Site icon فلسفة بالبلدي

المسؤولية الأخلاقية

المقالة الحاصلة على المركز الثالث في مسابقة المقال الفلسفي ٢٠٢٣


تروي لنا سنوات الحياة حكاية مهيبة عن حُلم سحيق، حُلم يسكن البشرية منذ الأزمان الغابرة، حُلم عن النُبل الممكن، أو عن عالم مثالي، يعرج فيه الإنسان إلى مكانة الآلهة، أو يقترب من عتباتها المقدسة. قد تأخذ هذه الأمنية صورة «عالم آخر»؛ فردوس أو نعيم من نوع خاص، ولكنها كثيرًا ما ترتدي رداء أرضيًا، في نموذج دولة أو مجتمع أو حضارة تنفذ إلى قلب الحقيقة الأخلاقية، من جمهورية أفلاطون، مرورًا بمدينة الفارابي الفاضلة، ويوتوبيا توماس مور، وصولًا إلى مجتمع العدالة -كاشف حجاب الجهل- عند جون رولز.

وبقدر ما تهمس الأحلام في أذن الحيوان البشري، بقدر ما تنازعه الشكوك. فهل يمكن أن يتحقق هذا العالم يومًا ما؟ قد لا يمنع غموض الإجابة السلوك الأخلاقي للإنسان، فقد يقرر الإنسان أن يسعى إلى تحقيق الخير على أي حال، أو بقدر الإمكان، وبالتالي لا يُشكِّل هذا السؤال خطرًا حقيقيًا على الممارسة الأخلاقية.

أما السؤال الخطير بحق هو سؤال المسؤولية الأخلاقية: هل هناك واجب أخلاقي على الإنسان؟ على مدار تاريخ الفلسفة، ظهرت تحديات جادة لفكرة المسؤولية الأخلاقية. في هذا المقال سأقوم باستعراض سريع لثلاثة من أهم هذه التحديات: (نسبوية الأخلاق – الحتمية – الحظ الأخلاقي)، وسأجادل ضدها.

نسبوية الأخلاق:

أحد أكثر الأسئلة محورية في تاريخ الفلسفة هو سؤال «هل توجد حقائق أخلاقية؟»، هل تمثل جملة مثل: «قتل الأطفال خطأ» أي نوع من أنواع الحقائق، بمعنى أنها تأخذ قيمة الصدق أو الكذب؟ على غرار قضايا مثل «الأشجار من النباتات» و«طه حسين هو مؤلف رواية السكرية»؛ نستطيع أن نحكم بصدق القضية الأولى، ونكذِّب الثانية. فهل يمكن أن نفعل نفس الأمر مع التقارير الأخلاقية؟
ادَّعى بعض الفلاسفة وعلى رأسهم «أير» أنه لا توجد حقائق أخلاقية، ما نسميه حقائق في هذه الحالة ليس إلا تعبيرًا عاطفيًا عن ما نرفضه أو ما نقبله، فمثلًا عندما نقول «قتل الأطفال خطأ» كل ما نقصده هنا «أنا أكره قتل الأطفال». باختصار يسعى «أير» في إطار مذهبه -المذهب العاطفي- إلى اختزال ما يسمى بالأخلاق إلى حالات عاطفية. يُعد هذا الاعتراض واحدًا من أهم الاعتراضات على المحاولات النظرية لتأسيس حقائق أخلاقية مطلقة، فإذا كانت التقارير الأخلاقية ليست إلا رد فعل انفعالي عند كل إنسان، فكيف يمكن أن نحكم بالصدق أو الكذب عليها؟ هي تمثل أي شكل من أشكال الحقيقة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعاملها كما نعامل الرياضيات أو الحقائق المنطقية.

لا يقف هذا الاعتراض وحيدًا أمام حُلم الحقائق الأخلاقية الموضوعية، فمعه يقف الاعتراض الأشهر: البشر مختلفون في قناعتهم الأخلاقية فكيف يمكن أن نقتنع بحقائق أخلاقية مطلقة؟

الاعتراض الأول منطقي بشكل محض، -أي أنه مبني على تحليل مفاهيمي-، أما الاعتراض الثاني فهو اعتراض تاريخي/أنثروبولجي، يعتمد على ما حكاه التاريخ عن الصراعات الأخلاقية. وأخيرًا لدينا اعتراض سوسيوبيولجي، يسعى إلى رد الحقائق الأخلاقية إلى تقليد اجتماعي وتكنيك بيولوجي طوَّرته الكائنات الحية بهدف البقاء. فعندما يدافع الإنسان عن أخيه لا يفعل ذلك نتيجة خبرة أخلاقية -أي إحساس داخلي بالواجب الأخلاقي وإدراك لنُبل أنماط من السلوكيات-، وإنما يفعل ذلك لأنه مدفوع بميكانيزم يحفظ بقاء النوع. فالخبرة الأخلاقية ليست إلا ستارًا من الأوهام، يُخفي كواليس الحياة الاجتماعية البشرية، التي هي رحلة من أجل البقاء.

كيف يمكن أن نتعامل مع هذه الاعتراضات؟
بالنسبة للاعتراض الأول، في رأيي لا يمكن اختزال التقارير الأخلاقية في حالات انفعالية، فهذه التقارير تعبر عن نوع من الحقائق؛ نوعًا خاصًا، فهي ليست حقائق منطقية أو رياضية أو علمية، فلا نستنتجها من قوانين المنطق أو مبادئ الرياضيات أو حتى المشاهدة العلمية التجريبية؛ لكننا نعرفها بنوع خاص من الخبرة، وتمثل هذه الحقائق نوعًا قائمًا بذاته، فعجْزنا عن ردها إلى باقي أنواع الحقائق لا يعني أنها لا تعبر عن نمط من الحقائق. إن الخبرة الأخلاقية تقدم لنا معارف أخلاقية في صورة قضايا، نستطيع أن نحكم عليها بالصواب والخطأ.
أما الاعتراض الثاني -وهو الاعتراض الأشهر والأضعف في نظري- فلا ينكر بأي حال من الأحوال موضوعية الأخلاق، وهو قائم على خلط بين مفهومين «المعرفة الأخلاقية» و «المبادئ الأخلاقية»، فقد يختلف الناس في مدى تحصيلهم للحقائق الأخلاقية، وقد يخطئ البعض، ويصيب البعض الآخر؛ لكن هذا لا يؤثر على المبادئ الأخلاقية نفسها، كما لا يؤثر اختلاف الناس في المسائل العلمية على الحقيقة العلمية الموضوعية نفسها. بالإضافة إلى ذلك هناك نقطة في غاية الأهمية، كثيرًا ما يتم تجاهلها، فكثير مما يُسمى اختلافًا أخلاقيًا ليس في الحقيقة اختلافًا أخلاقيًا في جوهره، وإنما خلاف في قضية غير أخلاقية مقترنة بالنقاش الأخلاقي. فمثلًا عندما يختلف الناس في الطريقة التي يجب نُربي بها أطفالنا، فتميل فئة إلى الطريقة (س) ويرفض الطريقة (ص) لأنه يدَّعي أنها مُضرَّة نفسيًا، وترى فئة أخرى العكس، الخلاف هنا ليس أخلاقيًا في صميمه، وإن كان يمس الأخلاق، فالخلاف هنا خلاف في تأثير كل من (س) و(ص) على الحياة النفسية للأطفال، فهو خلاف يخص مجالات مثل النفس الاجتماعي، وعلم النفس التربوي، ويُحسم بالنتائج التجريبية لا بالتحليل الأخلاقي، ففي الحقيقة الطرفان متفقان في المبدأ الأخلاقي «يجب أن نتجنَّب ما يضر الأطفال نفسيًا».

وأخيرًا يمكن الرد سريعًا على الاعتراض الثالث بأن التطور أوصلنا إلى النقطة الحالية بما فيها من رصيد معرفي أخلاقي؛ لكن هذا لا يعني أن المبادئ التي نعرفها نفسها مجرد خُدع تطورية، وإلا فلنعتبر المبادئ المنطقية والعلمية مجرد خدع تطورية يستخدمها مُخُّنا ليسوقنا إلى البقاء، وفي هذه الحالة ستقع الحُجَّة في التناقض الذاتي، لأنها مبنية على هذه المبادئ.

الحتمية

في كتابه «حرية الإرادة والنيوبيولوجيا» يُقدِّم الفيلسوف الأمريكي «جون سيرل» معضلة لا سبيل إلى حلها -حتى الآن على الأقل- في رأيه. فسيرل بوصفه فيلسوفًا تحليليًا، عليه أن يحترم نتائج العلم من ناحية، وأن يحترم الحس المشترك من ناحية أخرى. في حالة حرية الإرادة يرى سيرل تناقضًا بين بيانات العلم وخبرات الحس المشترك؛ فعلى المستوى العلمي الخارجي توجد القوانين الحتمية التي تحكم العالم، وعلى مستوى الخبرة الداخلية يعاين الإنسان ذاته بوصفها ذاتًا حُرة، فكيف يمكن التوفيق بين المقترحين؟
الحل الفلسفي الذي كان رائجًا لفترة طويلة هو حل «التوافقية» الذي تطور على يد فلاسفة كبار من أمثال هوبز وسبينوزا وهيوم، يتخذ هذا الحل موقفًا وسطًا بين «المذهب الليبرالي» الذي يدَّعي أن هناك حرية إرادة غير خاضعة لأي قانون (والليبرالية هنا بمعنى ميتافيزيقي لا سياسي)؛ و«مذهب الحتمية» الذي ينكر حرية الإرادة. التوافقية تجمع الرؤيتين معًا، فحرية الإرادة لا تعارض الحتمية، فلا نستطيع أن نقول أن الكائن الإنساني تتحكم فيه خلاياه البيولوجية، لأنه في الحقيقة يساوي هذه الخلايا، لأنه -طبقًا لهذه النظرة- لا تكون س مقيدة إلا إذا كانت مقيدة بـ ص (حيث س لا تساوي ص)، لكن لا يمكن لـ س أن تكون مقيدة بـ ص عندما تكون (س تساوي ص)؛ أي لا معنى أن يُقيَّد الشيء نفسه.
من أشهر نقَّاد التوافقية فيلسوف جامعة نوتردام «بيتر فان إينواجن»، في حجته الشهيرة «حجة التبعات». يرى بيتر أن الحالة البيولوجية للإنسان مبنية على تاريخ الكون من قبله، وعلى القوانين التي تحكم الكون، والإنسان ليس بيده أن يغير هذين العنصرين، وبالتالي لا يمكن أن يكون الإنسان حُرًا إذا كانت الحتمية حقيقية.
الإرادة الحرة في رأي بيتر أمر مُلغَّز؛ لكنه لا يتخلى عن الاقتناع به، وهذا هو تقريبًا نفس رأي سيرل. فلا يمكن أن نتخلى عن الحس المشترك، كما لا يمكن أن نتخلى عن بيانات العلم.
تبعات الاقتناع بالحتمية -خاصة اللاتوافقية- واضحة تمامًا، فكيف يمكن أن يتحمل الإنسان المسؤولية الأخلاقية إذا لم يكن حُرًا في اختياره، ففي هذه الحالة لا يوجد فرق بين «أحمد» الذي يتلاعب به عالم الأعصاب الشرير، وبين «إسراء» التي تحكم القوانين الطبيعية سلوكها، فكما يجب أن نرفع المسؤولية عن أحمد، يجب أن نفعل نفس الأمر مع إسراء. ورفع المسؤولية لا يعني فقط التوقف عن المعاقبة؛ بل يعني كذلك التوقف عن تكريم العلماء والمتفوقين والصالحين.

هناك محاولات عديدة للدفاع عن حرية الإرادة، بعيدًا عن الحل التوافقي، لعل أشهرهم هي النماذج التي تستخدم التفسيرات اللاحتمية لميكانيكا الكم، لتشكك في حتمية العالم.
وبعيدًا عن صحة هذه الآراء من عدمها، في رأيي أننا لا نستطيع أن ننكر حقيقة واضحة مثل الإرادة الحرة، حتى لو كانت لها ميتافيزيقا معقدة وصعبة الفهم.

الحظ الأخلاقي

تخيل هذه التجربة الفكرية، تخيل أنك تجد شخصًا بحاجة إلى المساعدة، فتعطيه بعض النقود، التي لا تسدّ حاجته تمامًا، رغم أنك كنت تستطيع أن تدفع المبلغ كاملًا؛ لكن لأن كرامته كانت عالية، قرر أن يتوقف عن طلب المساعدة من بعد هذا الموقف. تخيل أن هناك شخص آخر كان سيعطيه نقودًا أكثر تحل مشكلته تمامًا، لكن الحظ جعله يقابلك أولًا. في هذه الحالة أنت قمت بالفعل الأخلاقي، لا الشخص الآخر، رغم أنه لو كان هو من سيقوم بهذا الفعل، كان سيفعله أفضل منك، ومع ذلك كنت أنت من يحظى بالشكر من الرجل، لا الآخر.
تخيل بالمقابل أن هناك اثنين من المجرمين عزم كل منهما على أن يقتل شخص ما، فسبق أحدهما الآخر، وقُبض على الاثنين، هل سينال كل منهما نفس العقاب؟

نستطيع أن نتحسس هنا هذه الأحجية، تبدو الأفعال الأخلاقية مبنية بشكل كبير على ألعاب حظ، فكيف يمكن أن نأخذ مفهوم المسؤولية الأخلاقية على محمل الجد؟
يجب أن نعترف أن هذا الاعتراض يثير نقاطًا شائكة؛ لكنه في أفضل أحواله لا يسعه إلا أن يشككنا في الطريقة التي نحكم بها على كثير من الأفعال، لكنه لا يقوِّض المسؤولية الأخلاقية من أساسها.

يبدو أن الإنسان كُتب عليه أن يحمل السماء على ظهره، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقلص إلى ما هو أقل وأدنى، فهو الحيوان الذي فُتح له القفص لينطلق دون إمكانية للعودة على حد تعبير «علي عزت بيجوفيتش». كل التهديدات النظرية لمفهوم المسؤولية الأخلاقية تعاني من مشكلة ما لا يمكن تجاوزها، وعلى كل حال هو مفهوم لا يمكن الاستغناء عنه مهما توالت الهجمات والشكوك.


Image Source : Freepik

Exit mobile version