هناك سيدة يعرفها كل بيت مصري، سيدة غالبًا بدأت من الأزل وستستمر بعد موت القارئ والكاتب، بدايتها بداية أسطورية وحجمها يثبت لك أن الأطباء المحذرين من خطر السمنة لا يعرفون الفرق بين الألف وكوز الدرة، هذه السيدة المطلقة يوجد منها تجليات وصور ونسخ في كل بيت مصري، سيدة مغطاة بغوايش من ذهب وسلاسل صفراء مسبوكة من أشعة الشمس، ولكن أهم ما في هذه السيدة ليس حجمها ولا أسطورة تكوينها ولا ذهبها، ولكنه المواساة، هذه الست بالألف واللام عندها قدرة أن تواسي أيوب وفي طريقة مواساتها نلاحظ شيئًا غريبًا، أنها تشاهد العالم كفيلم له إسقاطات، فكما المخرجين عندما يضعون مشهد في بداية الفيلم ليعطيك فكرة عن النهاية مثل فيلم «إبراهيم الأبيض» مثلًا عندما قال الساحر محمود عبد العزيز بصوته الزرزوريّ محددًا قدر إبراهيم بالإستفادة منه ثم الغدر والموت «لو في نخلة فرعة في حوش بيتك جذورها مدت وهيجيلها يوم تضايقك، تقطعها على طول؟ ولا تستنى بلحها الأول وبعدين تقطعها؟» فهكذا هي ترى العالم، فمثلًا عند فسخ خطوبة تراها تأتي لأهل العروس، وتتشكل على الكرسي في هيئة مربع، وتواسي العروس قائلة: يا حبيبتي دا هي كانت باينة من أولها أول ما جه هو وأهله النور قطع… فال يا حبيبتي والفال ما يكدبش، وهكذا تسير هذه السيدة مفسرة الوجود كله بشكل يعجز عنه علماء ميكانيكا الكم.
ورغم سخريتي من هذه السيدة ولكني مبهور أشد الانبهار بتفسيرها للعالم، فهذه السيدة غالبًا تصدق رؤيتها المبنية على الفال والحس أكثر منه المنطق، وأعتقد أن في كل منا هذه السيدة، فكم من مرة تشاءمنا من دخول مكان لأول مرة وحدثت مصيبة في المكان! كم من مرة انقبض صدرنا عند رؤية شخص واكتشفنا أنه كان يأتي الخراب من ورائه، ليس بالإحساس وحسب ولكن حتى الحياة بها مواقف تشعر أنها مرسومة من قبل فنان كاريكاتير، فأذكر مرة في تكريمي في حفل كان يوجد به مسؤول معروف عنه الفساد، هذا المسؤول كل شيء في شكله مرسوم ليدل على الزيف، شعره مستعار وكثيف جدًا، بشرة وجهه أبيض من لون يده بسبب مستحضرات التجميل، البذلة واسعة عن جسده حرفيًا ومجازيًا، صاحب ابتسامة بلهاء وجسده سمين من أكل الفتة كرشوة، هذا الشخص كان مزيف على جميع المستويات، من ناحية الشعر المستعار ومستحضرات التجميل، ومن ناحية منصبه الغير مستحق؛ فكان يستغل نفوذه لأشياء كثيرة رأيت منها أخفها في الميزان وهو مسح نمر لوحة السيارة، على كلٍ…
لا أعرف إذا كان هذا ما نشعر به جميعًا أم أن هذه السيدة أثّرت على تفكيري وأصابتني بتعويذة قادمة من تلك الغوايش الواصلة للكوع، ولكنّي في مرة من المرات عندما أخذت نظارتها وفكرت برؤيتها لاحظت أنه حدث فال سيء جدًا في بداية هذا العصر: وهو طلوع الإنسان للفضاء، والفضاء سيدي القارئ لا يوجد أي اتجاه فيه، لا يمين ولا يسار ولا شمال ولا جنوب، الكل مثل اللاشيء، لا يوجد أرض به لتحدد الاتجاه الذي ستسلكه بل حتى الذي تريد أن تعرفه كفضول، الفضاء هو حين تكون متعلقًا في اللاشيء، يحيطك اللاشيء، فكان بطلوع الإنسان للفضاء -أقصد وضع الألف واللام- هو بمثابة جملة عبد الملك زرزور في بداية فيلمنا (أو عصرنا) ولكنه هذه المرة لم يكن إسقاط عن الموت بل الأسوأ، كان إسقاط عن التيه، كالتيه اليهودي، هل كانت صدفة أن لفظة «التيه» مرتبطة باليهود الذين ليس لهم أرض مثل رائد الفضاء؟ أم أن هذا مقصود لسيناريو الحياة المحبوك! آه… اللعنة على الغوايش الساحرة.
ماذا أقصد بالتيه؟ التيه الذي أقصده هو ما نلاحظه اليوم في الجيل الجديد، وهو عدم وجود معيار أو على أضعف الإيمان هو عدم التمسك والالتزام بمعيار، فمثلًا من حكاوي الجيل الجديد أن هناك شابة في مقتبل العمر تصنف نفسها ك(بايسيكشوال) ولكنها لا ترافق البنات لأن هذا حرام، ولكنها في نفس الوقت تدافع عن حقوق المثليين! ومثلًا من مظاهر هذا العصر هو الإيمان التام بالحرية الفردية وعدم الحكم على البشر، ولكن إذا عارض أحد المثلية الجنسية، نجد كل هؤلاء حكموا عليه بأنه كاره للآخرين وخطر عليهم، ويُحتمل أنه سيؤذيهم وعنصري ويحمل أفكارًا هدامة للفضاء، مع أن هذه الوصلة بين رفض فكرة المثليّة وإيذاء الشخص المثلي مثلًا هي غير موجودة، فرواد الفضاء يربطون أفكارًا غير موجودة ببعضها البعض ويحاكمونك على أساسها مع أنهم في نفس الوقت رافضون للحكم على الأشخاص، وفي نفس الوقت هذا الشخص مارس حريته في رفض الفكرة… الله غالب.
لماذا أسميهم برواد الفضاء؟ ولماذا أحذر ولو ضمنيًا من أن تكون رائد فضاء؟ أسميهم رواد الفضاء لأن في المثالين كان هناك احتكام لمعيارين مختلفين في نفس الوقت، مثل الإيمان بالحرية الفردية في المثلية الجنسية، ومنع ممارسة الغير لحريته في رفضها، ليس هناك أرضية واحدة للوقوف عليها لتحديد أين اليمين وأين اليسار، هكذا هو رائد الفضاء، هائم في الفراغ لا يعرف يمينه من يساره ولا يوجد عنده أرض، وأنا لا يهمني صواب المعيار بقدر ما يهمني وجود معيار من الأصل، وهنا نرد على السؤال الثاني: (لماذا أُحذِّر ولو ضمنيًا من أن تكون رائد فضاء؟) الذي أعتقد أنه وضح بشكلٍ ما، فالاحتكام لمعايير مزدوجة هو من أهم أسباب التيه والتردد والضغط النفسي، فالالتزام بمبادئ وما يخالفها في الوقت ذاته هو نوع من السخرية من أنفسنا، ويترتب عليه أولًا النفاق لأننا نحكم على نفس الموقف بمعيار ونقيضه، وثانيًا أننا نُضل أنفسنا بأيدينا ونبعد عن الحقيقة؛ لأنه لا سبيل للحقيقة إلا بوجود أرض ومعيار نقف عليهم لنحدد أين اتجاه ذلك السبيل، ولا أدّعي طبعًا أننا بهذا سنكون متكلمين بالحق ورافعين لراية الحقيقة المطلقة، ولكن على الأقل سنقف على أرض نفترض أنها حقيقية، وبالطبع من الضروري أن نقيّم تلك الأرض وذلك المعيار، ولكن أقل الإيمان أن يكون هناك أرض.
ما المشكلة التي على الحافة؟ أين رُبطت العقدة تحديدًا؟ هل المشكلة في عدم وجود معيار وعدم التمسك به أم المعضلة في الاحتكام لمعيارين مختلفين؟ الحقيقة أن المشكلة مرتبطة بهم جميعًا كقطع الدومينو المنتظمة حين تقع واحدة تلو الأخرى، ولكن هناك قطعة دومينو في بداية الطابور وهي عدم وجود رؤية للحياة. الحياة تُعاش وفق رؤية معينة، تكون عدمي أو عبثى أو ترى للحياة معنى، تؤمن أن الإله موجود أو تؤمن أنه غير موجود، تهب حياتك للذة والمتعة أو تهبها لقيمة ومعنى، تقول بالنسبية أو تقول بالحقيقة، الاتحاد السوفيتي أم الولايات المتحدة، وكل رؤية من بين تلك الرؤي حين تتبناها تعيش حياتك بشكل مختلف نهائيًا عن ما إذا تبنيت رؤية مختلفة، فمثلًا لو آمنت بوجود معنى في الحياة ستعيش حياتك باحثًا عن ذلك المعنى وتحاول الوصول له والتقرب منه، على عكس لو رأيت أن الحياة بلا معنى فحينها لن يفرق أي شيء، الكل مثل اللاشيء، ولو آمنت بإله ستتبنى نمط حياة مختلف عن نمط حياة الذي آمن بأنه غير موجود، وهذه الرؤى كلها تنعكس في المعيار الذي ستتخذه لتحكم على الأمور، ما الجيد وما السيئ؟ ما الأخلاقي وغير الأخلاقي؟ كل تلك الأسئلة لنجاوب عليها يجب أن نتخذ معيارًا نحدد على أساسه الحكم، والمعيار هو انعكاس للرؤية فإذا كانت رؤيتك للحياة أنها بلا معنى وعبثية، فستكون تلك الأسئلة غير مهمة بالأساس، ولو كانت رؤيتك للحياة أنها ذات معنى وأن هناك حقيقة فعلى الأقل ستحاول الوصول لإجابة، لأن في خضم الحياة نحتاج أن نجاوب على أسئلة فكيف سنجاوب عليها إذا لم يكن عندنا رؤية للحياة أصلا؟ فبعدم وجود رؤية يأتي بعده عدم وجود معيار واحد، وبعدم وجود معيار واحد واحتياج للإجابة عن سؤال، نجاوب بأي معيار، معيار من الشرق ومعيار من الغرب، مرة ندافع عن الحرية ومرة نكبتها، لأنه لا توجد رؤية، لا توجد أرض.
وعلى ذكر الأرض دائمًا كان ينتابني سؤال وهو لماذا تم إختيار منطقة الزمالك كأرض لتجمع رواد الفضاء هؤلاء؟ ولم أعرف الإجابة إلا حين ارتديت نظارة سيدة الغوايش الساحرة، الزمالك يا عزيزي هي أرض تابعة لمحافظة القاهرة إداريًا ولكنها في حقيقتها هي جزيرة محاطة بالمياه فلا هي في القاهرة ولا هي في الجيزة، كالتي رقصت على السلم، لا اللي فوق شافوها ولا اللي تحت سمعوها، كذلك رواد فضاء الزمالك لا يملكون معيار لتحديد أي موقف يتخذون، القاهرة أم الجيزة؟ ويبدو أن جزيرة الزمالك كانت تسبب مشاكل من سنين طويلة، فأتذكر أحمد فؤاد نجم وهو يهجو رواد الزمالك بصوت الشيخ إمام في أغنية «يعيش أهل بلدي»، ويبدو أن إسقاطات الحياة ذات السيناريو العجيب لا تفارقني لأن بالصدفة نفس المطرب الذي هجى الزمالك غنّى فخورًا بأنه يسلك اتجاه محدد، وأنه في صف وليس في وسط كل شيء في أغنية «هنغني ودايمًا هنغني»، فقال: «ماشيين عارفين مع مين.. على مين.. دايمًا واضحين.. مش بين دا ودا.. هو احنا كده.. وهنبقى كده».
وبعد اعتذاري إذا رأى أحد مني أن نقدي لاذع وأني طرحت مقترحات شائكة -مع أني لم أقصد أن أشوك أحدًا- في زمن الحياد فيه فضيلة والرقص على السلم قيمة عليا، أكتب بنبرة أكثر جدية، وأقول في هيئة رسم بالأحرف: أن يا أيها المتمزق بين آهات المجذوبين في أضرحة الأولياء بقاهرة المعز، ونغمات الجاز في الجيزة، يا أيها المعفي لحيتك بشكل يسمح لك بدخول المسجد والحزب الشيوعي، يا مُمزّع بين الجامع والخمارة، والبدلة والكاجوال، يا من تشرب البيرة في منوّر وتسميه بار، يا أيها المصلوب بين القاهرة والجيزة، اتخذ خطوة… أي خطوة تغنيك عن ضياع الأرض وغبار النظر وعتمة المعيار، اتخذ معيارًا ثم قيّمه… اقفز قفزة إيمان كما دعا «كيركيجارد»، وقبل أن تقفز… اعلم أن هناك الآلاف ممن صُلِبوا مثلك ولكن العالم لم يتذكر سوى المسيح، لأنه أتخذ موقفًا ودافع عن معيار، واعرف أن أرضًا تحملت جسد المسيح، وسمعت آهاته لم تكن أبدًا لتُخلق أرضًا هشة أو رخوة، حتمًا كان لابد للمسيح أن يصلب على جبل، كان لابد للصليب أن يُغرز في أرضٍ صلبة، فتمتِم بكلمات المسيح واقفز على أرض.. أي أرض.. أي معيار يا مصلوب… لهذا يا رائد الفضاء القاطن في الزمالك… لازم تشتريلك أرض.

