المذيعة: مفكرتش تشتغل؟
اللمبي: مش فاضي
المذيعة: دا مبرر تبقى بلطجي يعني؟
اللمبي: نعم؟
المذيعة: يعني ليه بقيت بلطجي؟
اللمبي: واحد مصاحب علي علوكة وأشرف كخة عايزاني أطلع إيه طيار؟
هذا جزء من الحوار الذي دار بين اللمبي والمذيعة داخل جدران السجن. وهذا المشهد مشهور ومنتشر على منصات التواصل الاجتماعي ويتداوله الناس على سبيل السخرية. لقد شاهدت هذا الفيلم في صغري وأتذكر كم كان مضحكًا جدًا. ومنذ فترة قريبة كنت أشعر بالضجر كثيرًا؛ فقررت أن أشاهد فيلمًا من الأفلام القديمة الجيدة، كي أشعر بتحسن. ووقع اختياري على فيلم «اللي بالي بالك» الذي يحكي قصة شاب بسيط اسمه اللمبي. كنت أتوقع أن الفيلم سيكون خفيفًا ومشاعره التي يثيرها فيّ ليست دسمة أو قوية جدًا؛ ولكن ما حدث أثناء مشاهدة الفيلم لم أتوقعه إطلاقًا. لقد رأيت في الفيلم أفكارًا ومعاني ومعضلات تستحق التفكير والنقاش، ليس هذا فحسب! لقد تأثرت كثيرًا لدرجة أنني بكيت. وبعد انتهاء الفيلم جلست متأثرًا ومُحمَّلًا بمشاعر قوية بالأفكار التي يعرضها ويناقشها الفيلم. وأدركت أمرين؛ الأول إن هذا الفيلم ليس هزليًا أو ساخرًا بلا هدف، بل إنه عميق بالأفكار والفلسفة التي ينطوي عليها. والثاني إن معظم الضحك والسخرية في هذا الفيلم يُعتبران كوميديا سوداء. ولذلك قررت أن أكتب هذا المقال لأشارك قراءتي للفيلم والأفكار التي أثارها لدي.
فيلم «اللي بالي بالك» من بطولة محمد سعد، وإخراج وائل إحسان، وتأليف الثنائي؛ سامح سر الختم، ونادر صلاح الدين. وصدر الفيلم عام 2003.
اللمبي شاب بسيط جدًا، يعيش في غرفة أو شقة صغيرة جدًا «فوق السطوح». يسعى اللمبي للظفر بحقه في شقة الراحل والده التي استولى عليها عمه. يحاول سرقة العقد، ويفشل فيدخل السجن لتظهر شخصيات أخرى ستلعب أدوارًا مهمة في القصة، أهمها مأمور السجن «رياض المنفلوطي»، وأحد ضباطه «أدهم».
العملية، والمفارقة بين اللمبي ورياض
بعد دخول اللمبي السجن يحاول الهرب وأثناء المطاردة بينه وبين رياض يحدث تصادم وحادث للاثنين، وفي المستشفى تخرج الطبيبة وتقول إن العملية نجحت؛ ولكنها تحتفظ بتفاصيل أخرى لم تقلها سوى للضابط أدهم، وهي أن هناك جزءًا في مخ رياض تلف تمامًا ولا بد من استئصال هذا الجزء من متطوع ليعيش، وهذا المتطوع هو اللمبي. والنتيجة النهائية هي امتزاج جسد رياض، بعقل ووعي اللمبي. وهنا يبدأ الصراع الأصعب على اللمبي، ويمكن اختصاره بأنه «العيش حياة ليست بحياته». أصبح على اللمبي أن يقوم بدور رياض باشا المنفلوطي مأمور السجن يوميًا، وعليه أن يقتنع بأنه رياض وليس اللمبي.
تظهر المفارقة بين اللمبي ورياض بمقارنة تصرفات كل منهما في المواقف نفسها. رياض كان شخصًا قاسيًا تمامًا، لا يتعاطف مع أحد، لا في عمله ولا في حياته الشخصية أو مع أسرته. في بداية الفيلم يأتي أحد العساكر أو «صول» إلى مكتب رياض ويطلب منه التوقيع على طلب للحصول على إجازة؛ فإذا برياض يصيح فيه: «أجازة! يعني إيه أجازة! يعني إيه بقالك شهر منزلتش! إيه الانحلال اللي انتو فيه دا؟!»، وهذه القسوة لم تكن حصرًا على زملائه أو العاملين معه، بل إنه كان يتعدى على المساجين ويعاملهم بقسوة شديدة. وفي حياته الشخصية كان يقسو على زوجته بالكلام ويسيء إليها ويُهينها، أما عن ابنته فلم يكن يتعامل معها أصلا؛ هي بالكاد تعرفه كأبيها.
أما اللمبي عندما لعب دور رياض، أبدى النقيض في معظم المواقف، بدأ يعامل المساجين بلطف ويمزح معهم. وعندما علم أن هناك سجينًا يتمنى حضور زفاف ابنه؛ ذهب إليه وأخبره بنفسه أنه سيسمح له بحضور الزفاف، وأيضًا سيذهب بنفسه لتهنئته ومشاركته في هذه المناسبة السعيدة، وعندها بكى العجوز –السجين– من فرط الفرحة والمفاجأة، إذ إنه لم يكن يصدق نفسه، واحتضنه اللمبي ليهوّن عليه. وعلى مستوى الحياة الخاصة مع أسرته، بدأ يوطد علاقته بزوجته ويعاملها بلطف، وبدأ يتواصل مع ابنته عندما تجاهلته ولم تتعامل معه. وكانت زوجته تشعر برضا أكثر وسعيدة بالاختلاف الحاصل بعد العملية.
المفارقة هنا إن الشخص الذي حظى بقدر أكبر من التعليم والثقافة –رياض–، لم يكن يتعامل بإنسانية مع من حوله، بل كان يقسو عليهم؛ بينما الشخص البسيط الفقير غير المثقف، الذي لم يَنَلْ قدرًا جيدًا من التعليم –اللمبي–، أظهر قدرًا كبيرًا من الإنسانية والتعاطف مع من حوله، ووطد علاقته بهم برغم بساطته وقلة معرفته.
وهذه الفكرة مهمة وجديرة بالتفكير والذكر. إن التعليم والعلم والمعرفة لا يضمنون أن يكون المرء إنسانيًا في تعامله مع من حوله وفي نظرته لهم، ولا يضمنون أن يتصرف بشكل أخلاقي. وأن ينظر المرء لمن حوله على أنهم بشر مثله برغم اختلافاتهم، لديهم مشاعر، وآمال يسعون لها.
بالرغم من إن اللمبي تم إظهاره بصورة سلبية من حيث أفكاره التي يطرحها، عندما يتحدث يظهر كشخص غبي وجاهل بسبب كلامه غير المفهوم أو غير المرتب أو العشوائي أو جميع ما سبق؛ إلا إن بداخله قلب يستطيع التعاطف مع الآخرين. وهذه من أهم الصفات في الإنسان –إن لم تكن أهمها–.
شخصية اللمبي ليست غير أخلاقية بالضرورة!
عندما وُضع اللمبي مكان رياض وبدأ يلعب دوره، لم يتوانى اللمبي في أن يكون أخلاقيًا وأن يفعل الصواب. وليس في الرفق بمن حوله والتعاطف معهم فحسب؛ وإنما في القيام بالواجب الأخلاقي الذي كان سيقوم به رياض على أكمل وجه.
في ذروة الأحداث حدث صراع بسبب المسجون الذي دفع رشوة لأدهم وهرب، مما زاد الضغط على اللمبي، حيث لم يكن يدرِ ما يجب عليه فعله. ولكن في النهاية قام اللمبي بإرجاع المسجون بعدما لحق به إلى المطار قبل أن يسافر.
بيت القصيد هو إن اللمبي قام بواجبه الذي كان سيقوم به رياض، ولكن المفارقة هي إنه كان أكثر إنسانية في معاملة من حوله وأكثر رفقًا بهم. وهذه النقطة جديرة بالتأمل والتفكير، وهي إنه لا يشترط أن تكون قاسيًا كي تتصرف بشكل أخلاقي، كما إن القواعد الموضوعة لا يشترط أن تكون أخلاقية بالضرورة. ما قام به اللمبي هو إنه فكر قبل تطبيق أي قاعدة أو سلوك يُفعل من قبل أي شخص في منصبه، ولم يلتزم بتطبيق هذه القواعد بالتسليم بأنها صحيحة. فمثلًا لم يقم اللمبي بمعاملة المساجين بقسوة أو الاعتداء عليهم بالنظر لكونهم مذنبين بشكل مجرد دون أي تفاصيل أخرى، كما إنه ساعد العجوز المسجون وأخرجه لحضور زفاف ابنه ضاربًا عرض الحائط بالقواعد أو المتعارف عليه في معاملة المساجين. وفي نفس الوقت لم يتوانى في التصرف بحزم عندما تطلب الأمر، وأعاد المسجون الهارب.
وهذه الفكرة مهمة جدًا للمجتمع ولا بد من فهمها وترسيخها؛ إن التصرف الأخلاقي ليس فعلًا ثابتًا يتم تكراره في مختلف المواقف. وإن تطبيق القانون والالتزام بالقواعد دون مراجعة وتفكير قد يقود إلى تصرفات غير أخلاقية. ولا ينبغي أن نقدس القواعد بشكل مطلق دون النظر إلى حيثيات كل حالة وكل موقف.
ولي تجربة مع قناعتي بهذه الفكرة والتفكير في جدواها. كنت في صغري أعتقد أن القواعد والقوانين هي معيار صالح تمامًا لتقييم أخلاقية السلوكيات، إلى حد أن والدي قال لي ذات مرة: «انت لما تكبر هتقطع الناس بالشوكة والسكينة!». وبالقراءة والتفكير والمراجعة أدركت أنني كنت مُخطئًا بشكل واضح وفادح. ولا زال الإنسان يتعلم ويسعى في تطوير ذاته.
الصراع لأجل حياته (عايز أعيش حياتي أنا)
فكرة الصراع لأجل عيش حياته الخاصة من أكثر الأفكار الواضحة في الفيلم. وأعتقد أن هذه الفكرة ليست شائعة، أنا أسمع كثيرًا أشخاصًا يتمنون أن يعيشوا حياة أخرى لأشخاص آخرين (ياريتني كنت مكانه!). ولكن الفكرة التي طرحها الفيلم تقول عكس ذلك تمامًا. رغم الغنى والرغد الذي يعيش فيه رياض، والسلطة والنفوذ، والأسرة، وكل ذلك… يرفض اللمبي كل هذه المميزات، ويريد أن يعود ويعيش حياته السابقة. وهنا يأتي التساؤل، لماذا يرفض اللمبي هذه الحياة الأفضل؟ الإجابة هي أنها تبدو حياة أفضل بالنسبة للمشاهد، لكنها ليست كذلك بالنسبة لللمبي. لأنه ببساطة لا يعيش حياته؛ وإنما حياة رياض. وهناك مشهد يشرح فيه هذه الفكرة بوضوح. عندما ذهب إلى الطبيبة التي قامت بالعملية الجراحية، منفعلًا لينتقم منها، وقالت له الطبيبة: «احمد ربنا إنك لسه عايش»، فرد بعصبية: «هو أنا كدا عايش؟! أنا كدا مش عايش!»، وبعدها جلس منهارًا يبكي، وسألته الطبيبة عن سبب انزعاجه وتفكيره بهذه الطريقة، فرد قائلًا: «أحسبها إزاي؟ مراتي اللي مش مراتي! ولا بنتي اللي مش بنتي! ولا شغلي اللي مش شغلي! ولا شُربي اللي مش شُربي! ولا أكلي اللي مش أكلي…». وهنا تتضح الفكرة أكثر. إن اللمبي لا يريد السلطة ولا النفوذ. وأما عن الأسرة، فبالرغم من إن زوجته جميلة وكان لديه مشاعر تجاهها، إلا إنه لم يكن مرتاحًا أيضًا؛ والسبب أنها تحبه كرياض وليس اللمبي. وهذا أكثر ما يؤلمه، إن الجميع يعامله كرياض وليس اللمبي. وأيضًا يؤرقه أن كل هذه الحياة ليست له، إنه لا يشعر باستحقاقه لكل تلك الأشياء. كان سيكون سعيدًا بها ويشعر باستحقاقه لها إذا كان قد وصل لها باجتهاده أو في حياته كـ لمبي. وهذه فكرة مهمة أيضًا، ألا يأخذ الشخص ما لا يستحقه، أو ما لم يسعَ لأجله. فبالرغم من إن اللمبي لم يأخذ دور رياض بإرادته، وإنما وُضع في حياة رياض رغمًا عنه ولا يستطيع العودة لحياته السابقة؛ إلا إنه لم يرتح في هذه الحياة ولم يتأقلم معها، لم يتقبل أن يعيش حياة غيره. وفي المشهد الختامي بعدما قام اللمبي بواجبه وأعاد المسجون الهارب، وقع على استقالته، وخلع ملابسه ومشى في الشارع بملابسه الداخلية يصرخ ويقول: «أنا مش رياض! أنا اللمبي!»
اللمبي يريد أن يكون شخصًا أفضل
في الذروة عندما كان اللمبي يسعى في معرفة أمر السجين الهارب، حصلت مواجهة بينه وبين أدهم، الذي كان يريد أن يتم التكتم على الأمر وأن يفلت بفعلته في مساعدة السجين على الهرب، وبالرشوة الكبيرة التي أخذها مقابل ذلك. وهنا كان الحوار يزداد حدة بينهما. هذا المشهد مميز جدًا ومُلهم، ولكن سأذكر فقط الجزء الذي أريد تسليط الضوء عليه، لإيضاح الفكرة التي أريد ذكرها هنا. عندما أدرك أدهم أنه بلا حيلة لإيقاف اللمبي، بعدما وضعه اللمبي أمام الأمر الواقع قائلًا: «اثبت إن أنا مش أنا!»، ويقصد بهذه الجملة أنه أصبح مكان رياض ويستطيع أن يقوم بما يستطيع رياض فعله. هنا بدأ أدهم في استعطاف اللمبي، وعرض عليه أن يأخذ أي مبلغ مالي يطلبه كرشوة ليتكتم على الأمر، ليحدث هذا الحوار عندما يرد اللمبي:
اللمبي: مش عايز فلوس!
الصول رياض: امال عايز إيه؟
اللمبي: عايز أبقى محترم يا أخي!
قال اللمبي هذه الجملة بحزم وهو متأثر جدًا لحد البكاء. ولم ينتهِ الحوار هنا، رد عليه أدهم يستعطفه ويخبره أنه مُخطئ:
«احترام إيه يابني اللي بتتكلم عنه؟! ما أنا قدامك أهو، طول عمري محترم وبكافح، عملت إيه؟ الناس حواليا بتقلّب وبتعلى فوق، وأنا! بنزل تحت! تحت! تحت! تحت! لما بقيت تحت في البيت وفي الشغل وفي الشارع، بقيت بني آدم درجة تانية. اعمل معروف يا لمبي! أنا مستني الفرصة دي بقالي كتير، وأهي جت. ساعدني يابني!».
وكان اللمبي منصتًا لكلامه باهتمام إلى أن أنهاه، ثم رد قائلًا:
«بقى عشت طول عمرك مستني فرصة تبيع فيها نفسك؟ يا راجل! دا أنا مستني نص فرصة عشان أشتري نفسي!».
إن اللمبي يسعى لأن يكون إنسانًا أفضل، إنسان يعيش بنزاهة! وهذا لا يتنافى مع كونه شخصًا بسيطًا قليل الحيلة والعلم والثقافة. وهذا يشير إلى نقطة مهمة؛ إن اللمبي ليس قانعًا بأن يعيش طوال حياته وحيدًا فوق السطوح في فقر، على الإطلاق، هو يريد أن يعيش حياة أفضل ويسعى لفعل ذلك.
عندما شاركت هذه الفكرة مع صديق لي، أخبرني أن الفيلم يروج أيضًا لأن يظل الشخص الفقير أو البسيط كما هو، وألا يصعد إلى مكانة أعلى في المجتمع، وذلك يفسر سبب رفض اللمبي لكل هذه المميزات من سلطة، وثروة، ومكانة اجتماعية، وزوجة وابنة؛ إذ إن اللمبي كان يعيش وحيدًا قبلها، أو كما يُقال «مقطوع من شجرة!». ولكني أختلف مع هذا المنظور شكلًا وتفصيلًا، وسأوضح لماذا.
أولًا: هذا افتراض بأن جميع البشر يسعون للسلطة، وهذه فكرة مغلوطة، هناك أناس يرفضون المناصب ويريدون الحياة دون السعي لأي سلطة أو نفوذ، يكفي فقط أن تكون حقوقهم محفوظة. وبالمناسبة أنا واحد من هؤلاء الناس، فبالرغم من إنني أدرس في كلية الحقوق على سبيل المثال، إلا إنني لا أسعى للوصول لأي وظيفة في الهيئات القضائية، لا أريد منصب أو سلطة تعطيني الشعور بالأمان أو القوة للحفاظ على حقوقي، فضلًا عن رد حقوق من أعرفهم. ولكني أيضًا أتفهم سعي معظم دارسي الحقوق إلى هذه المناصب، أو سعي الناس عامة إلى السلطة والنفوذ. وقد ظهر هذا الاتجاه نتيجة خلل في المجتمع، بسبب شيوع الظلم من ذوي السلطة، وشيوع فكرة «إنه للحفاظ على حقوقي يجب أن أصل إلى قدر من السلطة والنفوذ في المجتمع، سواء بنفسي أو أن يفعل ذلك أخي أو ابني أو أيًا يكن…»، هذه الفكرة ترسخت في المجتمع للأسف الشديد. وأنا لا أنكر أنني كنت أفكر بهذه الطريقة سابقًا، ثم أدركت أن هذا لا يناسبني، فهي ليست الطريقة التي أريد تمضية حياتي من خلالها. وهذا لا ينفي وجوب تحمل المسئولية لإحداث تغيير أو لمساعدة الناس في المجتمع، لن أتوانى في ذلك. الفكرة هي أن السلطة في السياق المجتمعي الحالي غالبًا ما تكون طريقة لسد الفراغ الحاصل بسبب الخوف من التعرض للظلم، أو الشعور بقيمة الإنسان في وظيفته وثروته ومكانته الاجتماعية؛ بينما من منظوري السلطة هي مسئولية تجاه الآخرين وليست امتيازًا للسيادة عليهم. بيت القصيد هو إن السلطة لن تساعدني في تحقيق ذاتي أو الرضا عن نفسي، وإنما سيساعدني أن أسعى لفعل ذلك بشكل أعمق بداخلي، وليس بشكل ظاهري أو شكلي فقط.
رجوعًا إلى اللمبي، فهو لا يشعر باحتياجه للسلطة، بل هو غير مرتاح لوجوده فيها.
ثانيًا: بالنسبة لزوجته وابنته، فهو كان سعيدًا معهما، وترك الأمر أثرًا طيبًا بداخله. لكن ما كان يزعجه ببساطة أن كل ذلك مزيف، زوجته لا تحبه أو تتقبله كما هو، لا تحبه لشخصه؛ وإنما تحبه ظنًا منها أنه شخص آخر –رياض–. وهذه الفكرة كفيلة بأن تصيب الإنسان بالاكتئاب. اللمبي يتمنى أن يحصل على زوجة وأن يكون أسرة سعيدة، ولكن بشرط أن يفعل ذلك بنفسه، لا أن يوضع في حياة شخص آخر ويحظى بما بناه هذا الشخص متقمصًا دوره فحسب. هو يريد أن يحب ويختار فتاة تحبه وتختاره. هذا كل ما في الأمر.
الكوميديا السوداء
هذه الفكرة ليست خاصة بالفيلم بقدر كونها خاصة بالمشاهدين واستقبالهم له.
«الكوميديا هي تراجيديا مع مساحيق التجميل». هذه المقولة قرأتها منذ فترة طويلة ولم أفهمها جيدًا. ثم استحضرتها وبحثت عنها منذ فترة، بسبب ملاحظتي لما نضحك عليه عادة، والتساؤل حول ما إذا كان كوميديًا بالفعل أم لا. يمكنني الاستفاضة وطرح أمثلة لفداحة ما يضحك عليه الناس ويظنونه لطيفًا وكوميديًا. لكن لنركز الآن على الفيلم.
أغلب المواقف الكوميدية وجدت أنها ليست كذلك في باطنها.
الضحك على اللمبي والسخرية منه كونه شخصًا غبيًا ليس أخلاقيًا، اللمبي يظهر من خلف الشاشة فلن تُجرح مشاعره بضحكنا؛ بينما عندما يحدث ذلك في الواقع قد تؤدي ردود أفعالنا إلى إيذاء الآخرين بشكل كبير.
السخرية من اللمبي والضحك عليه كونه شخصًا جاهلًا ليس أخلاقيًا أبدًا. حتى في أمر يبدو بسيطًا كالكلمات الإنجليزية التي لا يفهمها من زوجته. هي كانت تمدحه، وهو لم يفهم ذلك وكان يستاء أحيانًا من الأمر. ولا حاجة لأن أفترض حدوث هذا في الواقع؛ لأنه يحدث بالفعل! ويضحك الناس ويسخرون ممن لا يفهم الكلام الذي يُقال. بل إن الوضع أسوأ وأفدح من ذلك، إن الأطفال والتلاميذ عامة في مختلف المراحل التعليمية أحيانًا يسخر منهم المدرسين بادعاء أن أسئلتهم غبية. وأنا رأيت ذلك بوضوح من خلال تجربتي الشخصية. أنا لا أتقبل هذا بأي شكل من الأشكال. وهناك جملة معبرة ترددت على مسامعي كثيرًا في صغري: «الأدب فضلوه على العلم!». العلم والمعرفة مهمان جدًا، ولكن لا خير في علمك إذا تكبرت أو تعاليت على الآخرين، أو حتى إذا سخرت ممن هم أقل منك علمًا. كما إن المعرفة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.
يجب أن أنوّه وأوضح أنني لا أرفض عرض الشخصيات بهذه الطريقة في الأعمال الفنية، أنا أناقش استقبال الناس والمتلقين لهذا العرض. وهذا مؤشر لوعي وثقافة المجتمع؛ يمكننا من خلال ذلك السعي لتطويره.
خاتمة
إن العلم والمعرفة والغنى أو الثروة يعتبرون وسائل وليس غايات مجردة نسعى إليها، ولكن عندما تختلط هذه الأفكار وتلتبس على المجتمع تنتج أوضاع سيئة وقد تكون كارثية. وهنا يأتي سؤال بديهي ومهم؛ إذا كانت كل هذه وسائل، إذًا فما الغاية؟ الإجابة هي أنه لا توجد إجابة ثابتة للجميع! كل شخص له غاية خاصة به وتعبر عنه.
هناك ثوابت مجتمعية حاليًا سيئة وهشة وتخلق الفوضى والمشاحنات الفارغة للأسف الشديد، أنا أدعوكم لتمحيص هذه الثوابت والبت في صلاحياتها؛ بدلًا من التبرير لحمايتها من أي انتقاد.

