رواية دميان لهرمان هسه تُصنف كقصة بلوغ (Coming of Age)، أو كما يسمى هذا النوع بالألمانية (Bildungsroman) التي تعني قصة تربية أو تنشئة، وهو نمط من الأدب يتناول فترةً من عمر الإنسان تعد خاصة جدًا بكل تقلباتها وانفعالاتها وكونها حدًا فاصلًا بين عالمين.
القصة في ظاهرها هي حكاية الفتى “إميل سنكلير” وانتقاله من الطفولة إلى الرشد، إلا أنها تحت هذا السطح الخادع، هي قصة شديدة العمق. إنها قصة بلوغ الإنسان لذاته. قصة الرحلة التي لا يوجد غيرها، رحلة الإنسان صوب نفسه.
في الحضارات القديمة وفي بعض المجتمعات التقليدية حتى يومنا هذا وجدت طقوس تسمى طقوس العبور أو القبول أو الابتداء، وهي طقوس تقع على العتبة بين عالم الأطفال وعالم النساء والرجال. عادة ما تكون هذه الطقوس قاسية، يمر فيها الفتى أو الفتاة بآلام تبدأ من الفصل عن الأم، بشكلٍ قاسٍ أحيانًا، و تصل لأن يُطلب منهم قتل حيوان بري أو تحمل ألم جسدي بالغ.
إذا تخلينا عن نظرتنا الفوقية لشعوب الماضي، لرأينا أن الطقوس التقليدية هي دومًا تمثيل لفعل طبيعي أو ربما إلهي. قسوة هذه الطقوس لا تقل قسوة عن الخروج من الرحم، إنه أمر مؤلم لكنه ضروري. فتكون قسوة هذه الطقوس ما هي إلا محاكاة لقسوة كامنة في الطبيعة، والطقس هنا هو عتبة، علامة فارقة لا تُمحى من الذاكرة، له أثر نفسي بالغ وقد يترك أثر جسدي. هو مرور لا يمكن الرجوع فيه، تمامًا كما الخروج من الرحم.
هذه الطقوس هي أيضًا طقوس قبول، ليس فقط حيث يقبل رجال القبيلة ونساءها رجلًا أو امرأةً جديدين بين صفوفهم، ولكنها اللحظة التي يقبل الشاب حكم الإله والطبيعة. لكن هل يملك غير ذلك؟ هل يملك ألا يقبل؟
نعم، يملك الإنسان أن يتشبث بما يجب أن يمضي، ويملك أيضًا أن يكون مفعولًا به فيترك نفسه كجذع شجرة يجرفه نهر الحياة الجاري. إن القبول هنا هو خوض واعٍ لهذه الآلام، هو الخروج إراديًا من النعيم.
إن الرحم والطفولة هما نعيم يكون الخروج منهما بمثابة السقوط من الجنة. من لا يقبل يكون الفردوس بالنسبة له مفقود ضائع ويكون هو ملعون. لكن من يقبل يعبر من خلال الجحيم والظلمات ليبعث في جنة من صنعه.
قصة “إميل سينكلير” هي قصة خروجنا من الجنة، وملاقاتنا للشيطان، هي مُضينا قدمًا نحو المجهول حتى نعانق الموت لنحترق ونُبعث من جديد.
الخروج من الجنة
كان “إميل سينكلير” يعيش في ما سماه هيرمان هسه (Scheinwelt) التي تعني بالألمانية عالم النور، عالم البريق. إنه عالمٌ نقيٌ نقاء البدايات، ذلك النقاء الأوليّ الذي يسبق الحياة. عالمه هذا هو الجنة، ولكنها الجنة التي خرج منها الإنسان وليست تلك التي ينشدها، ربما لذلك سماه هسه (Scheinwelt) لأنها تعني أيضًا عالم الزيف.
عالم النور الحقيقي هو ذلك الذي يصل المرء إليه بعد أن يعبر الظلمات، بعد أن يحارب وحوش العالم والوحوش بداخله. بعد أن يبتلعه الحوت فيشق بطنه ليخرج منها، بعد أن يدخل النار مرارًا فتطهره. إنه نور لا يجهل الظلام بل يخترقه ويتسامى عليه.
إن العالم القديم بكل نقائه يصبح مميتًا عندما يحين الوقت لتركه. كان على “إميل” الصغير أن يترك طفولته ويمضي خارج جنته. إن الطبيعة تدفعنا للخارج، لكن شتان بين من يُعمِل إرادته ليخرج ومن يقاوم حتى تجره الطبيعة للخارج، فيعيش طفلًا في عالم الكبار. إن الخروج بإرادة نحو الظلام هو النضج والخروج دون إرادة هو العذاب.
نقاء هذا العالم كبراءة إميل، براءة من لم يحيا بعد ولم تختبره الصعاب. ومن حسن حظ “إميل” أن العالم القديم قد ضاق عليه بعدما ارتكب جرمًا صغيرًا شعر بعده أنه قد فقد براءته، وأنه غير مستحق لأن يكون في عالم النور. ففي عالم النور (عالم الوهم) لا مجال للخطأ، فالخير والشر في هذا العالم هما جبهتين متباعدتين لا يمكن الجمع بينهما.
لكن في العالم الحقيقي، لا يوجد نور بلا ظل ولا ظل بلا نور، يتعايش الإثنان ويتمازجان. وبقبوله لهذا يكون قد قابل الشيطان.
ملاقاة الشيطان
يلتقي “إميل” بـ “دميان” الذي علِم بجرمه الصغير دون أن ينطق به إيميل. لقد ظهرت علامات الإثم على وجهه، وحمل ذنبه على ظهره كما لو كان هذا سوف يطهره من جديد، كما لو كان هو الثمن الذي يدفعه نظير خطاياه.
لا يحتمل كثير من الناس ارتكاب الأخطاء، ليس حبًا في الفضيلة ولكن تشبثًا بعالم النور، العالم الذي لا ظل به، هو بشكلٍ ما يرفض أن يعيش في العالم الحقيقي حيث لا مفر من الخطأ، وحيث لا تبنى الفضيلة باعتزال الفعل ولكن بالإقدام عليه وتحمل وزره.
كان “دميان” يعلم أن الامتثال العقيم للقواعد ليس علامة فضيلة وأن أخلاق القواعد، أخلاق “افعل ولا تفعل” هي صالحة للأطفال لكن لمن يجتاز العتبة لعالم الكبار، لا تصلح مثل تلك القواعد، يصبح على المرء أن يمتثل للقواعد الوحيدة التي تستحق الاحترام؛ تلك التي يمليها عليك الجزء الأعمق في نفسك. ذلك الصوت الداخلي، صوت الضمير. في عالم “دميان”، إن خيانة ذلك الصوت هي الخطيئة الحقيقية.
كم من أناس يظنون أنهم أنقياء فقط لأنهم لم يعيشوا، وبالتالي لم يلوثوا ولا يدل ذلك على فضيلة بقدر ما يدل على خوف من المسؤولية والعقاب. إن فضيلة لم تتعرض للاختبار لا تعد فضيلة، إن إنسانًا لم تسنح له الفرصة للإثم، لا يمكن أن يدّعي أنه فاضل.
“من الممكن لشخص ما ألا يتجاوز في حياته كلها قانونًا واحدًا، ومع ذلك يظلُّ سافلًا والعكس صحيح. عمليًا هي مسألة قناعة فقط. والذين هم أكثر كسلًا واسترخاءً من أن يفكروا لأنفسهم وأن يصبحوا قضاة نفسهم، هؤلاء هم الذين يَصدعون للقوانين. وهناك آخرون يشعرون بقوانينهم الخاصة في كوامنهم. وهناك أمور يعتبرونها ممنوعة على الرغم من أن أي إنسان شريف يُمكِن أن يقوم بها في أي يوم وفي كل وقت. وأشياء أخرى مسموحة لهم لكنها في نظرهم مُحتَقَرة. على كل إنسان أن يقف على قدميه.”
إن هذا التحرر من القواعد المفروضة لا يساوي الانحلال الأخلاقي، بل على العكس، لأن اتباع ذلك الصوت الداخلي هو شديد الصعوبة، فهذا الصوت ليس صوت رغباتنا ولا مخاوفنا، هو صوت الجزء الأكثر عمقًا في داخلنا، وذلك صوت لا يميل أبدا لأهوائنا، هو الضمير الذي يطاردنا في صحونا وأحلامنا. لقد أدرك “إميل” أن “دميان” رغم تحريره له من بيت والده إلا أنه سيكون أكثر تطلبًا منه، وأنه سيحاول جعله أكثر استقلالية ومسؤولية، فيقول لنفسه:
“ولقد أدركت اليوم أنه ما من شيء في الدنيا أكثر إثارة للاشمئزاز للإنسان من اختياره السبيل الذي يوصله إلى نفسه.”
المضي نحو المجهول
الحقيقة أن “إميل” رغم خروجه من عالمه القديم إلا أنه كان لا يزال عالقًا به. كان يبحث عن عالم شبيه بعالم النور ولم يتصالح مع الظلام. لقد غاص فيه وسُحب إلى عمقه لكن لم يقبله بحق.
كان يظن في أعماقه أنه قد سُلب حياته الأولى، أنه قد طرد من الجنة وخسر منزلًا وأبًا وحياةً. شعر أن طفولته كانت كذبة وأن كل ما احترمه في يوم الأيام مجرد سراب، شعر أنه قد خدع، أنه قد خُذل. كل أمانيه ومخططاته لم تعد له، هي فقط “ما يجب فعله” وفقًا لذلك العالم، وجد نفسه أمام ذلك الوحش الرهيب الذي نسميه “الواقع”، عالم الكبار الموحش، كان الشعور الذي يملأه هو الغضب؛ لذلك كان خروجه من عالمه القديم تمردًا ليس تخرجًا، لكن ذلك التمرد انصب على كل شيء حتى نفسه. تمرد على العالم ثم خاصمه وبدأ في تدمير نفسه كاحتجاج. ظن “إميل” أنه بهدمه أصنام الماضي، يكون قد كشف حقيقة هذا العالم وأن ذلك هو إنجازه. بدأ بالفعل يكون متعاليًا وغير مكترث.
“كانت هذه طريقتي في الاحتجاج. وكنت من خلال ذلك أدمر نفسي، ولكنني في أحيان أخرى كنت أفهم الحالة كالتالي: العالم لا يستطيع الاستفادة ممن هُم مثلى، وإذا لم يكن لديه مكان أفضل أو مهام أسمى لهم، فإن من مثلي، في هذه الحالة، سوف يتدهورون؛ والخسارة، عندها، ستكون خسارة العالم.”
عندما قابل “دميان” مرة أخرى بعد انقطاع، رأى عتابًا في عيني صديقه، واستشعر نقدًا على أسلوب حياته أشعل غضبه، ولكن “دميان” أجابه:
“على أية حال… تظل حياة السكير، فرضيًا، أكثر حيوية من حياة المواطن العادي حسن التصرف ولقد قرأت في مكانٍ ما أن حياة الباحث عن المتعة هي الإعداد الأول للتحول للصوفية.”
التحول للصوفية؟ أي صوفية تلك؟ كيف يمكن لفاسق مثله أن يكون صوفيًا؟ كيف يمكن له أن يؤمن مرة أخرى؟
“عند هذه النقطة تأجج في داخلي إدراك جديد: لكل إنسان “مهمة” خاصة به. لكن ما من مهمة يستطيع المرء أن يختارها وأن يحددها وأن ينجزها كما يرغب. كان من الخطأ البحث عن آلهة جدد، ومن الخطأ الفادح محاولة تقديم شيء للعالم. إنَّ على المتنور واجبًا واحدًا -أن يبحث عن طريق يوصله إلى نفسه، وأن يصل إلى اليقين الداخلى، وأن يلتمس طريقه إلى الأمام، وأينما أدَّى به ذلك. لقد هزني هذا الإدراك بعمق؛ فهو ثمرة هذه التجربة. وكثيرًا ما تأملت صورًا من المستقبل، وحلمت بأدوار قد أرشح لها كالشاعر أو النبي أو الرسام أو ما يشبه ذلك.
وكان هذا كله عبثًا، إذ إنني لم أخلق لكتابة القصائد أو للوعظ أو للرسم، لا أنا ولا غيري. هذا كله يأتي بالمصادفة. لكل إنسان مهمة أصيلة واحدة – هي العثور على طريق صوب نفسه.”
نحن لا نحب السجون، ولكن عماء العالم الغير محدود حيث لا مركز ولا حدود، حيث يتساوى كل شيء هو أيضًا لا يطاق بل يكاد يكون قاتلًا. حقيقة الأمر أن “إميل” كان تائهًا في العالم الفسيح، لا يعرف في أي اتجاه يذهب. وأمام هذا الخوف من المجهول، كان رده عنيفًا تجاه نفسه.
أدرك “إميل” أن خروجه من العالم القديم لم يكن نهاية الأمر. كان عليه أن “يؤسس” عالمًا جديدًا، كان عليه أن يجد مركزًا ومحورًا ويبني لنفسه محرابًا. لقد أدرك حينها إنه بصدد المهمة الأصعب على الإطلاق.
“مرة أخرى رحت أحاول جاهدًا بناء «عالم نور» أليف لنفسي ومن ترنحات فترة من التخريب. ومرة أخرى ضحيت بكل ما هو في داخلي من أجل طرد العتم والشر من نفسي. وأكثر من ذلك “عالم النور” الحالي هذا كان إلى حدٍ ما من صنعي. لم يعد مهربًا ولا زحفًا إلى الوراء نحو الأم ونحو أمان اللامسؤولية.
إنه واجب جديد، واجب ابتكرته ورغبت فيه بحريتي وبمسؤولية وسيطرة على الذات و غرائزي الجنسية، ذلك العذاب الذي كنت أعيش هربًا دائمًا منه، صار عرضة للتحول إلى روحانيات وإلى تفانٍ في هذه النار المقدسة.”
مهمة “إميل” تتطلب أن يؤمن مجددًا. كان عليه أن ينشد النور، ليس بريق العالم القديم بل نورًا حقيقيًا. لكن هل يؤمن من فقد إيمانه مرة. إن انهيار الأصنام صدمة لا يقوى المرء على تكرارها، فيعيش كافرًا.
لا شيء يتطلب شجاعة أكثر من الإيمان. فالإيمان هو أن تقذف بنفسك إلى الهاوية دون معرفة مصيرك. الإيمان هو أن تجازف بحياتك، وأن تنفقها في سبيل أمر غير مضمون ولا يمكن ضمانه أو التأكد منه.
معانقة الموت والبعث
إن قفزة الإيمان هذه هي معانقة للموت، هي أن تُصلب كالمسيح وتُعدم كسقراط، هي التضحية بكل شيء. إن التضحية بالنفس ليست مثل تدميرها رغم أن كلاهما ينطوي على نفس الفعل؛ فالتضحية هي فعل إيمان، وكان هذا ما ينقص “إميل”، كان على “إميل” أن يقفز قفزة إيمان، كان عليه أن يضحي بنفسه ويكرسها لشيء أسمى.
“وبتكريس نفسي لها كنت أكرس نفسي للروح وللآلهة. وبذلك الجزء من الحياة الذي استقيته من قوى الظلام كنت أضحي من أجل قوى النور. ولم يكن هدفي الغبطة بل الطهارة، لم تكن السعادة بل الجمال والروحانية.”
لولا “دميان” لما كان “إميل”، لولا تحريضه له على عصيان والده وطاعة الصوت الأعمق بداخله، لظل “إميل” طفلًا طوال حياته. “دميان” هو شيطاننا الداخلي الذي يحثنا على التمرد، هو “ديمون” سقراط الذي لم ينصت سقراط لصوت سواه، هو من حثه على قلقلة العالم، هو من دفع به إلى حتفه، وهو أيضًا من جعله خالدًا.
“وجميل أن ندرك أن في كوامننا شخصًا ما، يعرف كل شيء ويرغب في كل شيء ويفعل كل شيء، أفضل منَّا نحن.”
لقد مات “إميل” الصغير، ومن رماد حياته السابقة، خرج إلى نور لا يعرف عنه شيئًا معظم من يحسبون أنفسهم أحياء.
الاقتباسات من ترجمة عمر المهدي للرواية

