Site icon فلسفة بالبلدي

إبراهيم ذو القلب الأبيض

يمشي بقدمٍ عارجة، يفتح مطواة قرن غزال يحك بها رأسه، يقتحم سطوة سمكة أصغر منه تأكل سمكة أصغر منها، فيمسك السمكة الصغيرة صاحبة الملابس الكروية ويهدي لها ضربة برأسه، فتترنح ويصدم يدها التي بها مطواة من نفس النوع في الحائط لتسقُط، فيضربها بمطواته المسنونة قبلها بدقائق، ويكمل مشاجرته على نغماتٍ رنانة لمناجاة الرب لينقذ تلك الغابة من شر نفسها، المشاجرة تتوسع بعدها بدقائق، ليصارع الغابة بأكملها بشجاعة مبهرة كشجاعة جلجامش وجرأة أخيل.

ذلك كان مشهد من فيلمي المُفضل “إبراهيم الأبيض” الفيلم الذي تنقسم الآراء حوله بين أنه من أعظم أفلام السينما المصرية، وبين أنه سبب من أسباب تدهور الجيل الجديد، حتى أنه في وقت ظهور الفيلم لقي الكثير من الاعتراضات، بل والهجوم بسبب مشاهد المشاجرات ومناظر الدم، ولكن بعيدًا عن تاريخ صدوره وتفضيلي الشخصي، ومن باب استغرابي لعالمنا كتعجب طفل، أهتم بثلاث أسئلة، وهي:

١- لماذا إبراهيم محمد عودة أصبح «إبراهيم البلطجي اللي بيكسر بيوت الناس في أنصاص الليالي والمجرم اللي قتل أبو حورية»؟

٢- هل هيما الذي «تسلم إيده قتل أربعة في حملة واحدة» إنسان شرير؟

٣- كيف نتعامل في حياتنا مع نسخ إبراهيم الأبيض؟

لفهم وصول إبراهيم محمد عودة إلى إبراهيم الأبيض صاحب ضربة المطواة الدقيقة، والحيل في المشاجرات الآتية من خبرة واضحة كسكب الزيت على جسده لمنع الإمساك به، علينا النظر إلى عالم ذلك الشخص، عالم يكون به سور مجرى العيون طريق للهرب من الشرطة وليس مزار سياحي، وفي أول مشهد في الفيلم وفي افتتاحية حياة الطفل إبراهيم الذي قُدِّر له أن يولد في الأباجية، وليس كومباوند محمي من أفراد أمن من الأباجية، نرى عالمه الذي يكتشفه هو أيضًا، نجد الطفل وهو ينام في حضن أمه هادئًا، ونتخيل أنه لو فتح جفنيه سنجد مقلتانه مطمئنة على الرغم من سكنه في عشة، ولكن تلك الخبطات من مهدي بدور خيبت آمالنا جميعًا بفزعها للعائلة الصغيرة واكتشافنا أن وراء جفني الولد الصغير عينان خائفتان، بل مرعوبتان من عصا مهدي بدور، ونجد تلك الأم وهي تحذر زوجها من فتح الباب، باب الموت والذُل والإهانة، ولكنه فتحه لأنه لا يصعب على مهدي بدور كسر باب عشة، ليفتح الباب ونشاهد عصا مهدي بدور تهوي على رأس محمد عودة ويُكمل عليه بالحذاء حتى الموت، وتلك الفجيعة الأكبر بأن ذلك الطفل لن يشاهد فقط مقتل أبوه بطريقة مهينة بل أنه اكتشف -واكتشفنا جميعًا- بأن دم أبيه لا ثمن له، بأن ذلك المنعوت بمحمد عودة لا يوجد أحد يأتي له بحقه ويعاقب من قتلوه، ذلك لأن في افتتاحية حياة إبراهيم محمد عودة نكتشف نحن وهو، أن شخصًا واحدًا هو القادر على جلب حقه، وهو المعلم مهدي بدور نفسه، نفس البلطجي الذي شارك في مقتل والده، لا لشيء إلا لأن حي إبراهيم خالي من سلطة الشرطة، ولأن بدور كما عرفنا بنفسه هو “عمدة الأباجية”. 

وأكثر شيء يعرفنا عن ذلك العالم هو صديق إبراهيم «عشري» صاحب صاحبه الذي يصف العالم بصوته الذي لم يتخل عنه البرشام فيقول: “إكمن الحكومة تصدرلك قفاها في أي حاجة حتى لو داخلها مشقوق نصين”.
ليؤكد لنا أن ذلك العالم غير مُسيطر عليه قانونيًا بالشكل الذي نتخيله، فعشري وصف الحياة بأنها غير محمية من الشرطة وأنها لن تتدخل نهائيًا إلا في حالة واحدة وهي القتل، فبسقوط شخص قتيل سيظهر اختفاءه على الأوراق الحكومية، ولحظتها سيتحتم أن تتدخل الشرطة لتحل معضلة اختفاءه، أما إذا ظهر عليه آثار البلطجة من ندوب وجروح و”عرقبة”، فالشرطة “تصدرلك قفاها”، ذلك كله على الرغم من مفارقة أن والد إبراهيم مات مقتولًا ولم يثأر له القانون!

تلك اللفتتان من حياة إبراهيم توضحان لنا سبب تحول إبراهيم محمد عودة إلى إبراهيم الأبيض، ففي افتتاحية حياة صاحبنا يكتشف أنه لا سبيل للنجاة في عالم الغابة إلا للقوي بل والبلطجي، فأبوه قُتل بدم بارد فقط لأنه ضعيف بالنسبة لمجتمع الغابة، وإذا كان في هذه العشة شخص أكثر بلطجة من مهدي بدور لكان حمى والده، وأعتقد أن إبراهيم عاش بتلك العقدة طوال حياته، عقدة أنه يجب عليه أن يصبح البلطجي الأكثر رعبًا حتى لا يؤكل كما أُكل والده، خصوصًا بأن عالمه لا تحميه الشرطة كما وصف لنا عشري، فإبراهيم لم يجد أمامه سوى طريقين، إما أن يصبح مثل والده فيموت مقتولًا بحذاء، أو أن يصبح شخص يغلب مهدي بدور في البلطجة وفرض السيطرة، ذلك كله لعقدة، عقدة الإفتراس… عقدة الحذاء.

رأيت الإله يقوم فيخلع ذاك الحذاء

وينهال كالسيل فوق أبي

أهذا .. أبي؟

وكم كنت أختال بين الصغار

بأن أبي فارع كالملك

أيغدو ليعنى بهذا القصر؟!

قصيدة الحذاء – نجيب سرور 

شاهدت تقرير صحفي عن العشوائيات، وكانت المراسلة تسأل السكان عن وضعهم في الحي، فظهر شاب حدّثها عن أن الفساد جاورهم في المنطقة وأصبحت مليئة بالمخدرات وأن مجموعة من قسم الشرطة لها مصالح مع تجار المخدرات، حين سمعت حديث الشاب وانتقاده لما يحدث في منطقته توقعت أن الفساد لم يطله لرفضه إياه، ولكن صدمني تصريحه بأنه هو الآخر يبيع المخدرات! وحين سألته المراسلة عن السبب فقال: “لأن هنا في المنطقة اللي انا عايش فيها يا تضربي حد بالنار يا حد يضربك بالنار!” صدمني سببه، وتفكرت في حياته ووجدت أنه حين عاش في مكان مليء بالبلطجية ومسجلين الخطر الذين يتشاجرون تحت سحاب من الحشيش، وحين عاش خائفًا من أن يُضرب بالنار هو أو عائلته، قرر أن يلبس ذلك القناع ليصبح الشخص القادر على حماية نفسه وحماية أهله، ذلك هو عالم إبراهيم، وآلاف من إبراهيم. 

هل إبراهيم شخص شرير؟ بالقطع لا. هل أبرر لما يفعله؟ بالقطع لا. هل أنا مجنون؟ ممكن، ولكن كلماتي ليست متناقضة، لو جمعنا خيوط حياة إبراهيم سنجد أنه كشخصية سينمائية عبرت عن إجابة السؤال بوضوح وهي لا، إبراهيم ليس بالسيئ الذي نعتقده، ففي المشاهد الأولى وهو يحل مشكلة شقيق حورية بدفعه المال نرى أنه ليس بذلك الشرير الذي كل همه جمع المال، فقلبه مازال ينبض نبضات الطيبة، وفي مشهد انهمامه على أكل الحمام وحورية تسأله وهو يتهته في رده أراها إشارة سينمائية للقلب الأبيض الذي يملكه إبراهيم، وفي قوله لحورية أنه يريد أن يترك المنطقة كلها، توجد أمنية للهرب من القناع الزائف وقناعة بالحب، وحتى مع مشهد النهاية كان كل هم إبراهيم أن يحتفظ بصديقه وحبيبته على الرغم من خيانتهم، فذلك القلب حُكم عليه بالموت ولكنه ليس قلب ميت.

من ناحية نفسية فإبراهيم هو شخص خائف، مرتجف من العالم، العالم الذي لا يعرف عنه سوى الأباجية وقسم مصر القديمة، وأعراب يحملون الرشاشات وهو يجابههم بفرد خرطوش، وزرازير اعتلوا الجبل وهو عالم أنه قتيلهم، ذلك الخوف كان هو المحرك دائمًا لإبراهيم محمد عودة، لأن «الحكومة تصدرلك قفاها في أيتها حاجة حتى لو داخلها مشقوق نصين».

من ناحية اجتماعية فأمثال إبراهيم لا يملكون الحق في الرجوع عن طريقهم، فإذا دخل أحد منهم السجن مرة أو جُرح في وجهه وأصبح ذو ندبة فالمجتمع يوصمه، المجتمع يعترض طريق فرصته للتغيير، فلا يعرف طريق العمل لأنه أصبح رد سجون ولا يستطيع أن يكمل حياته في أي مجال لتلك الندبة في وجهه، لذلك فأكبر خطية في مجتمع شعبي كالذي أنتمي له، خطية تحتاج إلى وصية حادية عشر لأنه لا يوجد بها سماح أو غفران، هي أن تجرح أحدٌ في وجهه.

من ناحية فلسفية وكونية يجب علينا أن نحاول فهم فكرة الشر، وفي محاولتي التي طالما أرقتني لفهمه وجدت عدة سُبل أهمها هي فكرة التجلي للخير بالألف واللام، هذه الرؤية أرضتني فكريًا لطرحها فكرة أن الخير المطلق يتجلى أو ينعكس في العالم بدرجات، وانعكاس الخير فينا معتمد على قدر الحُجب التي في نفوسنا، تمامًا كما المرآة، فإذا كانت المرآة صافية فالصورة تنعكس عليها بشكل ناصع واضح، أما إذا كانت المرآة عليها تراب الحجاب فتنعكس الصورة بشكل مشوه، فيظهر الشر كذلك المثال، ولكن يظهر كغياب للخير وكحضور قوي للحُجب ولا يوجد في ذاته، كالظلام لا يوجد بذاته ولكنه غياب للنور، وهذا ليس لعب بالكلمات ولكنها رؤية مختلفة، رؤية تساعدنا على فهم وجود أشخاص كهيما، وعلى تفهم لماذا وصلوا لتلك الحالة. 

من خلال هذه الرؤية أستطيع أن أحكم على إبراهيم بأنه ليس شخص شرير، هو فقط شخص غير متعلم وحجبه تغطي نور الخير لتلك الأسباب التي ذكرناها، حجب نفسه وحجب مجتمعه، هو ليس شرير في ذاته لأن الشر نفسه غير موجود في ذاته، ولا أبرر له ما يفعله لأن تبريري معناه إني راضي به ولكني غير راضي تمامًا، أنا مؤمن أن هناك دائمًا شيء أفضل، إنسان أفضل ومجتمع أفضل، وهذا معناه أني غير راضٍ على وضعنا الحالي، وعليَ فهمُ الأسباب التي أوصلتنا لهذا الحال لمعالجتها، فهذا فهم وتحليل للأسباب وحكم بعيد عن النظرة الطفولية للخير والشر، تلك النظرة التي لا ترى إلا الأبيض والأسود في العالم ولا تأبه للألوان الأخرى، هذا الخير وهذا الشر، هذا الشرير وهذا الطيب، هذا الإله وهذا الشيطان، الحقيقة أن الحياة أعقد من ذلك بكثير،  فيا ليت اللصوص يرتدون ملابس بيضاء مخططة بالأسود ويا ليت الأخيار يلبسون الأبيض النقي ووجههم يضيئ، الحياة خارج قصص الأطفال ليست هكذا! الحياة معقدة ورمادية، والخير لا يظهر في ثوب بارز والشر لا يبرح إلا أن يكون غامضًا. 

ماذا نفعل؟ مع وضعنا في الاعتبار كل هذه الأسباب ورؤية الشر أنه ينبع عن جهل وحجب، فالذي يجب علينا فعله كمجتمع هو شيء واحد فقط، هو المساعدة، هو بث الطمأنينة، هو دحض الخوف المسيطر على مناطق بعينها في مصر، الخوف من كل شيء، من البلطجية ومن الفساد، من نقص المال ومن الجوع، ومع هذه الرؤية للشر فبها أميل للحساب وليس للعقاب، كما أن السجن من المفترض أنه تهذيب وإصلاح وليس تشفي من أفراد، فهناك شخص غير متعلم ووجب علينا تعليمه، ولا يوجد شخص شرير شر مطلق يجب علينا قسمه نصين، بالطبع مع الوضع في الاعتبار أن هناك حالات حسابها هو معاقبتها، فالحساب يزيد عن العقاب في نقطة التعليم فقط.

 ولكن لأن ذلك يصعب علينا كأفراد تقديمه فأعتقد أنه كافٍ جدًا أن نتفهم، مجرد التفهم كافي، مجرد علمك بأن خلف قناع الوحش طفل خائف من عصا مهدي بدور، فقط فتْح المجال لإمكانية وجود شخص ما أفضل، كان ممكن جدًا أن يكون كإبراهيم، إلا أنه وجد من آمن أن الإنسان ليس شريرًا في ذاته وأن هناك إمكانية لأن يصير أفضل، وجد من يقدم له الجعران، ذلك الرمز الذي مهما توسخ من فضلات المجتمع ظل ينظر للشمس، ظل ينظر للحقيقة، فأصبح رمزًا للمريدية والصيرورة، ورمز لإمكانية أن تصير أفضل، ولولا ذلك، لربما كان الآن شخص مشغول بشيءٍ واحد، واحد فقط، وهو الجري من الضباط والمخبرين، والضباط والمخبرين مشغولين بالجري وراه! 

  • أسعى وراء الحقيقة، فأكسر المَرَايا الواصفة بمواجهة نفسي، وأخوض الدروب الدائرية لأصل إلى نفس النقطة مكتملًا، مستعينًا في رحلتي بمعلمين في التاريخ كالحسين، وفي الأدب كسدهارتا، وفي السينما كمحمد أبو سويلم، وبجانب هذا أفعل شيئا جانبيا وهو الدراسة في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، وبعدها أستكن على مقهي بلدي ثم أخلد للنوم مُفتقدًا منطقتي الشعبية لأستيقظ أتذكر كل تلك الكلمات.

    View all posts
Exit mobile version