.

سؤال للتفكر

ماذا لو لم تكن المشكلة في دكتور زاهي نفسه، بل في كل منظومة تعليمية وإعلامية تعلّمنا أن نحفظ من الكبار لا أن نناقشهم؟

  • زوج محب، وأب متفاني، بحاول أسيب أثر في الدنيا، حتى لو بسيط. بكتب وأسأل وأفكر، وأحب أقعد مع اللي بيحبوا يفكروا بصوت عالي يمكن نلاقي سوا طريقة أبسط نفهم بيها نفسنا والعالم.
    هل كل اللي بعمله صح أو أخلاقي؟ مش دايمًا عندي الإجابة.. بس غالبًا هيبان.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا