24 سبتمبر 2025

العدالة في يد جوقة العميان

  العدالة في يد جوقة العميان

“هناك الكثير من الشر في هذا العالم، ولكن إذا تمسك بعضنا ببعض بشكل كاف، سيزول”

لكن، ماذا لو كانت تلك الأيدي تبني جدارًا بدلًا من جسر؟
جدارًا من التواطؤ، من الخوف، من الصمت،
ماذا لو صار هذا التماسك فعلًا من أفعال النجاة، لا من أفعال المحبة؟

هنا، لا يزول الشر، بل يتخفى ويتشح بثوب النوايا الطيبة و يهوي كصاعقة سريعة قاسية -ويكأن خالقها لم يعلم إلا الوحشية- على كل من يهدد الأمان.
كان ذلك أمان أطفالنا، أحبائنا، أصدقائنا، قريتنا، بل حتي أفكارنا ومشاعرنا.
ثمة ما هو أشدّ رعبًا من الظلم المتعمد وهو الظلم الذي يُرتكب على منبر الفضيلة.
ذاك الذي لا يصدر عن رغبة في القتل، بل عن رغبة في النجاة، ذاك الذي لا وجه له لأنه ليس قرار فرد بل همس الجماعة.

في بلدة صغيرة يغمرها ضوء خافت، ويمشي فيها الزمن متثائبًا، وجوهٌ مألوفة، أبوابٌ تُفتح دون ارتياب، وضحكات تتعالى بطمأنينة شديدة. في هذا النسق المتناغم، تنفلت همسة واحدة من فم طفلة، فتبدأ الهشاشة بالظهور، لا كزلزال قوي، بل كشق صغير في الجدار، لا يراه أحد في البداية حتى يبتلع البناية بأكملها في لمح البصر. تلك الهمسة تخص بطلنا لوكاس.

لوكاس رجل بسيط لا يحمل ملامح البطولة ولا رائحة الشر، مدرس أطفال وحيد يقاوم وحدته ببعض من الحنان الذي يقدمه وبعض من الحنان الذي يستقبله. يواجَه باتهام مبني على تخيلات واتهام لا تعيه طفلة صغيرة غرضها الاهتمام ربما، لكن العالم لا يحتاج إلى شرير بمفهومنا الكلاسيكي كسفير للظلام كي ينهار، بل مجرد خطأ في الحكم أو الفهم، أو إلى رغبة قديمة في الحماية تُغلفها مشاعر متداخلة من الخوف أو الذنب أو الحاجة للوضوح واليقين… أو كلهم.
تقول الطفلة -التي تعد ابنة صديقه المقرب بالمناسبة – شيئًا دون أن تدري تمامًا ما قالت. بعد تعرضها لمناظر غير مناسبة في بيتها، يشتعل خيالها النشط، وتقول أن لوكاس تحرش بها وتنزلق تحت الضغط بين خيالها وواقعها. يقول الكبار: علينا أن نصدق الأطفال. ثم يقول المجتمع: علينا أن نحميهم، لا من الوحش، بل من احتمالية وجوده، وهكذا، لا يُدان لوكاس لأنه مذنب، بل لأنه أصبح مذنبا “محتملا”.
في البدء تُحذف صورته من الإطار، ثم يُقصى من العمل، ثم يُركل خارج النظام كله، كأن الجماعة تلفظه، لا لأنها تأكدت من خطيئته، بل لأنها لم تحتمل شكّها.
و هنا يشتعل السؤال.. ماذا يحدث حين تُختزل البراءة في طرف واحد، وتُلقى التهم، لا كأدوات للعدالة بل كوسائل للتطهير؟ ما الذي يدفع الجماعة إلى اختيار التضحية بأحد أفرادها لتستعيد شعورها بالأمان؟
يتحول لوكاس شيئًا فشيئًا من فرد محبوب مندمج في محيطه إلى قربان…
كأننا بحاجة إلى ذبيحة رمزية لخوفنا ليبتلعه أملًا في مداواة الخوف والشرخ الذي لا يُري وتسكين ألم الشك.
العدالة هنا ليست ميزانًا بل انتقاما و طقسًا تطهيريًا. طقس جماعي تطهيري لا يبحث عن الحقيقة بل عن استعادة الإيقاع والأمان.
الجميع يهرب من المرآة التي تُقدم لهم صورتهم من خلالها، والعجيب أن المجتمع لا يكره لوكاس.. إنه يخافه… وفي عمق هذا الخوف تكمن المفارقة ; حين يشعر الإنسان بالتهديد لا يبحث عن معرفة بل عن يقين، وحين يتعذر البرهان يكون الغضب وسيلة البقاء الوحيدة، فينهش حيوانك الداخلي الخائف المنتشي بغريزة البقاء قناعَ تحضرك وخُلقك وإنسانيتك.
إنه لمن السذاجة أن يمسك أحدًا بيدك وأن يقول:”هذا هو الشر”.
وكلما بدا وجه الشر مألوفًا، كان طرده أشد إلحاحًا، وهكذا لا يدان لوكاس على يد القانون، بل على يد صداقة قديمة، وعلى يد خوف أم وعلى يد نغمة الجوقة العمياء.
نتحول إلى محكمة لكن دون قضاة ولا أدلة بل فقط مشاعر جريحة تبحث عن غطاء.
إننا في تلك اللحظة لا نمرر إرادة العدل والفضيلة في أنفسنا بل نمرر إرادة حماية النظام حتي إذا قنَّعناها لأنفسنا.
لكن من هو المتهم؟ رجلٌ لم يَرَ شيئًا، لم يقل شيئًا، لم يفعل شيئًا، ومع ذلك هو هناك في وسط الدائرة، تحوم حوله نظرات لا تسأله بل تحاكمه سلفًا،
انتظروا لوهلة أهو بريء؟
هذا ليس مهمًا.. المهم أن لا أحد يريد أن يُتهم بعده، المهم ألا نشك في طهرنا الشخصي وألا نسائل أنفسنا، المهم أن ننزع عن أنفسنا تلك المسئولية المرعبة بأن نعلق أحكامنا و نري الأمور المركبة بتركيبها دون اختزال وألا نعيش بلا يقين في رحلة بحث مُوترة.. المهم أن يبقى النظام نقيًا، أن يُستعاد التوازن الأخلاقي ولو بالتضحية بشخص، تمامًا كما تُقدَّم ذبيحة لنهدئ غضب السماء.
أتساءل بحنق شديد، أيمكن لبراءة الإنسان أن تصمد أمام تواطؤ الصمت؟ متى فقدنا تلك الشجاعة البسيطة في أن نقول “لا أدري”؟ متى أصبحت العدالة فعلاً وقائيًا، لا بحثًا صادقًا؟ هل نحن خائفون من أن نعرف، أم من ألا نعرف؟

في الفيلم، لا يحدث شيء فعلي. لا جريمة، لا إثبات، لا دليل، لكن ما يحدث هو كل شيء
ينتزع من الإنسان اسمه، سمعته، دمه، ملامحه.. لا لشيء إلا لأنه وقف في المكان الخطأ حين صرخ الخوف، حين دمت توقعاتهم وتناثرت بعد كسرها لهشاشتها و لثقل اثمانها عليهم.

يطرح هذا سؤالًا وجوديًا، ماذا يبقى من الإنسان إذا فقد الثقة؟ ليس ثقة الآخرين به فقط، بل ثقته في قدرتهم على الإنصاف؟ متى يصبح الأذى مجرد إجراء طبيعي من أجل الحفاظ على السلم؟

وفي اللحظة التي يُعاد فتح الباب فيها لقبول ابن الجماعة الضال، لا يُعتذر له، لا يُطلب منه الغفران، بل يُعاد قبوله كما يُعاد ترتيب كرسي في المطبخ، لكن الخلل لم يكن فيه، بل في عين من يراه، الإنسان لا يُشفى فقط من الألم، بل من موته وتحويله لتهديد في عين الآخر، وحين تسلط بندقية جديدة عليه، ندرك أن الشر ليس في الكراهية بل في الاستعداد الدائم لاختيار ضحية جديدة…  فقط ليبقى الميزان مستويًا.
العدالة في يد جوقة العميان ليست عدالة، بل لحنًا يُعزف بلا <<مايسترو>> أو هدف. لحن يدفن الحقيقة تحت خطوات جماعة لا تريد أن تبصر، لأنها خائفة أن ترى ذاتها.
حين تتكلم الجماعة، لا تسمع إلا نغمة واحدة، نغمة الخوف، نغمة البقاء.. ولا عدل في صوت يصدر من أفواه لا ترى. العدالة لا تُبنى على الهمس ولا على صدى الكراهية، هي شعلة تنير الطريق، وليست ظلًا يطارد الحقيقة، لكن حين تسلَّم للعمى، تصبح سكيناً تجرح بلا دموع، هي عدالة ميزانها يتأرجح على أيدي رعاع لا يعرفون ثقله الحقيقي.
فكل صوت هو غناء بارد وكل نظرة هي ظلام. والمتهم مهما كان بريئًا يُجرَّد من إنسانيته، يُحوَّل إلى صورة، إلى فكرة قابلة للقتل، ليُضحي بها اللاوعي في سبيل إرضاء الخوف والقلق المزمن.

هل العدالة تلك التي تُفرض بأهواء الجماعة؟ أم هي فقط لعبة من توهم السيطرة؟
حين تُصبح العدالة حجرًا يُرمى بقلب كل بريء، حين يُصبح الظلم في زي الفضيلة، هل نكون قد فقدنا معناها؟
فالعدالة لا يمكن أن تحكم إلا بعيون تلمس الحقيقة، بقلوب تجرؤ على الشك وبأيدٍ لا تخشي رفع الميزان، لا لتسقطه على رقاب الأبرياء، بل لتستعيد نغم الحقيقة مهما كان الثمن.

  • السينما عندي مرآة تتفتت لآلاف الوجوه ، أرى فيها ملامحي و أمدّ بها بصري نحو غيري، وما بين شغف لا يخمد ورغبة في أن أقترب، أكتب لأصوغ هويتي كلمةً كلمة.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا