الفن وسيلة تعبير لإيصال الكثير من المعاني من داخل أعماق النفس البشرية لداخل أعماق نفس بشرية أخرى. فمن هذا المنطلق وبملاحظة بسيطة نرى أن الفن مرتبط بالمجتمع البشري ارتباطًا وثيقًا وحتميًا. وهذا يجعلنا أمام الكثير من التساؤلات المفتوحة بدون إجابات نهائية.
و فى الاستهلال أود وضع تعريف للفنون وإن كان بشكل مبدأي وعام، حتى لا يشعر القارئ أننا نتكلم عن مفهوم هُلامي للفن. فتعريفى للفن يتكون من قسمين: أولًا: الفن وسيلة تعبير عن النفس البشرية بشكل يبعث بالمشاعر في نفوس مستقبليه، وينبغي ألا يغيب عنصر المتعة عن هذا الفن. ثانيًا: لا يمكن أن يكون الفن تحت الطلب إذا كان إعلانات مثلًا بجميع صورها المختلفة أو أعمال فنية تُصنَع -في أي سياق- بأهداف تجارية خالصة؛ فهذه لا يمكن أن نطلق عليها فنًا.
الفن نوعان: نوع بسيط وآخر مُركَّب. الفن البسيط تستقبله حاسة واحدة لدى الإنسان ولا يتكون من أكثر من فن مثل الأدب، والموسيقى، والتمثيل الصامت… وغيرهم. أما الفن المُركَّب فهو أي فن يتكون من أكثر من فن بسيط وتستقبله أكثر من حاسة مثل المسرح، والسينما، والمحتوى المرئي على الإنترنت. ولُبّ حديثي يدور حول الفنون المُركَّبة؛ لأن بها المساحة لسرد القصص وإثراء معانيها نظرًا لتنوع الفنون المُستخدَمة بها. وهناك سببان لاهتمامي بهذا النوع فى مقالي؛ السبب الأول إن الفنون المُركَّبة بها المساحة للتحليل والتأمل والنقاش فى معانيها، والسبب الثاني إن هذا النوع من الفنون هو الأكثر انتشارًا بين البشر حديثًا. من المثير للسخرية أن الفنون المُركَّبة تعد الأكثر انتشارًا حول العالم، وعلى الرغم من ذلك فبها أكبر نسبة من الأعمال ضحلة المعاني والمتعة أيضًا.
في أى عصر وفي أي منطقة من العالم يوجد مجتمع ولكل مجتمع آفاته. مشاكل كل مجتمع من الممكن رؤية مصادرها بشكل واسع وبرؤى مختلفة. دعني ألتقط رؤية بسيطة لاستيعاب أسباب ومصادر آفات المجتمع وهي أن كل مجتمع يتكون من أدوار مختلفة ومكملة لبعضها البعض، وعادة ما يحدث الخلل عند قصور إحدى الأدوار، كظهور خلل بدور ما يؤثر على المجتمع ككل بجميع أطيافه كقطع الدومينو. وهناك أسباب مختلفة لخلل القيام بالأدوار فى المجتمع مثل: أسباب أخلاقية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو غيرها. ونحن لسنا هنا بصدد التعمق في أسباب مشاكل المجتمعات ولكنها مجرد مقدمة للأفكار القادمة بالمقال.
فدائمًا يوجد تياران فكريان عند ذكر الفن والمجتمع. التيار الأول ينادي بارتباط صناعة الفن بالمجتمع، والتيار الآخر ينادي بعدم ارتباطهما. كلاهما لديه حججه الوجيهة ومن الممكن وضعها بالاعتبار. التيار الأول يرى التأثير الكبير للفن على المجتمع وما يترتب عليه مطالباته بإنتاج فن أخلاقى وتربوي أكثر وذي رسائل إيجابية للارتقاء بأفراد المجتمع ومن ثم الارتقاء بالمجتمع ككل. وكأن الفن هو العصا السحرية أو عصا هارون وتأثيرها على المجتمع سيكون إعجازي حتمًا. ولكنني أرى أنها تظل رؤية غير ناضجة للفن ومغزاه. أما التيار الآخر فيرى أن المجتمع يؤثر على الفن ومن ثم يجب حماية حرية الفن وإنتاجه ومنع وجود وصاية أخلاقية على الفن بأى حال. وهي أيضًا فكرة ساذجة حتمًا ولكن قبل خوض هذا النقاش، أيًا من الفكرتين أقرب للواقع؟
فى الحقيقة سؤال: هل الفن يؤثر على المجتمع أم العكس؟ هو سؤال شهير جدًا. فلا شك في التأثير الكبير للفن بكل أنواعه المتباينة على البشر فى مختلف العصور. حديثًا الفنون أخذت منحنى تصاعديًا فى مدى انتشارها وسهولة توافرها عن ذى قبل. وهذا يضعنا أمام تساؤل: ما هى تداعيات تعرض البشر على هذا النطاق الواسع بالفنون؟ وفي الوقت ذاته لا يمكننا إنكار تأثير البيئة مكونة من الأفراد والمجتمع على الفن. ففي كثير من الأوقات الفن يحاكي ما يحدث في الواقع من أمور إيجابية وسلبية؛ ولكن هل يمكننا حينئذ اتهام الفن بتأثيره السلبي؟ أراه قصورًا واضحًا في قراءة الواقع بعين نقدية وحيادية.
وأرى أنها فرصة جيدة لتقديم رؤية مختلفة لفهم واقع ارتباط الفن بالمجتمع وتأثيرهم على بعضهم البعض. ويمكننا اتخاذ التيارين الفكريين السالف ذكرهما كدليل يمكنه إرشادنا للوصول لغايتنا. الفن يؤثر فى المجتمع بكل تأكيد، ويمكننا ذكر الكثير من الأمثلة على هذا التأثير مثل تأثر الأطفال بما يشاهدونه سواء كانت أعمالًا موجهة للأطفال أو غيرها. يوجد الكثير من الأعمال الفنية ساهمت فى تغيير قوانين وتشريعات تخص مواطنين مظلومين من أوضاع غير عادلة. وحتى على نطاق أبسط من المثالين السابقين فالكثير من الأعمال الفنية الناجحة والشعبية أضافت للغة العامية الكثير من المفردات والتي تعيش بين ألسنتنا حتى الآن. بيت القصيد هنا أن التأثير الواضح للفن على المجتمع هنا هو تأثير غير ممنهج. وإن كان التأثير ممنهجًا مثلما استخدم هتلر البروباجندا لبرمجة شعبه فلا يمكن أن نسمي هذا فنًا.
و أيضًا يؤثر المجتمع بأجوائه على الفن أيضًا ولدينا أمثلة عديدة هنا. فتوجد أعمال فنية تأثرت بعصر خصخصة القطاع العام فى مصر أو الفساد الإداري أو ما يحدث من انتهاكات من جانب الكيان الصهيوني أو ثورات الربيع العربي أو حتى التضييق على الفن في إيران. فكلها صور مختلفة من بيئات متباينة أثرت على الفن بشكل واضح جدًا فى الكثير من الأعمال الفنية والمواضيع المطروحة فى السوق الفني. لا يمكننا فصل المجتمع وتأثيراته عن الفن. فالفن ديناميكي كالكائن الحى فهو ليس نظامًا مغلقًا على ذاته؛ بل هو يتأثر ويؤثر فيما حوله. ولكن فكرة عدم وضع وصاية -أو رقابة لدقة التعبير- وترك الحرية مفتوحة بشكل مطلق للأعمال الفنية هي فكرة ليست برشيدة. فإن الرقابة ضرورية لوضع تصنيف عمري على الأعمال الفنية على أقل تقدير فكما ذكرنا أن الأطفال مُعرَضُون للتأثر بما يشاهدونه اكثر من غيرهم نظرًا لعدم اكتمال وعيهم وإداراكهم وشخصياتهم على حد السواء.
إذن مَن المنوط بحل مشاكل المجتمع؟ بالتأكيد ليس الفن. فالفن لم يوجد فى الأساس لهذا الغرض خصيصًا وأية آثار إيجابية أو سلبية للفن ما هى إلا آثار جانبية له. القائم على حكم المجتمع فى يده الأدوات التى تمكّنه من إعادة توازن المجتمع مثل أن يقوم كل شخص بدوره فى المجتمع دون تقصير او خلل سواء مؤسسات أو أفراد. فدور الفن هو البحث عن المعنى والجمال والتعبير عن النفس البشرية بصدق وعمق شديدين والتأثير فى مشاعر متلقيه إن كان المنتج الفني يعبر عن صدق معناه ورسالته بشكل خالص. يمكننا أيضًا استخدام الفن كوسيلة للكشف عن أية مشاكل أو خلل أو آفات في المجتمع أو أفراده، هذا بشرط أن يكون صانع الفن صادقًا فيما يريد قوله بعيدًا عن الأغراض التجارية بعض الشيء. وأن رأينا تأثيرات إيجابية كبيرة فيمكننا رؤيتها بأنها آثار جانبية وغير ضرورية أو حتمية للفن وأيضًا فى بعض الأحيان يمكن أن تعبر عن رغبة أفراد المجتمع في إصلاح مجتمعهم وعن صدق نواياهم فى ذلك. أما إذا نتج عن المنتج الفني آثار سلبية فممكن رؤية ذلك على أنه مؤشر لنا كمفكرين وفلاسفة على تردّي الوضع الراهن فى المجتمع وأفراده وضرورة البحث وراء أسباب هذا التردّي. وبالتأكيد هذه ليست رؤى نهائية بل استرشادية فكل حدث له متغيرات كثيرة للغاية لا يمكن حصرها او دراستها إلا بشكل منفصل ومفصَّل.

