في ذكرى ميلاده الخامسة بعد القرن، ما زال الحديث عنه مشحونًا بقدر كبير من المشاعر وتبادل الاتهامات القاسية، وتحميل تلك الفترة مضامين مختلفة ومتعاكسة، فالبعض يرى حكايته هي حكاية الأمل الموؤود، والفردوس المفقود، والنضال والإستقلال، والعزة والكرامة، ويراه الأغلبية من معاصرينا على أنه الديكتاتور الجاهل، وصاحب تراث كبير من الهزائم، والمشوِّه للذوق العام.
إن هذا الحوار والجدل الدائر بلا نهاية، على ما يؤكده من تأثيره علينا، فهو مادة خصبة لتناول مجموعة من المفاهيم والمواضيع والأفكار والمثل العليا التي تشكل نظرتنا ورؤيتنا للعالم والمجتمع، وتضع الأطر التي من خلالها نطلق أحكامنا القيمية في مجال السياسة والأخلاق، وتضعنا في مقاربة مع ما نراه مثاليًا ومدى اتساقنا مع هذا المثالي، وتحدد بشكل كبير هويتنا أو على الأقل تشير إلى ما نحن عليه، كأفراد وجماعات ومجتمعات.
ونلقي الضوء على مصطلحات معقدة، ومتكررة، على سبيل المثال لا الحصر: التاريخ وكيفية تناولنا له، الحريات السياسية والفردية في مقابل الاستقلال والحريات الاجتماعية، ومعايير الحكم التي نتبناها فيما يخص الماضي، ومصطلحات مثل الفشل والإرادة والرمز، العروبة والوحدة، والتعريف بما هو سياسي وما هو أخلاقي.
وما يزيد هذا الحوار إثارة وحيوية، أن هناك وثائق وتسريبات وشهادات يتم الإفراج عنها كل فترة من أطراف مختلفة، وأن المعاصرين لهذه الفترة لم يفارقونا منذ بعيد.
ويلاحظ هنا أن الوثائق التاريخية والشهادات والتسريبات تكشف لنا عن وجه جديد من الحقيقة التاريخية، وهو ما يعني أن المعاصرين لحدثٍ ما لا يدركون الصورة الكاملة وخصوصًا إذا كانت أطرافًا متنازعة وبينها عداء، فمن الطبيعي أن يخبّئ كل طرف عن الآخر ما ينتويه، والأدوات التي سيستخدمها، وهو بديهي للغاية ولكننا في تناولنا للتاريخ نتجاهل هذه البديهة.
ولكن أيضًا لا يكون مستساغًا لنا حتى بعد كشف الوثائق ومعرفة كل الأدوات التي يلعب بها الأطراف، أن ندرك الحقيقة أيضًا لأن هناك ما نفقده في هذه العملية، وهو السياق التاريخي الذي تدور فيه اللعبة الخطيرة، وبالتالي اختلاف معايير الحكم باختلاف الأهداف والمثل العليا والمبادئ الحاكمة لكل زمن، ومثال ذلك ما عرضه الدكتور طه حسين، في تناوله شخصية أبي العلاء المعري الشاعر، فقد كان لا بد أن يُفرِد للسياق الزمني والمكاني الذي وُجد به أبو العلاء فصلين، فنفهم من سياق هذا ما ألمّ بأبي العلاء وندرك أثر علته البصرية في رؤيته للحياة وبالتالي أثره على شعره، وأثر الصراع السياسي والديني في هجائه لكل الملل والنحل، وأثر الحياة الإجتماعية والأخلاقية في سخطه الدائم واعتزاله للناس ورفضه للإنجاب، وكل هذا لأننا نفهم الرجل في سياق عصره، ولا يمكن لنا أن نحكم عليه منفصلًا عن عصره، كما يقول طه حسين:
“فليس لنا بدٌّ من أن نصف في عصر أبي العلاء، حاله الأدبية والفلسفية، وحياتَه السياسية والاقتصادية، ومزاجه الخلقي والاجتماعي؛ ليتأتى لنا أن نفهم أبا العلاء، كأنه شيءٌُ متصل بعصره، غير منفصل عنه، ولا مُنقطعٌ ما بيننا وبينه من الوسائل والأسباب.
إنما الحادثة التاريخية والقصيدة الشعرية والخطبة يُجيدها الخطيب، والرسالة يُنمقها الكاتب الأديب، كل أولئك نسيج من العلل الاجتماعية والكونية، يخضع للبحث والتحليل، خضوع المادة لعمل الكيمياء”.
وستظل الحادثة التاريخية لا تعبر عن الحقيقة كاملة بل تقتصر على الجانب المادي منها وهو الحدث وتفتقد عنصرًا جوهريًا، وهي اللحظة النفسية، التي لا يمكن أن تعاش إلا في لحظتها، لحظة الفعل البطولي والمجد الذي يخلق الأبدية في مواجهة صيرورة الزمن. فكما يظن نيتشه، إن كان للتاريخ بدٌ، فمهمته أن ينقل لنا تلك اللحظة البطولية والأبدية، لنعرف أن الأفعال المجيدة كانت ممكنة في يومٍ ما، وأن هذا المجد من الممكن أن يعود مرة أخرى؛ لأن مثل هذا التاريخ هو نوع من تأكيد الحياة وتعزيزها، يجنب الإنسان اليأس ويساعده على الفعل. وهذا التاريخ التذكاري يكشف الماضي النبيل المنسي عندما يتعرف فيه الإنسان على المجد البشري.
وتلك الفترة التي نعنيها كانت لحظة تاريخية ومفصلية ولحظة بطولة في تاريخ العالم الحديث، وكنا على موعد مع تشكُّل الإمبراطوريات الحديثة، وخفوت نجم إمبراطوريات أخرى، وتحددت على أساس هذه الفترة وجه حقبتنا الحالية، ومصائر الدول والشعوب حتى اللحظة، وكانت فترة الخمسينات والستينات هي الفترة التي كانت تسعى الإمبراطورية الجديدة لتثبيت أقدامها في دول وشعوب “أدنى”، وهي نفس الفترة التي كانت تقاوم فيها شعوب العالم هذه النزعة الاستعمارية الحديثة، وكان الرمق الأخير لشباب العالم المثقف والواعي والمدرك لتلك النقلة التي كانت تحدث نحو عصر جديد من الهيمنة الاستعبادية على العالم.
وسمة ذلك العصر كما نراه في الوسائط المرئية اليوم أبيض وأسود، كان أسودًا بعد الحرب العالمية الثانية وخصوصًا في أوروبا واليابان وجميع الدول التي شاركت في الحرب وبقدر أقل على جميع شعوب العالم، حيث شعرنا بأن الإنسان يقتل نفسه في ذروة ما قد ندعوه التقدم العسكري والتكنولوجي والعلمي، وشعور الإنسانية بإنها فقدت شيئًا، جزءًا من روحها، فقدت إنسانيتها في عصر سمته الإنسانية، عصر الهمجية والبدائية والتخلف الذي لم يسبق له مثيل، وظهور النزعات الشمولية مثل الشيوعية والفاشية والنازية، وكان عصر تحطمت فيه حقًا روح الإنسان الحديث وتفشى اليأس، ولكن بالنسبة لآخرين على نفس الكوكب كان أبيضًا مشحونًا بالأمل والحرية والإستقلال والأحلام المستحيلة والإرادة المستقلة وحق تقرير المصير لكل تلك الدول التي عانت عقودًا تحت وطأة الاستعمار، واستُنفِذت في حربٍ لا ناقة لها فيها ولا جمل، وكانت ترى في هذه الحرب عزاء ومداواة وبعض الشماتة في محتليها الذي يعانون في الحرب، ويدعون عليهم بالهزيمة من قبل الطرف الآخر، نعم كان عصرًا يملك على الإنسان أن يكون على حافة الأمل أو على حافة اليأس.
وكنا جميعًا على عتبات حقبة جديدة تنفرج عنها واحدة من أعتى عصور الإنسان يأسًا وضياعًا، ويصدر من الإنسان ما لا يمكن تصوره، وتتولد عن هذه الحقبة السوداء البيضاء كما وصفناها، إمبراطوريتين جديدتين هما نتاج وعصارة الروح البشرية المحطمة والمهشمة، وهي المعبر بالضرورة عن شكل جديد لعالم لا مكان فيه للضعيف، ويخضع لاستعمار هو أخطر وأقوى وأكثر هيمنة وسيطرة، إنه المكنة الإقتصادية وعصر سيادة الرأسمالية، والسيطرة على مناطق البترول، وتحويل الدول لسوق استهلاكي اعتمادي، وفرض قيود استعمارية، والتدخل في سياسات الدول، وإجبارها في بعض الأحيان على الرضوخ لقرارات توائم مصالح الإمبراطورية الصاعدة، وترتسم ملامح سياسة عالمية تختلف جذريًا عن ما عرفناه، وفي ظل عصر تبدل الإمبراطوريات وصراع القوى في الشمال، وتقسيم الغنائم كانت دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تتشارك نفس المصير في محاولة الإفلات من قبضة الدول المهيمنة، والشركات العابرة.
وكان الصراع ما زال وليدًا، حتى أدركت هذا الشعوب الخارجة من تحت وطأة الاستعمار التقليدي للإمبراطوريات القديمة، أنها على وشك الوقوع تحت استعمار حديث لا فكاك منه، من قبل الإمبراطوريات الحديثة، والتي تضع نصب عينيها من ضمن ما تضع، منطقة الشرق الأوسط، حيث طرق المواصلات التقليدية ومنابع البترول، وبوابة الموارد الطبيعية في إفريقيا وآسيا.
ومصر هنا في المنتصف من العالم، تحاول الاستيقاظ من ٤ قرون من الغفوة التي بدأناها منذ غزانا آل عثمان وحتى الحملة الفرنسية والاحتلال الإنجليزي في عصر الأسرة العلوية، والفلاح المصري مستعبد في أرضه، لا يأكل إلا الفتات، والملك يركع تحت إرادة سفير دولة أخرى، ونحن وكدول “عالم ثالث” فرائس للاحتلال، لا نعرف من السياسة أكثر مما يعرف راعي غنم في صحراء شبه الجزيرة العربية.
وفي ظل كل تلك الأحداث وعلى إيقاع موسيقى شهرزاد لـ”ريمسكي كورساكوف”، بطلنا يخطط لقلب موازين القوى والصراع في العالم العربي والعالم أجمع، ويقف في منتصف تاريخ العالم، ليضع الأمور في نصابها، ويعلن عن حقيقة تاريخية تم تناسيها، وهو أن كرامة أي أمة فوق كل اعتبار، وأن الاحتلال الحقيقي هو غصب إرادة الشعوب، ومصر في القلب تجمع العالم من حولها وتصنع نموذجًا للكرامة، وترفض الانحناء، وتقرر أنها كانت وستكون يومًا ما من الدول العظمى التي لا يمكن بحال تهميشها، بحكم موقعها الجغرافي من ناحية وبسبب جذورها الحضارية التي تفرض عليها هذا، وبسبب أهدافها وطموحاتها ورغبتها في التحرر والتي تتعارض مع الاستعمار الراغب في السيطرة ومواصلة الاستغلال، وأن هذا الصراع في الأساس والواقع هو صراع وجود.
هذا القالِب لموازين القوى، أحد تلك الشخصيات التي من الصعب الوقوف على الحياد معها، يظل في وجداننا موقفًا تجاهه، لأن أفعاله عظيمة إذا ثبت حسن نيته وأخطاءه فادحة إن ساءت نواياه.
فحكايته لا تعبر عن النصف بأي حال من الأحوال، لأنها هكذا هي حكايات البطولة، فالبطل ليس نصفًا، إما بطل وإما لا، ولا يأخذ أنصاف مواقف، وليس له أنصاف رُؤى، ولا يقف على نصف أرض، ولا يتعلق بأنصاف المبادئ
شخص غير قابل للإفساد، ولا للرشوة ولا للإغراء بأي شكل، مات مديونًا، ولم يتخل ولو للحظة عن مبادئه وقيمه وقضية أوطانه وشعوب العالم الثالث المستضعفة والمشردة، انحاز للفقراء والضعفاء كما ينحاز الأبطال دومًا، بطلنا يمثل عصر الأمل وذاكرة العروبة، بطلنا بطل لأنه لم يرضخ، ولم يهزم، ولم ينتصر أيضًا على الأرض، ولكنه انتصر بوقوفه على مبادئه رغم كل شيء، ورسّخ وأسس للحق، والحسين مات في كربلاء ولكن بدمائه أعلى قيمة الحق في وجداننا، وكذلك هم الأبطال، لا حاجة لهم بهذه الانتصارات، فما أغناهم عنها! وما أحوجها إليهم!
بطلنا عرف ما يريد وسعى لتحقيقه، بطل لأنه وقف متحملًا لكامل المسئولية التاريخية والسياسية عن ما كان مسئولًا عنه، ولم يستجد ولم يساوم ولم ينافق، فخرجت الجموع، التي تعلم أن البطل يصمد وسط المعركة بأسلحة مُحطمة وجرح مفتوح؛ لأنه يعكس استمرارية الحق في الأوقات العصيبة، ويوم وفاته، كانت أول وآخر وحدة عربية تكللت في مشهد جنازة شعبية لم ير التاريخ مثلها، تودع معه أملها وكرامتها.
حكايات البطولة هي على ما هي عليه، لأننا نفتقدها، نفتقد ذلك العصر الفردوسي الذي كنا فيه في الأعالي، وما يجعل الأبطال على ما هم عليه، أنهم أفنوا أنفسهم في سبيل تحقيق حلم مستحيل، أفنوا أنفسهم من أجل شيء أسمى، إن “فارس الظلام” بطل خارق لأنه يأبى الخضوع للفساد، ويسعى لتطبيق العدل حتى ولو خالف القانون، هو ليس مختارًا ولا منتخبًا بالطبع، ولكنه كان مضطرًا لأخذ هذا الدور الذي تُرِك فارغًا، بطل لأنه عندما خسر، لم يستسلم لقساوة العالم، ولم تتحطم روحه ولم يسقط في هوة اليأس، بل ضحى بكل شيء من أجل منح الأمل للمجتمع، إن تلك التضحية هي ما يجعل منه بطلًا. إن الأبطال هم ما تحتاجه أممهم وشعوبهم، هم ما يريده الحق أن يكونوا، إنهم ليسوا ما نستحقه ولكن ما نحتاجه.
وما أرويه ليست رواية تاريخية، ولكنها حكاية أسطورية، ولكنها حقيقية بما يكفي، وبما تتركه في من إعلاء لقيمة، وبما تتركه من ذكرى أبدية في تاريخنا، وبما يعتمل بداخل كل منا اليوم من افتقاد لشيءٍ ما، من انتظارنا لشيء ما، يتجسد في كل لحظة من يومنا، لحظة التصفح، نترقب شيئًا مختلفًا، ننتظر فعلًا، انفراجة، أو نهاية حتى، أو حدثًا كونيًا، أو عبثيًا ينهي حياتنا اللاجدوى منها والمملة والخالية من المعنى والقيمة والقضية، أو ربما ننتظر بطلًا، يخرج من العدم، لا يرضى بالواقع، ويسعى للمستحيلات، ونخطو معه في سبيل قضية كبرى تسمو فوق فرديتنا ومتعتنا الشخصية، شيء ننتمي إليه ويمكن أن نضحي بحياتنا لأجله، لأنه بكل بساطة أهم من حياتنا.
والبطولة نفتقدها اليوم في ظل عالم لا تكون القيم إلا مجرد شعارات، والعلاقات السياسية الدولية هي علاقة تبعية وتهميش، والخطابات السياسية عملية آلية نسمع بها دومًا نفس الجمل والعبارات: “وقد اتفقا على تعزيز العلاقات التاريخية بين الدولتين، وعكس اللقاء الاهتمام المتبادل بتطوير مجالات التعاون المشترك خلال الفترة المقبلة”.
والساسة أنفسهم مجرد مديرين تعرف أنهم ينفذون خطة معدة مسبقًا، ليس لديهم شخصيات مميزة وليسوا خطباء مهرة، يُلهمون ويلهبون، ويبثون الأمل، وليس لهم انحيازات للعدل أو للحق أو للفضيلة، الانحيازات فقط للنظام، للقانون، قانون الأقوياء والأغنياء الذي لا يحمي المغفلين، أو توضيحًا: لا يحمي ذوي النوايا الطيبة، ولكنه يحمي فقط الماكرين وذوي النوايا الخبيثة، والمجرمين الذين يخططون لجرائمهم دون أن يتركوا أثرًا وراءهم يدينه القانون، هؤلاء هم من يحكمون العالم وينادون بالحرية والعدالة والديمقراطية والرفاهية، وحقًا يطبقونها، ولن أنكر. ولكن الحرية ليست في إعطاء العبد حرية الجنس والميول والرأي، والعدالة ليست بقطع يد الفقير وإطلاق يد الأثرياء، والديمقراطية لا تعني حكم الشعب في غزو شعوب أخرى، والرفاهية التي تأتي من سرقة موارد آخرين هي دناءة.
إن هذه الكلمات الرنانة والقوانين لم تُوضع على أساس العدل والحس الإنساني بالحق والخير، ولكنها وُضعت لشل العدل والخير ولوأد أي محاولة بطولية للخروج عن المنظومة وعن القانون والتهمة جاهزة، ضد الحريات ويعادي الديمقراطية، ودكتاتور يركّز كل السلطة في يديه، ويستعبد شعبه، وقد يتحول إلى بطل، رمز أو أيقونة، وفي عالمنا العقيم لا يجب أن يوجد الأبطال، فقط المخصيين.
وليس ببعيد زمن البطولات، حيث كان الناس يطمحون لمصلحة أكبر فوق منافعهم الشخصية، ولم تكن الفرادنية والحرية الفردية والديمقراطية هي القيم العظمى، بل كانت العزة والكرامة والوحدة وحرية المجتمع، وكان الناس يشعرون مع بطلنا بأن الحق ليس يُضام وهو على وجه الحياة، رفض المعونة مقابل التدخل الخارجي، وقال: “على الجزمة ال٥٠ مليون بتوع المعونة، واللي مش عاجبه سلوكنا يشرب من البحر، إننا لن نبيع استقلالنا مقابل ٥٠ مليون جنيه، ومش هنقبل من حد أي كلمة”.
وكان الأعادي يرون بطلنا، نموذجًا إن يتكرر فإنه يهدد عجلة الرأسمالية الحديثة ويصنع مشروع ممانعة اقتصادي صناعي، يجعل من البلد مستقلًا في قراراته، ويكون قدوة لبلاد أخرى في مشروع مصادمة للاستعمار الاقتصادي والسيادة ويمنع عنهم منابع النفط، ويؤسس الوحدة لتقويض تلك الدولة التي سقطت من الاستعمار، ويحقق الحرية التي تؤسس لأي حرية بعد ذلك، ويجعل من الوحدة قيمة في مواجهة التجزئة وهي أحد أدوات الاستعمار.
ولكن هذه الرواية الأسطورية التي أرويها، يناقضها في أرض الواقع الكثير من أبناء جيلي الذي يرون في البطل رمزًا للفشل، ويتبنون رواية تضع بطلنا ويضعنا هو على حافة اليأس، ونرى منه وجهًا مظلمًا، ولهذه الرواية معي باعٌ طويل، فقد تبنيتها كما تبناها كل من لم يعش هذا الحلم ولم يسمع نزار قباني وهو يقول:
أبا خالدٍ .. يا قصيدة شعرٍ
تُقالُ،
فيخضرٌّ منها المدادْ..
إلى أين؟
يا فارس الحلْم تمضى..
وما الشوط.. حين يموت الجوادْ؟
إلى أين؟
كل الأساطير ماتتْ
بموتك، وانتحرت شهرزادْ..
وراء الجنازة.. سارت قريشٌ
فهذا هشامٌ..
وهذا زياد..
وهذا، يريق الدموع عليكْ
وخنجرهُ، تحت ثوب الحدادْ
وهذا يجاهدُ فى نومه،
وفى الصحو، يبكى عليه الجهادْ ..
وهذا يحاول بعدك ملكًا..
وبعدك..
كل الملوك رمادْ..
وفود الخوارج.. جاءت جميعًا
لتنظم فيك ملاحم عشقْ..
فمن كفّروكَ..
ومن خوّنوكَ..
ومن صلبوك بباب دمشقْ..
أنادى عليك.. أبا خالدٍ
وأعرف أنى أنادي بوادْ
وأعرف أنك لن تستجيبَ
وأن الخوارقَ ليس تعادْ..
يتبع

