عندما بدأت الكتابة باحثًا عن قطعة الأحجية المفقودة في تاريخنا الحديث، وجدتُه موضوعًا أكثر تعقيدًا مما ظننت، تقول فيه المشاعر والانفعالات أكثر مما تقول الحكمة والعقل، تتلامس فيه الأوضاع السياسية مع الأوضاع الاجتماعية والثقافية والروحية، يتدفق تاريخنا الحديث بماضيه وحاضره ومستقبله لتلك اللحظة، وتتقابل فيه صراعاتنا الفكرية بين ما فُرِض علينا بحكم الهيمنة الغربية، من ناحية، وتسلط تراثنا من ناحية أخرى، ويسهل حينها إلقاء التهم بسهولة ويسر، لهذا آثرت أن أتحسس مواضع الكلم.
فكما ذكرت، إن الكثير من أبناء جيلي يرون في عبد الناصر رمزًا للفشل، ويتبنون رواية تضع بطلنا ويضعُنا هو على حافة اليأس، ونرى منه وجهًا مظلمًا. فلماذا أصبح ناصر رمزًا للفشل؟
لقد ظهر في الآونة الأخيرة اتجاهٌ يُلصق الفشل بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعلى الرغم من كونه توجه يسخر ولا يحلل بمنطق ولا يجب تحميله فوق طاقته، وخصوصًا أنه يظهر الحس الفكاهي للشعب المصري وهي صفة أصيلة به وهذا مطمئن، ونعلم أن جمهور السوشيال ميديا ليس جمهور قراء بالضرورة، ولكن سيظل التساؤل حاضرًا ما الذي نعنيه بالفشل ومن هم الأشخاص الذين يمكن وصفهم بالفشل؟ وهل يختلف الفشل في الحياة عن فشل السياسي؟ وما هي المعايير التي على أساسها نتهم شخصًا بالفشل أم لا؟
ولكن قبل ذلك لا بد من ملاحظة أن الأمر لا يتعلق فقط بأحكامنا القيمية ومعاييرنا، بل هناك عامل إضافي هو الشحن العاطفي، وإنني أظن وأدّعي أن الحديث عن شخصية جمال عبد الناصر وزمنه، هو أكثر موضوع مشحون عاطفيًا في مصر سياسيًا، وما يدل على ذلك أن أغلب المتبنيين لآراء مشحونة ضد عبد الناصر، لم يقرؤوا كتابًا له، أو عنه، أو فهموا الفكرة التاريخية التي تقبع وراء الوقائع التاريخية التي حدثت، وأن الكلمات المستخدمة في وصم ناصر هي كلمات جرسية، تعطي انطباعًا سلبيًا وتخلق وعيًا مفرغًا من الحقيقة، وتُستخدم لخلط الأكاذيب بالحقائق لكي تكون الكذبة جيدة وفعالة، وساعد في انتشارها وسائل التواصل والمحتوى المسموع والمقروء والبروباجندا الفنية التي ظهرت في النظام اللاحق به، وقد وصمت فترته للأبد من خلال أفلام الكرنك واحنا بتوع الأتوبيس وغيرها، وأصبح تاريخ هذه الفترة مختزلًا ومقتطعًا.
وعلى الرغم من أن الشحن العاطفي كما أسلفنا له دور متعاظم في تبني وجهة نظر سلبية لفترة ناصر، وأصبح الحديث بين الأطراف ليس إلا تبادل اتهامات، سواء بالعمالة للمخابرات البريطانية والأمريكية لمناهضي ناصر أو أن مؤيدوه جهلة ومغيبين، إلا أن هناك عوامل أخرى تؤثر في حكمنا القيمي على شخص بالفشل.
من ضمن هذه العوامل، معيار الحكم الخاص بنا. فالواقعة بحد ذاتها واقعة لا تعبر عن شيء. ولكن حكمنا عليها من خلال خبرتنا المعرفية وفهمنا للأحداث هو الذي يجعلنا نراها هزيمة أو نصر، فمثلًا إذا جاء شخص، وقال: (إن فلان الفاشل كانت نتيجته في الثانوية ٨٠٪ )، إن هذه مجرد حادثة، لا تعبر بذاتها عن نجاحٍ أو عن فشل. وحينها سيكون السؤال حول شعبته؟ وما هي معدلات نجاح زملائه؟ وفي أي مدرسة هو؟ أزهري أم شعبة عامة أم صناعية؟ وفي أي سنة حصل على تلك النتيجة؟ هل كانت في السبعينات مثلًا؟ هل أجبره أهله على ولوج شعبة لا يريدها؟ هل كان يحب العلام؟ هل به علة عقلية أو طفرة؟ هل كان يغش أم أنه رفض فعل ذلك؟
إن إجابات هذه الأسئلة وغيرها تحدد فشل الشخص أو نجاحه، لا يمكننا فصل الفعل عن سياقه وإلا كان إجحافًا، فلو كان الشخص الذي حصل على ٨٠٪، كانت معدلات نجاح زملائه هي ٦٠٪ فإنه في أحد المجالات يعتبر قد تفوق عليهم دراسيًا على الأقل، ولكن إذا لم نضع هذا في الاعتبار، فستكون هناك أفعال هي فشل في المطلق وأفعال هي نجاح في المطلق.
لذلك فإن الحادثة ميتة ولا تقول شيئًا وهذا بديهي، وأن الذي يقول هو تقييمنا لهذه الحادثة، إنه تقييم إنساني وذاتي إلى حد بعيد، وهذا التقييم لابد أن يستند إلى معيار.
إنني لا أريد التورط في ذكر الوقائع التاريخية التي يعلمها كل متابع، وإعادة سردها لن يكفي لنسمو فوق الجدال الأفقي الذي ينتهي دومًا عند حب أو كره الرجل على مستوى عاطفي، ولا يخترق إلى العمق ويناقش معاييرنا وأفكارنا، بل لا يناقش الفكرة التي تقبع وراء الواقعة، والتي يمكن أن نسميها مع الدكتور حسين فوزي النجار بالفكرة التاريخية، وهذه الفكرة هي التي تدفع العمل وتثمر الواقعة، وعلينا أن نبحث عنها في تفسيرنا للواقعة، وفي تمثل تلك الواقعة لفكرة معينة.
إن هذا ما يجعلني أجلس على مقهى بلدي أتجادل مع صديق مقرب حول جمال عبد الناصر، يتبنى كل منا وجهة نظر عكس الآخر، مع أننا قد نتفق في نفس الواقعة التاريخية التي حدثت ولكننا نختلف في دلالاتها وتقييمها، على الرغم من أن عهد جمال عبد الناصر ليس ببعيد الصلة عند مقارنته بتاريخ مصر القديمة مثلًا، ولكنهما يشتركان في اختلاف القيم الحاكمة حينها عن قيمنا الحالية، فما الذي يشكل نظرتنا الحالية؟ ما هي المعايير التي نحكم بها على الفشل أو على الماضي بشكل عام؟
ولنبدأ من ناحية تعريفنا لمفهوم الفشل، إن الفشل هو أن أن يتراخى الشخص أو يكسل أو يجبن، ولا نقول في حياتنا اليومية على شخص أنه فشل أو فاشل إلا إذا استسلم وتوقفت محاولاته، فمثلًا إذا كان شخص يفتتح مشروعًا ولكن لا يحالفه الحظ ويستمر مرة تلو الأخرى حتى لو مات وهو يحاول، فلا نقول أنه فشل إلا إذا توقف عن مطاردة هدفه واستسلم، أما إذا ظل يحاول مهما طال الوقت، فإننا لا نصفه بالفشل ولكننا بالعكس نقول أنه لديه إصرار، أو إرادة وربما عزيمة وغيرها من الصفات الحسنة، بل إذا قام الشخص بمحاولات لفعل معين ثم توقف عنها، لا نستطيع القول بأنه فشل إلا إذا عرفنا ما كان ينتويه، وهل أعرض عنه عن استسلام أم عن رؤية سبيل آخر لتحقيق نفس أهدافه، ففي المثال السابق، الشخص الذي يحاول افتتاح مشروع للتربح المالي منه، اكتشف بعد عدة محاولات أن هناك مشروع سيحقق له دخلًا أكبر، وحقق فعلًا هذا الدخل له، حينها لا نستطيع القول أنه فشل، بمعنى تراخى وجبن.
مما سبق يمكن استنتاج أن حكمنا بالفشل يستند على عدة معايير، وهذه المعايير ديناميكية تتغير من زمن لآخر، ومنها على سبيل المثال: مدى سعي الشخص لتحقيق هدفه، وهل استسلم أم مات على إصراره.
مراعاة السياق والظروف المحيطة بهذه الحادثة مثل: مقارنة أطراف الصراع بعضهم ببعض من ناحية القوة العسكرية مثلًا، ومعرفة التداعيات التي أدت إلى حربٍ معينة أو اتخاذ قرار معين، وهو ما يصعب تغطيته في هذا المقال.
ما مدى نبل القضية التي كان يسعى الشخص لتحقيقها، فمثلًا انتصار بلد عربي عسكريًا على بلد عربي آخر سوف نعتبره هزيمة للجميع، على الرغم أن هناك نصر ولكن في قضية عربية، سنراه تفتتًا وقتلًا للقضية العربية.
إننا لن نستطيع تغطية كل هذه النقاط ولكن سنتوقف عند النقطة الأولى، ما الذي كان يأمله عبد الناصر حتى نقرر إذا كان قد فشل في تحقيقه أم لا؟ فإذا استسلم وتوقفت محاولاته وانقلب على عقبيه فهو فاشل، وإذا افترضنا جدلًا أن عبدالناصر كان يلاحق حلمًا عربيًا عليه تحقيقه أو أن يفنى في سبيل ذلك، وهو مشروع عربي وحدوي، يضع نصب عينيه البقاء مستقلًا وذو إرادة وحرية وطنية، في ظل هيمنة إمبريالية اقتصادية مهيمنة تضع نصب عينيها، استلاب هذه المنطقة، ومصر بالذات بعد زعامة عبد الناصر للعالم العربي وإلهامه للعالم الثالث، ووقوفه في وجه القوة الصاعدة متمثلة في أمريكا، اقتصاديًا، ومعاداة ما زرعه الاستعمار في الشرق الأوسط من دولة احتلال والنظر إليها باعتبارها ضررًا على الأمن القومي المصري والعربي، وهو ما يمكن أن نعود إليه لنتأكد حقًا إذا كان هذا هو مشروع عبد الناصر، أم أنها مجرد كذبة صاغها نظام قد يوصف بالشمولية، ولكن لنفترض مؤقتًا أنه حقًا كان يسعى لتحقيق أهداف تتعلق بمبادئ تبناها الرجل. ويمكن أن نقول بكل حسم وثقة أن عبد الناصر حتى وفاته كان ثابتًا على موقفه تجاه جميع القضايا التي تبناها، بل نضج في تبنيه لها وخصوصًا بعد الهزيمة العسكرية التي لحقت به.
إن أغلب أفعاله التي نتهمه فيها بالفشل متسقة مع مشروعه القومي، اتساقًا واحدًا، وحتى الهزيمة، وسوف أقول بأن عبد الناصر فاشلًا إذا كان قد تراجع عن مبادئه تجاه الهيمنة الخارجية من أمريكا وإسرائيل، وسوف أقول بأنه فاشل إذا استسلم وسمح للعدو بتطبيق إرادته عليه، أما أن يهزم ويرفض أن تكون الإرادة الخارجية هي التي تحكم الموقف، فإنه من مواقف القوة وليس من مواطن الضعف. ومن مواطن الإختبار للإنسان أن يدافع عن قضية عادلة حتى ولو كانت نسبة خسارته عالية.
أما على الصعيد السياسي فإن الفشل السياسي ليس مختلفًا كثيرًا عنه في مجالات الحياة الأخرى، فالفشل السياسي هو فرض العدو لإرادته عليك كمنهزم، أو عدم قدرتك كمنتصر على فرض إرادتك على عدوك.
وقد رأينا في الحرب العالمية الثانية دولًا يتم سحقها عسكريًا مثل فرنسا، وتقريبًا احتلال كل أراضيها، ولكنها سياسيًا انتصرت في الحرب العالمية الثانية، وبريطانيا التي استقال رئيس وزرائها في عام ٥٦ بسبب العدوان الثلاثي على مصر، الذي كان انتصارًا عسكريًا ولكنه اختُتِم بهزيمة سياسية، وكانت هزيمة مريرة لبريطانيا على المستوى العالمي، بل إننا نجد قادة عظام منوا بهزائم عسكرية متعددة خلال حياتهم مثل نابليون وشارل ديجول، ولكن في سياق زمنهم كانوا عباقرة لأن الهدف الذي سعوا لتحقيقه كان نبيلًا لأوطانهم، لم تمس الهزيمة عظمتهم بحال، بل إذا تركنا هؤلاء القادة وتعمقنا أكثر في الفشل، فإن الأنبياء والرسل كانت لهم مهمة محددة لتنفيذها، ولكننا نعلم أن القليل من الأنبياء فقط من تبعهم قومهم، هل فشلوا؟! وهل كانت وقفة عرابي في وجه الخديوي هو سبب الإحتلال الإنجليزي لمصر في ثمانينات القرن التاسع عشر؟
وليس هناك تشبيهًا بين هذه الشخصيات التاريخية المذكورة وعبد الناصر، ولكن طبقًا لما نصُِم به ناصر من فشل فربما من الإنصاف وصمهم هم أيضًا بالفشل. فإذا لم يكن الأمر كذلك فلنتحدث عن معاييرنا عن الفشل وليس عن جمال عبد الناصر.
وعلى مستوى الدول ولن ابتعد كثيرًا، ففلسطين دولة عربية محتلة، ولكن مواطنيها، ما زالوا لم يعتبروا سلبها هزيمة، أو فشل بل سيكون الفشل والهزيمة، هو الاستسلام ولم يستسلم الفلسطينيون لهذا الاحتلال، ولكن ما نعتبره استسلامًا قد يكون هو الاعتراف العالمي بدولة غاصبة.
وفي خطاب شهير لجمال عبد الناصر في جامعة القاهرة في أبريل ٦٨ أي بعد النكسة بأقل من عام يقول فيه عبد الناصر:
“الموضوع مش مسألة جلاء إسرائيل عن سينا وحدها، يمكن لو كانت دي هي المسألة، فالحصول عليها بكرة بتنازلات… (تصقيف عالي من الحضور)… جمال عبد الناصر مستأنفًا: أنا بقول المثقفين بيفكروا مبينفعلوش…(ضحك) أنا بقول لو العملية سينا بس، عاوز بردو تفهموا كلامي، لو العملية سينا بس، سهل، العملية مصيرنا، مصير العرب، علشان لو كنا عاوزين نسترد سينا ممكن بتنازلات، بنقبل شروط أمريكا وشروط إسرائيل، نتخلى عن الالتزام العربي، ونترك لإسرائيل اليد الطولى، في القدس والضفة الغربية وأي بلد عربي ويحققوا حلمهم اللي اتكلموا فيه من النيل للفرات ونتخلى عن التزامنا العربي، بندي هذه التنازلات ونقولهم يعدوا في قنال السويس ويرفعوا علم إسرائيل في قناة السويس وبيمشوا ويتركوا سينا، الموضوع مش هوا الجلال عن سيناء لوحدها، الموضوع أكبر من كده بكتير، الموضوع هو أن نكون أو لا نكون.
المسألة مش مسألة حل أزمة الشرق الأوسط، المسألة هي نوعية الحل، شرف الحل، شرفنا، مستقبلنا، ومصيرنا”.
إن هذا الخطاب وهو يتسق مع الواقع ومع مواقف ناصر، حيث رفض ناصر الرضوخ والاعتراف بدولة غاصبة، ورفض حلًا مصريًا منفردًا، يلخص ما سعى له هذا الرجل وحده، يبدو أنه كان وحده، لأن لا أحد آخر أدرك ما كان يدركه برؤيته الواسعة والمتجاوزة، لأنه رأى في الوحدة قيمة تعلو قيمة النصر العسكري واحتلال أرض، فالأرض يمكن استردادها، أما الوحدة فيبدو أنها قيمة أصبحت بعيدة المنال، وقد نذكر الجيوش العربية في عام ٤٨ خسرت لأنها كانت جيوش وليس جيش، فالأرض لا تسترد بدون اتحاد، إنني هنا لا أتطرق لموضوع الهزيمة وإن ذكرتها كمثال، ولكني أتحدث عن الفشل، ومعيار ما نراه فشلًا.
وإذا كنا قد تطرقنا لمشروع ناصر ومعرفة ما إذا كان يسعى لتحقيقه حتى في أحلك اللحظات، ولكن تظل رؤيتنا معتمة، بل وممزوجة بشيء من روح مضطربة في زمن مادي، وأصبح من الصعب أن نتصور زعيمًا يضع كرامة وطنه فوق كل اعتبار، وينحاز للفقراء، ويسعى نحو الوحدة في مقابل التجزئة، والصناعة بدل الخصخصة، والتأميم في مقابل المعونة، حرية الوطن بدلًا من الحريات السياسية، نعم كانت رؤيته شبه نبوية، وحلم يستلهم من المؤمنين الحقيقيين أعمالاً بطولية، لكنها نادرة التحقيق كما قال كيسنجر، والشعب حينها لم يكن مغيّبًا أو مسحورًا، وإنما كان يؤمن بالقضية القومية، ويؤمن بزعيمه ويرى التضحية في سبيل الوطن معه حتى بعد هزيمة مدوية هو واجب ينقاد إليه المرء بمحض إرادته، وأن الزعيم ترك مشروعًا بحاجة لاستمرارية وإعادة النظر إليه، كما من الصعب أن نتصور أن المصري القديم بنى الأهرام ليس بدافع العبودية والسخرة، ولكن بدافع من إرادة ورغبة في الانعتاق من عماء المكان والزمان وإقرار مبدأ العدل الكوني، كما من الصعب أن يتصور الكثير كيف يمكن للبعض أن يروا في شخص ما كرامة فيصبح وليًا يقصدونه من كل فج.
ومثل صعوبة أن نرى قيمة في كل ذلك، فقد كان صعبًا على بروكار الذي عاش في القرن التاسع عشر في وقت سادت فيه النزعة القومية، أن يفهم كيف يضحي المرء في سبيل عقيدته ولا يضحي بنفسه في سبيل وطنه. فهو بشكل أو بآخر نتاج عصره. وهو ما عبر عنه كروتش حينما قال: “إن التاريخ كله تاريخ معاصر”، ومعنى ذلك أننا نتناول القديم بما يتفق مع نظرتنا للتاريخ وروح العصر الذي نعيشه وتفسيرنا له على هدي أفكارنا ومعتقداتنا وحضارتنا الحالية.
لذلك لا يحق للمعاصرين إسقاط عقليتهم السائدة اليوم على أحداث الماضي أو الحكم عليها بمعايير اليوم، أو رؤية الماضي من المنظور المعرفي الحديث، أو التعامل معه بمصطلحات الحاضر، أو حتى محاسبة شخصياته من خلال المعايير السياسية والأخلاقية والعقائدية الحديثة، حتى تلك التي اكتسبت مؤخراً صفة العالمية، مثل الحرية والرفاهة والديمقراطية وكل النظريات الفلسفية والسياسية الحديثة التي نؤمن بها إيمانًا مطلقًا. فهذه الأمور، بالإضافة إلى كونها تشكل بدرجة كبيرة أحكامنا على الأمس، فهي تحتاج إلى مساءلة ونظر وأن نحاكمها قبل أن نحاكم تاريخنا على أساسها، ويبقى أن نفهم قيم الأمس وأن نفهم السياقات التي حكمت الماضي وأنا نتأمل الماضي بهدوء وبعيدًا عن أي تحيّز سوى للحقيقة وأن نتأمل ما نعتبره قيمًا في الحاضر ومُثُلًا عليا، وأن نتدبر ما قاله نزار قباني:
نزلت علينا كتابًا جميلًا
ولكننا لا نجيد القراءةْ..
وسافرت فينا لأرض البراءةْ..
ولكننا ما قبلنا الرحيلا
تركناك في شمس سيناء وحدكْ..
تُكلِّم ربَك فى الطورِ وحدك..
وتعرى .. وتشقى .. وتعطش وحدكْ..
ونحن هنا .. نجلس القرفصاءْ
نبيع الشعارات للأغبياءْ
ونحشو الجماهير تبنًا.. وقشًا..
ونتركهم يعلكون الهواءْ





واحدة من اهم المقالات التي كتبت عن ابوخالد من زاوية اول مرة اشوف حد تطرق لها بالاحترافية الشديدة دي💚قرأت الجزئين مرتين من اعجابي بالسرد المذهل
عايز اتواصل معاك
ضروري