الحرب المقدسة
(حين تنتصر إسرائيل دون قتال)
١٨ يونيه ٢٠٢٥
تقترب إسرائيل من عامها الثمانين كدولة، وما زال هناك من أعرفهم شخصيًا يفوقونها عمرًا، ولكن هذه الـ «ما زال» لن تستمر كثيرًا، ونهاية إسرائيل لا تقترب كما سأبيّن، والصين وروسيا وباكستان لن يدعموا إيران أو غيرها، وامتلاك إيران لمفاجأة تقلب حسابات المعركة لن يحدث، وتراجع الغرب الديموقراطي المنادي بالحقوق الإنسانية والحريات وأمريكا شعلة الحرية عن دعم إسرائيل، لن يحدث أيضًا، وأن يلعب القدر ويغير الله مصائرنا نحن -الفقراء والمساكين والعميلين لديها والمؤلفة قلوبهم- بين ليلة وضحاها ويتبدل الحال، فهو أيضًا لن يحدث… لقد وجدتني وأنا أتابع الأخبار لحظة بلحظة، أترقب حدوث كل ما أخبركم أنه لن يحدث، وحتى وإن حدث كل ما مضى فهذا لن يغير كثيرًا في قانون الغابة الذي يحكم عالمنا، فقط ما سيتغير أن الحملان ستغدو ذئابًا وستصبح الذئاب حملانًا، وسيظل الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان كما قال «هوبز».
إن انتظارَنا أصلًا لحدث أو معجزة أو كارثة تغير مجرى الأحداث دون حول منا ولا قوة لهوَ عجزُ البليد والضعيف، ودعاءَنا «اللهم أضرب الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين» لهوَ دعاء يعبر عن خنوع لن يستجيبه الرب الذي وصف نفسه بـ«القوي الكريم العزيز الجبار» لا يعبده سوى الأقوياء والأحرار، لأن الدعاء يريد أن يقضي الشر على الشر بدون أن يكون هناك أخيار أقوياء لديهم إرادة نشر العدل والخير، هذا دعاء مثل أن تقول ربي أدخلني الجنة وأنا أعصيك وسأعصيك ولن أطيعك.
إن من الشرك بالله أن تخاف أحدًا أكثر مما تخاف من الله، أن تعبد أحدًا مع الله، والعبودية له تحرر من كل عبودية سواها، وبهذا فنحن لا نؤمن به، لأننا عبيد لغيره، نحن أسرى غرائزنا وأسرى المال والجاه والسلطة، ونخاف من أعدائِنا أكثر مما نخاف الله.
اعذروا قولي ولكن الدعاء وحده ليس كافيًا ولن يتغير مصيرنا إلا عندما نقرر ذلك ونبدأ التحرك، هذا قانون في الكون، لكل فعل نتيجة، ولا نتيجة بدون فعل، ولن نتحرر بيد قوى أخرى، وانتظار يوم القيامة ليس حلًا، لأنه إذا قامت القيامة وبيدك فسيلة فلتزرعها. إن الخروج من ضعفنا ومن ذلنا ليس إلا أمرٌ بأيدينا وحدنا. على الرغم أني لن أضيف هنا شيئًا ولكن التأكيد على هذا الأمر مهم للغاية، فربما سيأتي أناس يفهمون القضية وقلوبهم مليئة بالشجاعة والحكمة، ولكنهم لن يظهروا من السماء، إنهم منا، نحن أو أبناؤنا أو أبناؤهم، لذلك لا يجب الانتظار لحظة ويجب أن نتحرك، ولكن لماذا وكيف؟
الوضع الحالي تجسيد لمشاكلنا
لو كانت خطايانا كأمة عربية أو أفريقية أو إسلامية أو شرق أوسطية (هنا أقصد كل دول أفريقيا ودول آسيا من الهند وحتى تركيا) مجسدة لنراها بأعيننا، لكانت إسرائيل.
إن إسرائيل هي تجسيد لشرورنا نحن، وهي تجسيد لكل شر موجود في العالم، والشر هو غياب الخير، وإسرائيل تمثل غياب الخير، والقضاء على الشر يتم بتطبيق الخير، فينتهي أثر الشر، كما لا يتم القضاء على الظلمة إلا بالنور.
إسرائيل ليست بالخارج فقط، إسرائيل بداخلنا، هي تجسيد لما يحدث بداخلنا، وظهر في هيئة كيان مُحتل، أتدري حين يصاب المرء باكتئاب فيظهر على وجهه، كذلك نحن أُصبنا بأمراض النفس، الطمع والجشع والجبن والفُرقة والجهل والذُل والخيانة والهوى واتباع الغرائز الحيوانية، فتجسدت إسرائيل لتذكرنا كل لحظة بما وصل إليه حالُنا، لتذكرنا في كل لحظة بأننا خاتمٌ في إصبعها، عبد لسيد لا يرضى إلا بتذكير عبده كل يوم بما يمكن أن يفعل به، إسرائيل لم يسمح بقيامها إلا نحن، ولم يدعمها أحدٌ كما ندعمها نحن.
القول بأن الحل العسكري هو أفضل الحلول للتعامل مع إسرائيل هو محض هُراء، فالجندي قد يملك السلاح ولكن إذا لم يملك عزة النفس والشجاعة، فسيصوب السلاح على نفسه قبل أن يصوبه لعدو.
نعم إني أقول بوضوح أن النكسة داخلية، والهزيمة داخليًا، وأننا لن تقوم لنا قائمة إلا عندما نعود لإنسانيتنا ونمسك بزمام أنفسنا قبل أن تزل في أهوائها وغرائزها كما تفعل البهيمة أعزكم الله، وهذا يتطلب الكثير.
«الأزمة ليست في العالم الخارجي، بل في وعينا، في طريقة تفكيرنا. نحن أنفسنا صنعنا هذه الأزمة من خلال أنانيتنا، طمعنا، خوفنا، وعنفنا». كريشنا مورتي
ماذا نحارب؟
إن الإنسان وُجِد في العالم في حالة حرب، حربٌ بين الجسد والروح، أو بين جوانب الإنسان الدنيا وبين الجانب الأسمى، جانب يشُد نحو القُبح والظلم والشر والفوضى، وجانب يشُد نحو المُثل العليا كالعدل والخير والجمال، إنها الحرب المقدسة، وأي حرب أخرى هي حربٌ أهلية.
هذه الحرب المقدسة تبدأ من داخل الإنسان وليس من خارجه، إن تمكنت الدول الأعداء لإسرائيل من أن تملك ما تملكه إسرائيل من سلاح، فسوف ينهزمون على كل المستويات، لأن الفُرقة ما زالت بداخلنا. ما زلنا سنهرع للغنائم ونتقاتل عليها بعد الضربة الأولى ونكشف ظهرنا للعدو، ما زلنا نقبع في الجهل، وأغلب مفكرينا اليوم تهيمن عليهم أفكار الغرب الذي استعمرنا والآن يأبي حريتنا. إننا أبعد ما نكون عن النصر يا حضرات، إن النصر ليس سلاحًا ولا عتادًا وعددًا، إن النصر هو نصر داخلي: النصر بالوعي والمعرفة والحرية والصحة النفسية قبل الجسدية، هكذا ننتصر، كما صُلب المسيح وقُتِل الحُسين من أجل الحق، على الرغم من هوانهم وضعفهم، وقلة عددهم، ولكنهم فعلًا انتصروا، انتصرت أفكارهم، هكذا يجب أن تكون عقيدتُنا.
«لا يمكن حل الأزمة الإنسانية عبر الأنظمة أو الأيديولوجيات. لا الاشتراكية، ولا الرأسمالية، ولا الأديان المؤسسية، ولا العلوم… ما لم يتغير الإنسان داخليًا ستتكرر الأزمة بأشكال جديدة». كريشنا مورتي
لماذا نحارب؟
نحارب لأجل الحق والحق وحده، وهو ما يستلزم بالضرورة أن نعي الحق وأن نطبقه في حياتنا وعلى أنفسنا وفي دوائرنا الصغيرة. إننا نعيش في مجتمعات يسرق الأخ أخاه، ويغتصب أرضه، ويتخلى الولد عن أبيه وأمه، ويخون الأزواج بعضهم، ويضرب الأب ابنه حتى الموت، ويتكلم الناس في ظهر بعضهم بالباطل، ونسرق بعضنا، وينام بعضنا بدون طعام وفي الشوارع وينفق آخرون آلاف الدولارات في يوم واحد، وكلاهما أبناء وطن واحد وأحيانًا منطقة واحدة.
نزلت جميع الأديان ونادت جميع الفلسفات بمحاربة أمراض النفس وشجعت على الأخلاق، كالكرم والوحدة والشجاعة والقوة والتسامح، وهي تضعُها كهدف أول وأحيانًا أوحد، وذلك لأن الحل يبدأ من عند الإنسان، إذا صلُح صلُح العالم، وإذا فسد فسد العالم، يقول «كونفوشيوس» أن الأخلاق إذا انتشرت لن يجد القاضي خصومٌ أمامه، والمعنى أن العدل سيكون قائمًا بين الناس بدون احتياج لنظام.
«الأزمة هي أزمة في الوعي.. أزمة لا يمكنها بعد الآن تقبُّل الأنماط القديمة، التقاليد القديمة. وبالنظر إلى وضع العالم الآن مع كل هذا البؤس والنزاع والوحشية المدمرة والعدوان وهلم جرا.. الإنسان ما زال كما كان.. متوحشًا، عنيفًا، عدوانيًا، مستحوذًا، تنافسيًا.. وقد بنى مجتمعًا وفقًًا لهذه المعايير». كريشنا مورتي
كيف نحارب؟
إن المقاومة التي تبذلها جماعات أخرى على العين والرأس ولكن…
إن المشكلة ما زالت قائمة وهي أننا لن ننتصر بغير النصر الداخلي. سيقول أحدهم أن هؤلاء رجال التضحية والشرف والعزة، وربما أتفق وفي قلبي شيء، الشيء أني لا أعتبرها تضحيةً تلك التي مقابلها الفردوس الأعلى، أي تضحية بمقابل مهما كان فهي تجارة أو استثمار، إن الذي ينزل من بيته ليستشهد لم يمت مدافعًا عن أرضه وإنما مات لمصلحته الشخصية… هل أعني أن المقاومة كلها هكذا؟ لا، لأن التعميم باطل، وخاصة أننا رأينا السنوار يموت وهو يقاوم، وأنا أظن أن كيفية موتنا تُعبر عن الكيفية التي عشنا بها حياتنا، ولذلك أراه مات بعزة كما عاش، ولكني أشك أن الجميع هكذا.
الشيء الآخر أن هذه الطريقة ليست الطريقة الوحيدة للمقاومة وليست ربما الأكثر فاعلية وخاصة على المدى الطويل. إنها حركة مقاومة على المدى القصير، تقاوم ربما -وهو هدف نبيل إذا تم- ولكنها لا تبني على المدى البعيد، لا تنشر المعرفة والحرية ولا تبني الوعي. إنني أعتبر المقاومة الحقيقية هي معركة بناء الوعي في الداخل ومساعدة الآخرين على ذلك، حتى وإن استغرق هذا مئات السنين، وهذا هو الطريق الوحيد لبناء حضارة، ليس طريقًا قصيرًا ولكنه الوحيد تقريبًا.
ربما يرى القارئ أن الإبادة جارية وأن كارثة إنسانية تحدث.. وأنا أتحدث من مقعدي عن الوعي والحرية الداخلية، وهذا الكلام الفارغ الذي هو مشاكل عالم أول.. الذي لن يوقف المجازر والمآسي الأنسانية غدًا، ربما.. ولكن عزيزي القارئ أنت أيضًا تقرأ وأنت لا تفعل شيئًا.. ربما تتبنى بالكامل ثقافة المعتدي، تشرب «الآيس موكا» وتأكل «الفرايد تشيكن» والوجبات السريعة ولكن «المحلية منها طبعًا» وتتصفح مواقع التواصل الإجتماعي، وتتبنى أفكار غربية، ربما أنت لا تهتم، وربما أنت تهتم ولكنك ناقم وتتمنى أن تحدث كارثة تُطبق على الكوكب الأزرق، لا ألومك ولكني أفتح مجالًا للنقاش، طريقًا لعلنا لم نتحدث عنه أبدًا، ولكنه أكثر ما نملك بين أيدينا الآن، أهيمته تنبع من أنه سيوقف مأساتنا الإنسانية على المدى البعيد، وليس لدينا سواه في هذه اللحظة.
كما ذكرت، أرى أننا يجب أن نعيش بالداخل وأن ننتشل أرواحنا من الحطام الذي أطبق عليها، وحينها سيسود العدل بيننا والرحمة، وهي الخطوة الأولى والأصعب.
فقد قال الرسول بعد أحد الغزوات «عدنا من الجهاد الأصغر (المعركة) إلى الجهاد الأكبر (الحرب الداخلية ومقاومة النفس)»
الحرب ليست مجرد صراع بين دول، بل هي امتداد للعنف والخوف والطمع والانقسام الموجود داخل الإنسان.
عندما نملك زمام أنفسنا سنملك زمام الآخرين وتكون لنا كلمة، حينها ستبدأ معركة مقدسة بيننا وبين العدو الإسرائيلي ومن خلفها كل الدول الاستعمارية الأوروبية وأمريكا من خلفهم أجمعين.ودعوني أختتم كلامي بادعاء لن نمتلك العمر لنتثبت منه بأنفسنا: إذا ملك الإنسان زمام نفسه وامتلك الوعي، ستنتهي هذه الأنظمة من تلقاء نفسها. وإذا كان ادعائي مثالية زائدة، فإنني ما زلت أطمح له، لأن كل حرب أخرى هي حرب أهلية، فالبشر كلهم أخوة، ولكن ما زلت أرى حتى بين البشر ولكي تسود الأخوة، هناك حروبٌ ضرورية.

